يبدو المشهدُ الثقافي العربي اليوم كأنه يمشي على حبلٍ مشدود: من جهةٍ تتكاثر الإصدارات، وتتنوع الأجناس، وتتسع دوائر الترجمة، ومن جهةٍ أخرى تتراجع عادات القراءة، وتضيق شبكة المكتبات، وتشتدّ المنافسة بين الورقي والرقمي، وبين “الكتاب حدثًا” و“الكتاب سلعة”. ومع ذلك، فإنّ ما يحدث في عواصم النشر العربية—من الرباط والدار البيضاء إلى بيروت والقاهرة والشارقة—يوحي بأن صناعة الكتاب لا تزال تملك قدرةً عجيبة على التجدّد، كغصن زيتونٍ يُورق في موسمٍ صعب.
في المغرب، تُنصت الساحة الثقافية لنبضٍ مزدوج: نبضُ المعارض والملتقيات، ونبضُ السوق اليومية التي تشكو من تقلّص الفضاءات الحاضنة للكتاب. تقارير صحفية مغاربية تشير إلى واقعٍ مُقلق تعيشه مكتبات عديدة، حيث صار الرهان الأكبر على “موسم المقررات الدراسية” أكثر من الرهان على الإصدارات الجديدة، بينما يمضي باقي العام ببطءٍ ثقيل على بعض الكتبيّين، كأن الغبار يسبق القارئ إلى الرفّ. لكن هذا المشهد لا يعني الركود بقدر ما يكشف عن انتقالٍ في طرائق التلقي: القارئ لا يختفي، بل يغيّر عاداته، ويبحث عن الكتاب في المعرض، أو عبر التوصيل، أو عبر المنصات.
ضمن هذا السياق، تلعب المنابر الثقافية الرقمية دور “البوصلة” التي تشير إلى أين يتحرك الكتاب العربي. في ملحق “ضفة ثالثة” مثلًا، تتوالى أخبار “صدر حديثًا” كأنها شريطٌ يومي يلتقط تحولات المزاج القرائي: من السرد إلى الفكر إلى كتب الطفل. في الأيام الأولى من ديسمبر 2025 ظهرت عناوين لافتة تجمع بين الحسّ البحثي والاشتباك مع الراهن: كتابٌ عن “وسائط التواصل الاجتماعي” في ملف فلسفي نقدي، وكتابٌ عن “تمثلات الهوية الفلسطينية في الفضاء الافتراضي”، إلى جانب كتاب الطفل المغربي “مجد يهزم الأرقام” الذي يطرح صعوبات التعلّم عبر حكايةٍ قادرة على الاقتراب من المدرسة دون وعظ. هنا يتبدّى اتجاهٌ واضح: لم يعد الكتاب المعاصر يكتفي بتقديم “موضوع”، بل يسعى إلى بناء جسرٍ بين المعرفة والحياة اليومية، وبين التجريد وتجربة القارئ في الهاتف والمدينة والمدرسة.
ولا يمكن الحديث عن خرائط النشر العربي دون التوقف عند بيروت بما تمثله من رمزية تاريخية في صناعة الكتاب. دار الآداب، مثلًا، تواصل تقديم “سلة” متنوّعة تمزج المحلي بالعالمي: عناوين جديدة في الرواية العربية، وأعمال مترجمة لكتّاب ذائعي الصيت، بما يعكس رهانًا على قارئٍ عربي يريد أن يعبر بين الضفاف دون جوازات. في قائمة “أحدث الإصدارات” تظهر أعمال مثل «غزة الناجية الوحيدة» لغادة الخوري، و**«أغنية التمر والتين»** لعبد الله الحواس، و**«أيتها القبرة»** للحبيب السالمي، إلى جانب «تمويه» لعدنية شبلي، و**«هناك أنهار في السماء»** لأليف شافاق، و**«الحب المقلق»** لإيلينا فيرّانتي. تنوّعٌ كهذا ليس تفصيلًا تجميليًا، بل هو “استراتيجية بقاء”: حين تتبدّل الأسواق وتضيق، تصبح المرونة في الاختيارات شرطًا لكي يستمر الناشر في مخاطبة أذواق متباينة وطبقات قرائية مختلفة.
