على امتداد سنوات طويلة بقي الخطاب المتعلق بالقضية الصحراوية حبيس الثنائية المغلقة ذاتها: جبهة البوليساريو باعتبارها الصوت الوحيد، وأي صوت آخر باعتباره انحرافاً أو خيانة أو امتداداً لجهات خارجية. غير أن التحولات التي تعرفها المنطقة، إضافة إلى تراكم التجارب المريرة داخل مخيمات تندوف، أفرزت واقعاً سياسياً جديداً لم يعد قابلاً للمحو أو التجاهل. في صلب هذا التحوّل برزت حركة صحراويون من أجل السلام كإحدى أهم المبادرات التي حملت شعار التعددية والبحث عن حلول سلمية واقعية، بعيدة عن منطق الاحتكار السياسي الذي طبع خطاب البوليساريو لعقود.
ولم تولد هذه الحركة من فراغ، بل هي نتاج معاناة وتراكمات عاشها آلاف الصحراويين، من بينهم أعيان ودبلوماسيون ومثقفون وأعضاء سابقون في البوليساريو، فضلاً عن ضحايا الانتهاكات الجسيمة التي مورست داخل المخيمات. هؤلاء لم يأتوا من خارج التجربة الصحراوية ولا من هامشها، بل من عمقها، من صلب البيئة التي تعرف تماماً طبيعة التوجهات الاستبدادية التي سيطرت على قيادة الجبهة. ولذلك فإن تصويرهم اليوم كـ“عملاء” أو “واجهات إعلامية” لا يعدو أن يكون استعادة لخطاب الإقصاء ذاته الذي حكم المخيمات أكثر من نصف قرن.
كما أن إصرار الجبهة على وصف كل معارض بأنه “خائن” يعكس طبيعة بنيوية مغلقة لا تقبل النقاش أو النقد. فبعد عقود من التعذيب والاختفاءات القسرية والتطهير الداخلي والقمع الممنهج، تجد البوليساريو نفسها اليوم بصدد منح “شهادات الشرعية” و“أوسمة الولاء”، متناسية أنها لم تعد تمثل سوى جزء من الصحراويين، وأن الزمن الذي كان يسمح لها بالحديث باسم الجميع قد مضى. فالتاريخ لا يُكتب بشعار واحد، ولا يمكن لشعب متعدد أن يُختزل في رواية رسمية واحدة.
وفي هذا السياق تحديداً يبرز عنصر بالغ الأهمية يتجاهله الخطاب الانعزالي للبوليساريو: مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007، والتي اعتبرتها الأمم المتحدة مراراً أساساً جدياً وذا مصداقية للحل السياسي. لقد تحول هذا المقترح في السنوات الأخيرة إلى الإطار الواقعي الوحيد المطروح على طاولة المفاوضات، ليس فقط لأن المنتظم الدولي تبناه باعتباره أرضية عملية، بل لأن عشرات الدول – من إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية والولايات المتحدة – أعلنت صراحة دعمها له باعتباره الحل الوحيد القابل للتطبيق، في مقابل فشل خيار الانفصال الذي أثبت عجزه عن تحقيق أي تقدم منذ نصف قرن. ولعل هذا الإجماع الدولي المتنامي يعكس وعياً عالمياً بأن الحلول المتشددة لم تعد ممكنة، وأن مستقبل المنطقة لن يُبنى إلا ضمن مقاربة واقعية تستجيب لضرورات الأمن والتنمية والاندماج الإقليمي.
