الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، نوفمبر 16، 2025

«ثقافةٌ بين الرمل والجدران: نحو فضاء حرّ للهوية المغربية» عبده حقي

 


مقدمة : 
في المغرب، كما في كثير من المجتمعات التي تحمل تراثاً عميقاً وهُويّة مُتعدّدة، تقف الثقافة اليوم في مفترق طرق: بين ضرورة تثبيت الذاكرة وبين الحاجة إلى يقظة المؤسسات والفضاءات التي تستوعب هذا التراث وتُحييه. تستحضر مقالتان منشورتان في موقع “مغرس” اليوم هذا الثنائي بوضوح: الأولى تُلقي الضوء على مكوّن من مكوّنات الهوية ــ الصحراء ــ والثانية تُعرّي حالة الثقافة كمكان محتجز أو كمؤسسة عاجزة عن التجاوب. من هنا، يعيد الموقع إلى مسار النقاش الثقافي الوطني وجهاً جديداً، وجهاً يتطلب تأملاً نقدياً وتوجيهات عملية.

الفقرة الأولى: تثبيت الهوية الصحراوية – نسيج الذاكرة المتحرك
يتناول المقال «ثقافة الصحراء .. توثيق وتحليل لتثبيت الهوية وحفظ الذاكرة …» مرحلة مميزة من البحث الثقافي المغربي: عندما يُنظر إلى الصحراء كمكوّن ليس فقط جغرافياً أو سياسياً، بل حضارياً وثقافياً. 
في هذا السياق، يبرز التحدّي المتمثّل في تأهيل هذا التراث ضمن مشروع بحثي وتنموي: “يضم الكتاب مقالات طلبة سابقين أصبحوا اليوم باحثين بعدما واصلوا تكوينهم العالي”. هذا يضع أمامنا سؤالين: كيف تُمثل هذه الذاكرة الصحراوية داخل الخطاب الثقافي المغربي؟ وما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات والمؤلفون في تجسيدها؟
إن تثبيت الهوية لا يعني تجميدها في صورة ماضٍ جامد، بقدر ما يعني إدراكها كمنظومة دينامية، تتجاوز مجرد الحفظ لتدخل في دائرة الإنتاج والتجديد. ولعل هذا ما يعنينا هنا: كيف يمكن أن تتحوّل “الذاكرة” إلى فعل ثقافي حيّ، وإلى رصيد يُشارَك؟

الفقرة الثانية: هشاشة المؤسسة الثقافية – صورة “قصر” تحتاج إلى فتحها
في المقال الآخر، «قصر للثقافة، فكيف يصدق الإنسان أن يُعتقَل مواطن من داخله …» ، يُقدَّم “قصر الثقافة” كمشهد رمزي لحالة الثقافة: مكان كبير، مهيب، لكنه يبدو عاجزاً عن احتضان الفعل الثقافي الحر، بل يُستعاض فيه عن الحوار بالنمط السلطوي أو البيروقراطي.
هذه الصورة تُذكّر بأن البُنية ليست كافية وحدها لإنتاج الثقافة: هناك فرق بين صالة عرض مشيّدة وجلسة نقاش تُنظَّم، بين مكتبة ضخمة ومختبر إبداعي يعجّ بالحياة. وعندما تتحول المؤسسة الثقافية إلى “قصر” بمعنى القصر السلطاني، تفقد قدرتها على أن تكون فتحة للآخر والمختلف.
من هنا، يظهر أن التحدّي ليس فقط في تأسيس مؤسسات، بل في جعلها مواقع فعل، مواقع تساؤل وتحفيز. إنّ الثقافي الحقيقي لا يلتقي مع الجدار، بل يتفاعل مع الفراغ، مع المبتكر، مع الهامش.

الفقرة الثالثة: العلاقة بين الهوية والمؤسسة – نحو توازن بين الجذور والحداثة
إذا كان تثبيت الهوية الصحراوية يُذكّرنا بأن التراث هو رصيد وليس عبئاً، فإن هشاشة المؤسسة تُذّكرنا بأن التراث بدون فضاء مفتوح يخبو. لذلك، تُطرح العلاقة بين الهوية والمؤسسة كمسار مركب: ليس الاعتقال في الماضي، وليس التبجيل الأعمى، بل التحرر عبر المعرفة والعمل المؤسساتي.
المغرب، في هذا السياق، بحاجة إلى “فضاء ثقافي” ثالث: ليس مجرد متحف أو مركز عرض، وليس مجرد مهرجان أو احتفالية، بل مختبر ثقافي يُحوّل الهوية ­ـ بما فيها الصحراء والجذور الأمازيغية والعربية والإفريقية ــ إلى مشروع يكون فيه المواطن والباحث والفنان شركاء.
كما أن المؤسسة الثقافية ينبغي أن تكون أقلّ خشونة، وأكثر تجريباً، وأقلّ رسمية، وأقدر على احتضان المغاير والمُختلف. فالهوية لا تُحفظ في زجاج، بل تُجدد في الحوار والإنتاج.

الفقرة الرابعة: نقد المسار – ما الذي نحتاجه اليوم؟
أولاً: تشجيع البحث والثقافة الصحراوية وتعميقها بالمناهج والمشاريع والتمويل، ليس فقط كموضوع “تراثي” بل كقوة إنتاج ثقافي.
ثانياً: تحويل المؤسسة الثقافية من “قصر” إلى “شبكة” أو “ملتقى”؛ فضاء ذو كرامة ولذة يشدّ الفاعلين والمواطنين، ويحرّكهم بدلاً من أن يُسجنهم داخل جدران.
ثالثاً: دمج التكنولوجيات الحديثة والوسائط المتعددة في الثقافة، بحيث تصبح الثقافة اليومية، ليست مجرّد مناسبة أو عرضاً.
رابعاً: فتح الحوار بين المركز والمحيط، بين المدن والبوادي، بين الصحراء والحواضر، بحيث لا تبقى الثقافة “من­فذاً” بل “تجربة” تشارك فيها الجماعة كاملها.

خاتمة
من تثبيت الهوية الصحراوية إلى تساؤل “قصر الثقافة” المؤسّسي، يمرّ المشهد الثقافي المغربي اليوم بمنحنى التحدّي والتحول. وإذا كانت الهوية هي الجذور، فإن المؤسسة هي الجذع الذي يحمل فروعاً. وإذا كانت الجذور عميقة، فلا بدّ من أن يكون الجذع مرناً، قابلاً للحركة والنمو. الثقافة الحقيقية هي تلك التي تتحرّر من الجدران، وتُصبح فضاءً للعيش والفعل. وعندها، تتحول “قصر الثقافة” من مبنىٍ للعرض إلى فضاءٍ للخلق، ويصبح تراث الصحراء ليس فقط ماضياً محفوظاً، بل رافداً يُغذّي الحاضر والمستقبل.


0 التعليقات: