بهدوء يشبه ذلك الذي يسبق العاصفة، عادت هذا العام قضيةُ المغاربة الذين تمّ اقتلاعهم من الجزائر في ديسمبر 1975 إلى الواجهة، وكأنّ الذاكرة نفسها قررت أن ترفض الصمت بعد نصف قرن. فقد أعلن التجمع الدولي لدعم العائلات ذات الأصل المغربي المطرودة من الجزائر أنه لا يزال متمسكاً بمطلب بسيط في جوهره، كبير في رمزيته: اعتذار رسمي وصريح من الدولة الجزائرية، يضع النقاط على الحروف ويعترف بما جرى حين فُتحت أبواب الطرد الجماعي على مصراعيها.
التجمع ذكّر في بيانه بأن ما حدث لم يكن حادثاً عابراً، ولا سوء تفاهم سياسياً، بل عملية منظمة قادتها أجهزة الأمن الجزائرية ابتداءً من 8 دجنبر من تلك السنة، حين وجد آلاف المغاربة أنفسهم أمام قرار لا رجعة فيه: مغادرة بيوتهم، أعمالهم، أراضيهم، وكلّ ما بنوه خلال عقود، نحو الحدود الباردة. وطالب التجمع، من جديد، باستعادة كل الممتلكات التي صودرت من هؤلاء الأسر، وتعويضهم مادياً ومعنوياً عن الخسائر التي لحقتهم، لأن الألم – كما يقول البيان – لا يزول بالسنوات، بل بالإنصاف.
الذكرى الخمسون لهذا الحدث تُحييها الجمعيات تحت شعار لافت: «ذاكرة ضد النسيان»؛ شعار يُشبه وقفة احتجاج صامتة ضد تراكم الغبار على الصفحات المنسية من التاريخ. فـنحو 45 ألف مغربي – وفق شهادات التجمع – تم إخراجهم من الجزائر بطرق قاسية، لا تستثني أحداً، لا الرجال ولا النساء ولا الأطفال، بل حتى الأسر المختلطة التي جمعت بين مغاربة وجزائريين. كثيرون اقتيدوا إلى مراكز احتجاز مؤقتة، حُرموا فيها من ممتلكاتهم، ومن الأغراض الشخصية التي تُشكِّل عادة آخر خيط يربط الإنسان بحياته السابقة.
ولأنّ الصدمة لا تتعلق فقط بالطرد في حد ذاته، بل بتوقيته أيضاً، يشير التجمع إلى أنّ العملية جرت في قلب الشتاء، وعلى بُعد أيام قليلة من عيد الأضحى، ومن دون إشعار أو تفسير. هكذا وجد الناس أنفسهم فجأة أمام حدود مغلقة بالعواطف، مفتوحة بالقسوة.
ورغم مرور نصف قرن، لا يزال الجرح مفتوحاً. أسر كثيرة تحتفظ في ذاكرتها بصور ذلك اليوم: حقائب لم تُرتّب، أبواب أُغلقت على عجل، أطفال يبكون، وأحلام توقّفت عند حاجز حدودي. وفي المقابل، لا يزال الصمت الرسمي الجزائري يخيّم على هذه القضية، كأنّ الرهان هو أن تتكفل السنوات بمحو ذاكرة الألم.
لكن التجمع الدولي يصرّ على أن الذاكرة لا تُمحى، وأن حقوق الناس لا تسقط بالتقادم. ولهذا أعلن استمراره في الدعم الدولي، مستعملاً كل الآليات القانونية والحقوقية المتاحة، لإعادة فتح الملف ودفعه نحو الاعتراف والعدالة والإنصاف. كما وعد بأن برنامج إحياء الذكرى الخمسين لن يكون مجرد احتفالية، بل مناسبة لإعادة رواية ما وقع في ديسمبر 1975، بصوت أعلى، وبقدر أكبر من الإصرار.
إنها قصة لا تريد أن تبقى حبيسة الماضي… لأن أصحابها يريدون أن يُعاد إليهم شيء بسيط: حقهم أن يُقال لهم إن ما وقع لم يكن عادلاً.








0 التعليقات:
إرسال تعليق