الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، نوفمبر 30، 2025

تمدد مغربي هادئ يحسم معارك الصحراء والطاقة والساحل: عبده حقي


لا أدري بالضبط متى بدأ التحوّل، لكنني أستطيع القول إن العامين الأخيرين جعلا صورة المغرب في القارة تأخذ شكلًا آخر؛ أقلّ ضجيجًا وأكثر رسوخًا. حين أنظر اليوم إلى خريطة إفريقيا، أجد أن الخطوط التي تربط الرباط بباقي العواصم لم تعد هي نفسها التي

كانت قبل أعوام قليلة. كأنّ المغرب كان يشتغل بصمت طويل، ثم خرج دفعة واحدة ليقدّم رؤية متماسكة: الصحراء في المركز، والطاقة بوابة المستقبل، والساحل فضاء النفَس الاستراتيجي الجديد.

ما جرى في مجلس الأمن نهاية أكتوبر 2025 لم يكن تفصيلًا إداريًا؛ النصّ الأممي بدا كأنه يلقي بثقله أخيرًا في اتجاه مقترح الحكم الذاتي. هنا بالضبط بدأ الإيقاع يتغيّر. دول مثل السنغال وغانا — ولكل منهما وزنها — وجّهت بوصلتها نحو الرباط. الأولى باعتبارها حليفًا ثابتًا، والثانية لأنها اختارت أخيرًا أن تنفض عنها إرث الاصطفاف القديم.

الغابون، جزر القمر، بل وحتى بعض الدول البعيدة عن دوائر النزاع، كلها صارت تنظر إلى القضية بمنطق “الحل الواقعي”، ذلك التعبير الذي ظل المغرب يردّده حتى صار اليوم جزءًا من لغة الدبلوماسية الإفريقية.

التوتر مع الجزائر لم يعد مجرد عنوان سياسي، بل تحوّل إلى حالة إقليمية قائمة بذاتها. بلد يرفع ميزانية دفاعه وأسلحته إلى مستويات غير مسبوقة، وآخر يردّ بتحديث جيشه، والكل يراقب في صمت. وبين هذا وذاك، وساطات أمريكية وإشارات أوروبية تبحث عن مخرج لائق.

ومهما اختلفت التحليلات، يبقى جذر الأزمة واحدًا: الصحراء. ومادامت هذه القضية غير محسومة بين البلدين، فإن المنطقة ستظل تمشي فوق أرض رخوة.

في لحظة ما، ربما لم ينتبه كثيرون لأهمية مبادرة المغرب تجاه دول الساحل، لكن مالي والنيجر وبوركينا فاسو فهمت الرسالة بسرعة. دول بلا منفذ على البحر، تبحث منذ عقود عن شريان يربطها بالعالم، فتأتي الرباط لتضع أمامها بابًا نحو المحيط الأطلسي.

لكن القصة ليست اقتصادية فقط. لا يمكن فصل طريق الأطلسي عن الملفات الأمنية: الجماعات المسلحة، تداخل النفوذ الخارجي، التحولات السياسية… كلها عوامل جعلت المغرب يدرك أن صناعة الاستقرار تبدأ من العمق، لا من الحدود.

كل الطرق التي ترسم ملامح السنوات المقبلة تمرّ عبر مشروع واحد: أنبوب الغاز الضخم الذي سينطلق من نيجيريا ويصعد على امتداد الساحل حتى يصل إلى المغرب.

الوثائق الفنية جاهزة، والشركة المشتركة قيد التأسيس، وملامح التمويل بدأت تتوضّح، والدول التي سيعبرها الأنبوب أصبحت أكثر إدراكًا لقيمته.

هنا لا نتحدث عن تعاون عابر، بل عن مشروع قادر على إعادة توزيع القوة الاقتصادية في غرب إفريقيا. المغرب لا يريد أن يكون محطة عبور فحسب، بل مركزًا للطاقة، ورئة استراتيجية لأوروبا في السنوات المقبلة.

مع مصر، بدا المشهد وكأنه إحياء لطريق قديم طال عليه الغبار. تعاون في الصناعة الثقيلة، تفاهمات في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وحوار سياسي متّزن يعيد للرباط والقاهرة ثقلهما الطبيعي.

أما ليبيا، فقصتها أقرب إلى محاولة ترميم بيت هدمته العواصف. المغرب لعب دورًا كبيرًا في الحوار الليبي لسنوات، واليوم يعود ليفتح خطوطًا تجارية جديدة، ويعيد الشركات، ويضع قدمًا في إعادة الإعمار المقبلة.

لم تغيّر بريتوريا موقفها، ولم تتراجع عن دعمها للبوليساريو. ومع ذلك، تأثيرها تآكل كثيرا بفعل انقسام إفريقي غير معلن. لم تعد كلمتها مسموعة كما كانت، والمغرب، من جهته، لم يذهب إلى الصدام، بل اكتفى بتحصين حلفائه وبناء دوائره الخاصة.

أما التعاون مع إثيوبيا بدا مفاجئًا للبعض. اتفاقات عسكرية، مشاريع أسمدة، تعاون أمني، وتوجه نحو بناء شراكة على المدى الطويل. وكأن المغرب يحاول أن يفتح لنفسه نافذة جديدة تطل على القرن الإفريقي، وهو ما لم يكن حاضرًا بقوة في العقود السابقة.

من جانبها لم تكن نواكشوط بعيدة، لكنها لم تكن في القلب أيضًا. اليوم، ومع مرور أنبوب الغاز عبر أراضيها، ومع مشروع الأطلسي، صارت موريتانيا جزءًا من الصورة الكبرى التي يرسمها المغرب لنفسه. التعاون البحري، الأمن الحدودي، وحركة التجارة كلها مؤشرات على شراكة تستعيد حرارتها.

حين نجمع كل هذه الخطوط المتشابكة، تبدو خريطة العلاقات المغربية في إفريقيا وكأنها لوحة يعاد رسمها بفرشاة هادئة. لا صخب، لا ضجيج إعلامي، ولا استعراضات. فقط عمل تراكمي يريد من المغرب أن يصبح فاعلًا إفريقيًا من الطراز الرفيع، مستندًا إلى الجغرافيا، والاقتصاد، والطاقة، والدبلوماسية الهادئة التي لا تحب العناوين الكبيرة لكنها تصنع الأثر على الأرض.

هذه ليست مجرد سياسة خارجية، بل مشروع طويل العمر يضع المغرب في موقع مختلف تمامًا داخل القارة، وينقل علاقاته الإفريقية من مستوى التواصل إلى مستوى الاستراتيجية.

0 التعليقات: