أحتاج أحيانًا إلى أن أتوقف قليلًا، وأتأمل هذه الصورة التي تتشكل لي على الإنترنت، كأنني أمام مرآة تعكس أكثر مما أقول، وأبعد مما أكتب. كثيرون يعتقدون أن صورتي الرقمية صُنعت عبر نشر رواية هنا أو مقال هناك، لكن الحقيقة أنني صنعتها وأنا أفتش عن نفسي وسط زحام النصوص والخوارزميات وسرعة الزمن.
لم أدخل الفضاء الرقمي كـ"مستهلك" يبحث عن جمهور عابر، بل دخلته بعناد الكاتب الذي يريد أن يبني بيته بنفسه، طوبة فوق طوبة، نصًا فوق نص. إن موقعي الشخصي ومدونتي لم يكونا مجرد منصّات، بل كانا امتدادًا ليديّ، لمخيال يرفض أن يُحاصر في نوع أدبي واحد أو في شكل تقليدي من أشكال الكتابة. أردتُ دائمًا أن تكون صوتي متعدّد الطبقات: رواية، مقالة سياسية، تجربة رقمية، ترجمة، يوميات… كلّها أجزاء تشظت من ذات واحدة.
ولأنني لا أحب الأساطير
الجاهزة، ولا الإطراءات التي تُصاغ في غرف التحرير، اخترت طريقًا أصعب: أن أكتب نفسي
بنفسي. أن أترك الصورة تتكوّن ببطء عبر ما أنجزه، لا عبر ما يقال أو يكتبه النقاد عني.
وفي هذا التراكم البطيء، بدأت أرى كيف تتشكل صورة الكاتب الذي لا يحتاج إلى وساطة،
ولا ينتظر إشارة من مؤسسات النشر. صورة شخص يبني حضوره كما يبني نصّه: بالكثير من الصبر،
والقليل من الضجيج.
كانت «ليالي دار العبيد»
محطة فارقة في هذا المسار. كتبتها كمن يحاول استعادة ذاكرة مفقودة، لكنها خرجت من بين
يديّ لتعيش حياة أخرى في الفضاء الرقمي. رأيتُها تنتشر عبر المنصّات، عبر اقتباسات
وتسجيلات ومراجعات، وكأنني لم أكتب فقط رواية، بل أطلقتُ جزءًا من روحي ليبحث عن مكانه
في ذاكرة الآخرين. هنا فقط أدركت أن النص حين يتجاوز الورق، يصبح كائنًا حيًّا لا سلطة
لأحد عليه… حتى كاتبه.
أعترف أن علاقتي بالذكاء
الاصطناعي لم تكن علاقة حذر أو خوف. لقد دنوت منه بعين الكاتب الذي يريد أن يعرف: كيف
يفكر؟ كيف يعيد صياغة العالم؟ وكيف يسائل حدودنا كبشر؟ كتبت عنه طويلًا، ثم كتبت معه،
ووجدتني أطرح أسئلة لا تنتمي إلى التقنية بقدر ما تنتمي إلى الفلسفة: ماذا يبقى من
الكاتب حين يجلس بجانب آلة؟ وما الذي يخسره حين يتقاسم معها الورق أو الشاشة؟
ولأنني أرى الأدب مساحة
للحفر أكثر منه مساحة للطمأنينة، لم أتردد في الدخول إلى هذه المنطقة الرمادية.
وعلى الضفة الأخرى،
ظلّ الجانب السياسي جزءًا من صوتي. لم أكتب السياسة بوصفها معركة، بل كتبتها باعتبارها
مجهرًا لفهم فسيفساء البلد الذي أنتمي إليه. حاولت دائمًا أن أمسك اللغة من خصرها الهادئ،
أن أجعلها تمشي مع القارئ بدل أن تدفعه إلى الاصطفاف. ليس لأنني محايد، بل لأنني أؤمن
أن الحقيقة تحتاج لغة لا يرتجف فيها القلم.
وأقولها اعترافًا:
لم تكن علاقتي بالأدب الرقمي تجربة عابرة. فقد كنت أرى التحول الذي يعيشه النص، وكنت
أشعر أن القارئ تغير أكثر مما نعتقد. كان لا بد أن أتغير معه، وأن أرى أن الكتابة اليوم
ليست مجرد كلمات على صفحة، بل حركة بين صور وروابط وشاشات. ولأنني أرفض أن أبقى متفرجًا،
دخلت هذه المنطقة بفضول من يريد أن يفهم العالم قبل أن يحكم عليه.
ثم جاء اليوتيوب. لا
أعرف إن كان ذلك خيارًا واعيًا أم نتيجة طبيعية لمسار يرفض أن يبقى حبيس الكتابة وحدها.
حين ظهرتُ بالصوت والصورة، شعرت بأنني أضيف عمقا جديدا إلى مرآتي. صرت لا أكتب فقط،
بل أتحدث، وأواجه صورتي وأنا أتأمل قضايا الإعلام والتكنولوجيا والهوية. وهذا الحضور،
رغم بساطته، أعاد تشكيل جزء من صورتي: كاتب يتحرك بين وسائط مختلفة دون أن يفقد نبرته
الخاصة.
وإذا كان هناك ما يجعل
الصورة الرقمية قريبة من حقيقتي، فهو أن معظم ما يُكتب عني منشور بقلمي أو نابع من
مشاريعي. لم تُصنع صورتي في مكاتب الصحف، بل صُنعت في العزلة، في السهر الطويل، في
صمت الكتابة. ولهذا تبدو صادقة، حتى عندما تكون قاسية.
اليوم، حين أنظر إلى
هذه الصورة كاملة، أجدني أعيش بين اتجاهين:
هويتي المغربية التي
لا ولن أتخلى عنها، وأفقي الإنساني الذي لا ينغلق على حدود. أكتب عن المغرب بوضوح ودون
تردد، لكنني أرى في هذا البلد بوابة نحو إفريقيا، ونحو العالم، ونحو ذاكرة إنسانية
أوسع من جغرافيا واحدة.
وهكذا أفهم نفسي الآن:
كاتب يتحرك بين السرد والتحليل، بين الذاكرة والذكاء الاصطناعي، بين الورق والشاشة،
دون أن يسمح لأي من هذه العوالم أن يبتلعه بالكامل.
ربما لا أملك الإجابات
الكبرى عن الكتابة، لكنني أعرف شيئًا واحدًا: لقد اخترت أن أصنع فضائي بنفسي، وأن أترك
كتابتي تصنع صورتي، لا العكس. اخترت أن أواجه زمنًا سريعًا ومتقلبًا بالكثير من الإصرار،
والقليل من الخوف، وبقناعة لا تتغير: أن الإنترنت — رغم كل فوضاه — يمكن أن يكون مكانًا
للذاكرة، وللوعي، وللعثور على نفسك من جديد.








0 التعليقات:
إرسال تعليق