منذ فترة ليست بالقصيرة وأنا ألاحظ هذا التحوّل الغريب الذي يجري في عالم الأمن السيبراني. ليس لأنه عالم سريع الإيقاع بطبيعته فحسب، بل لأن العلاقة بين الإنسان والآلة فيه بدأت تأخذ شكلًا مختلفًا عمّا كنا نتصوّره. في السابق، كان الحديث يدور حول “الذكاء الاصطناعي الذي سيستبدل الخبراء”، أو “الخوارزميات التي ستعمل وحدها”. لكن حين تنظر إلى الواقع كما هو، ترى أن الصورة أبعد ما تكون عن تلك النبرة السينمائية التي أحبّ البعض تضخيمها.
الحكاية، ببساطة، تبدو أشبه باثنين يعملان في غرفة ضيّقة: شخص يتابع شاشة تومض بإشعارات لا تنتهي، وآخر – ليس شخصًا بل آلة – يقرأ أشياء لا نستطيع نحن قراءتها بالسرعة نفسها. وكلٌّ منهما يعرف أنه دون الآخر لن يكتمل العمل.
كنت دائمًا أتساءل: لماذا لا يستطيع الذكاء الاصطناعي، رغم سرعته، أن يتخذ القرار بنفسه؟ وبعد تجارب كثيرة – وتجارب غيري أيضًا – اكتشفت أن المسألة ليست قدرة حسابية ولا نقصًا في البيانات، بل شيء أقرب إلى “الحكمة” التي لا تأتي إلا من خبرة طويلة مع البشر والأنظمة وسياقات المؤسسات وأساليب المهاجمين.
الآلة تستطيع أن تخبرك بأن ملفًا ما “مشبوه”، لكنها لا تستطيع أن تقول لك لماذا سيكون هذا الملف تحديدًا مشكلة بالنسبة لقسم معيّن داخل بنك، أو لمختبر أبحاث، أو لشركة طيران. هذا الجزء يعود إلى البشر فقط.
ولأن البشر يعرفون السياق، يعرفون أيضًا متى يتجاهلون التحذير ومتى يتصرفون بسرعة. كم مرة رأيت خبراء يمرّون على إنذار من الدرجة المتوسطة ثم يقولون: “هذا يجب أن نتابعه فورًا”. بينما يرى الذكاء الاصطناعي الإنذار نفسه، لكنه لا يعرف تلك الحساسية التي اكتسبها المحلّلون عبر سنوات من التعامل مع حوادث مشابهة.
لكنّي في الوقت نفسه لا أستطيع التقليل من الدور الهائل للخوارزميات. هناك لحظات، خصوصًا أثناء الهجمات الواسعة، يحتاج فيها الفريق إلى “عين إضافية” تراقب، لا تتعب، لا تُشتَّت، ولا تنشغل بتفاصيل أخرى. هذه العين ليست بشرية، ولن تكون. إنها تلك الخوارزميات التي تعمل في الخلفية، تتتبّع البيانات، تقيس، تقارن، تجمع شذرات قد تبدو بلا قيمة، ثم تفاجئك بصِلة لم تكن تتوقعها.
وقد رأيت كيف أن نظامًا بسيطًا يعتمد على التعلّم الآلي استطاع ربط حدثين وقعا في مكانين مختلفين، وبفاصل زمني ضئيل، ثم قال للمحلّل: “انظر هنا… ربما هناك علاقة”. ولو ترك الأمر للخبراء فقط لربما لم تُكتشف تلك العلاقة إلا بعد فوات الأوان.
مع ذلك، هناك شيء لا يتحدث عنه كثيرون: الذكاء الاصطناعي ليس محايدًا دائمًا. قد يتعلّم من بيانات ناقصة أو منحازة أو مضلّلة. وقد يتخذ قرارات تبدو صحيحة حسابيًا لكنها غير منطقية من منظور الواقع. لهذا كان الخبراء دائمًا يصرّون على أن تبقى “اليد البشرية” فوق المفتاح الأخير. ليس لأن الإنسان يريد الهيمنة، بل لأنه يرى الصورة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لكل حادثة. يرى أثر قرار إيقاف خادم رئيسي في مؤسسة حساسة، أو معنى تجاهل تنبيه قد يكون مجرد ضجيج.
هذه القرارات لا تُتخذ من خلال المعادلات وحدها.
وما يجعل الصورة أكثر تعقيدًا أن المهاجمين أنفسهم أصبحوا يعتمدون على الذكاء الاصطناعي أيضًا. وهذا أمر يغيّر قواعد اللعبة. لم نعد نتعامل مع مخترقين يعملون بمفردهم، بل مع خوارزميات تتعلّم هي الأخرى كيف تُخفي آثارها، وكيف تُقلّد السلوك العادي للمستخدمين حتى تعبر تحت الرادار. وهنا، يصبح التعاون بين الإنسان والآلة في جهة الدفاع أمرًا مصيريًا، لأن الخصم لم يعد بشرًا فقط.
التحدّي الأكبر اليوم ليس التكنولوجيا بقدر ما هو كيفية خلق توازن صحي بين سرعة الآلة وحكمة الإنسان. بين التحليل اللحظي، والتحليل المتأني. بين القراءات الباردة للأرقام، والقراءات الحارّة للتجربة والحدس.
وغالبًا ما أشعر – ربما سيشعر غيري بهذا كذلك – أن هذه الشراكة لم تصل بعد إلى شكلها النهائي. ما زال بينهما شيء من الحذر، من الرغبة في معرفة حدود الآخر. لكن يبدو واضحًا أن المستقبل لن يكون لطرف دون الآخر. فالإنسان لا يستطيع أن ينجز كل شيء وحده، والذكاء الاصطناعي لا يمكنه أن يُتخذ كقرار مستقل. الصورة الوحيدة التي تبدو واقعية هي أن كليهما سيعملان جنبًا إلى جنب، لا لأن ذلك خيار، بل لأن الضغوطات التي يفرضها الفضاء الرقمي أصبحت أعقد من أن تتحملها قدرة منفردة.
وأنا شخصيًا – وربما يتشارك معي كثيرون هذا الشعور – أصبحت أرى الأمن السيبراني نوعًا من “العمل التعاوني غير المعلن”. ما يظهر لنا هو تقارير، جدران حماية، تحليلات، جداول. لكن ما لا نراه هو هذا الحوار الصامت بين العقل البشري والخوارزمية. الإنسان يُفسّر، والآلة تُضيء الطريق. الإنسان يشكّ، والآلة تُعيد التدقيق. الإنسان يربط الوقائع، والآلة تجمع كل شيء في إطار واحد.
في النهاية… ربما تكون أفضل كلمة تختصر المشهد هي “التآزر”. ليس لأن الكلمة جميلة، بل لأنها تعبّر فعلًا عن هذه العلاقة التي تتطور يومًا بعد يوم. علاقة لا تنفي قدرة أي طرف، بل تجعل كل طرف يملأ نقص الآخر. وبهذا الشكل فقط، يبدو أن العالم الرقمي سيظل قادرًا على الدفاع عن نفسه أمام موجة الهجمات التي تتسارع كما لو أنها تتنفس زمنًا آخر.
وهذا، في رأيي، ما يجعل التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي ليس مجرد خيار تقني، بل ضرورة وجودية في زمن أصبح فيه الأمن السيبراني ليس أداة، بل شرطًا من شروط استمرار الحياة الرقمية كما نعرفها.








0 التعليقات:
إرسال تعليق