ولم يأت هذا التحوّل من فراغ، بل هو نتيجة تقييم دولي دقيق لمسار النزاع ولطبيعة الأطراف الفاعلة فيه. فبينما بقيت قيادة البوليساريو أسيرة خطاب جامد لا يقبل التطوير، قدم نموذج الحكم الذاتي نفسه باعتباره حلاً وسطاً يضمن للصحراويين تدبير شؤونهم الداخلية ضمن إطار سيادي واضح، ويحفظ في الوقت ذاته استقرار المنطقة. ولذلك فإن أي مبادرة سياسية صحراوية جديدة – ومنها حركة صحراويون من أجل السلام – تجد نفسها اليوم أمام خريطة دولية واضحة: العالم يريد تسوية نهائية، والأمم المتحدة لا ترى بديلاً عملياً عن مقترح الحكم الذاتي، والوقت لم يعد يسمح بالمزيد من الدوران داخل الحلقة المفرغة ذاتها.
في هذا السياق يصبح من الطبيعي أن يلتقي المسؤولون الدوليون بحركة مثل MSP، لأن المجتمع الدولي لم يعد يتعامل مع الملف بمنطق الصوت الواحد، بل بمنطق التعددية. لقد لاحظ العالم أن جزءاً كبيراً من الصحراويين لم يعد مستعدّاً للاستمرار في الطريق ذاته الذي لم يُنتج إلا المعاناة والانتظار الطويل، تحت قيادة لم تتبدّل منذ نصف قرن. الاعتراف بالتعددية ليس تبييضاً لواقع، بل إقرارٌ بحقيقة سياسية جديدة.
وفي مقابل هذا الانفتاح السياسي، تستمر قيادة البوليساريو في تأويل كل مبادرة سلمية باعتبارها تهديداً للقضية أو “محاولة لإعادة تدوير الاحتلال”. غير أن التحليل السياسي الأكثر موضوعية يكشف أن الدعوة إلى السلام والحوار والاعتراف المتبادل والبناء المشترك ليست مؤامرة، بل هي أساس أي حل سياسي معاصر. فالحركات التي تنتهج منطق التصعيد الدائم لا تُنتج مستقبلاً، بل تُمدّد صراعاً لا يستفيد منه إلا من يحتكر القرار داخل القيادة، بينما يبقى الشعب الصحراوي مجرد وقود في معركة لا أفق لها.
إن رفض أي حل تفاوضي بدعوى أنه “خيانة” يعكس موقفاً متطرفاً يناقض روح السياسة نفسها، فالقضايا العادلة لا تزدهر بالانغلاق ولا بالجمود، بل بالقدرة على التحديث والتجديد واحتضان التعدد. أما اختزال التاريخ الصحراوي في تنظيم واحد، وتفسير واحد، ورواية واحدة، فهو إلغاء لحق الناس في الاختلاف وحقهم في تقرير مصيرهم السياسي والفكري بعيداً عن الوصاية.
وإذا كان البعض يحاول اليوم إخفاء السجل الحقوقي الثقيل للبوليساريو خلف خطاب المظلومية، فإنّ الذاكرة الجماعية لن تنسى المقابر الجماعية، والتعذيب، والعنف ضد المعارضين والنساء، والإعدامات خارج القانون، والتطهير الداخلي الذي أفرغ المخيمات من كل رأي مخالف. في المقابل، تقدم حركة صحراويون من أجل السلام طرحاً قائماً على المصالحة والكرامة وبناء الثقة بين جميع الأطراف، بعيداً عن منطق الانتقام والإقصاء.
خاتمة
إن النصوص التي تستهدف هذه الحركة لا تهدف إلى إظهار الحقيقة ولا إلى فتح نقاش، بل إلى كتم أي صوت يجرؤ على التفكير خارج الرواية الرسمية. لكن الصحراويين ليسوا ملكاً لأي تنظيم، ولهم الحق – بل المسؤولية – في البحث عن بدائل سياسية بعد نصف قرن من المعاناة والانقسام. وفي هذا السياق تمثل حركة صحراويون من أجل السلام خياراً واقعياً جديداً: صوتاً حديثاً، سلمياً، متعدداً، يدافع عن مستقبل يبنى بالحوار لا بالترهيب، وبالاعتراف لا بالاحتكار.








0 التعليقات:
إرسال تعليق