أما دار الساقي، فتقدّم نموذجًا آخر لتوازنٍ صعب بين “الكتاب الفكرة” و“الكتاب الحكاية”، عبر باقات موسمية تُعلن—بحسّ مؤسساتي واضح—أن النشر ليس مجرد صدور عنوان، بل إدارةُ توقيتٍ وثقةٍ وتوزيع. في ربيع 2025، قدّمت الدار باقة تضم أعمالًا منها رواية «خمس منازل للّه وغرفة لجدتي» لمروان الغفوري، وهي رواية تستعيد حقبة التسعينيات في اليمن وتلتقط التحولات الروحية والاجتماعية عبر سردٍ يجاور سيرة المكان وارتباك الفرد. وفي حقل الفكر ظهر كتاب «الفلسفة والسياسة» لعبد الإله بلقزيز، بما يشي باستمرار الرهان على كتب الأسئلة الكبرى: الدولة والسلطة والمواطنة ومعضلات العولمة في السياق العربي.
وإذا كانت بيروت تشتغل على الإرث والخبرة، فإن الخليج—لا سيما الإمارات—يشتغل على توسيع أفق التوزيع وبناء الشبكات. في ديسمبر 2025، عكست مشاركة منظومة توزيع إماراتية في معرض جدة للكتاب حجمًا لافتًا من الإنتاج: الحديث عن مشاركة 104 دور نشر بآلاف الكتب ومئات العناوين في جناح واحد، يوضح كيف صار “التوزيع” لاعبًا لا يقل تأثيرًا عن “الناشر” نفسه. فالقضية اليوم ليست فقط: من يطبع؟ بل: من يوصل؟ ومن يصنع للكتاب مساره من المطبعة إلى يد القارئ؟
هذه التحولات تفرض سؤالًا أكثر عمقًا: لماذا تتزايد الإصدارات بينما يشكو كثيرون من تراجع الإقبال؟ هنا تظهر “مفارقة النشر العربية” التي تلتقطها بعض القراءات الصحفية: اتساعٌ في أرقام النشر يقابله فتورٌ في الشراء والاقتناء، خصوصًا في الأدب، ما يجعل الكاتب والناشر معًا أمام معادلة قاسية: كيف تحافظ على الجودة وتستمر اقتصاديًا؟ وفي المغرب تتضاعف حدّة السؤال بسبب تقلص بعض المكتبات وتحولها إلى موسميةٍ مرتبطة بالدراسة، لا بالثقافة اليومية.
لكن، ورغم القلق، ثمة مؤشرات مقاومة جميلة، يمكن قراءتها من قلب العناوين الجديدة نفسها. ازدياد كتب تتناول الفضاء الرقمي—هويةً وتمثّلًا وأخلاقًا—يعني أن النشر العربي لا يهرب من العصر، بل يفاوضه. وعودة كتب الطفل التي تشتبك مع المدرسة والاختلافات التعليمية تعني أن الناشرين يلتفتون إلى “القارئ القادم” لا إلى القارئ المُستنزف فقط. واتساع الترجمة داخل دور عريقة مثل دار الآداب يؤكد أن القارئ العربي ما زال يريد أن يكون جزءًا من محادثة العالم، لا مجرد مستهلكٍ لصدًى محلي.
في النهاية، يمكن القول إن جديد الإصدارات العربية اليوم لا يُختصر في قائمة عناوين، بل في صورة أوسع: صناعةٌ تحاول أن تعيد تعريف نفسها وسط العواصف. الناشر العربي لم يعد حارسًا للورق فقط، بل صار مهندسًا لمسارٍ كامل: اختيار المخطوط، بناء التحرير، خلق “حكاية” للكتاب في الإعلام الثقافي، ثم التوزيع في المعارض والمنصات، وأحيانًا التعايش مع اقتصادٍ لا يرحم. وبين المغرب والعالم العربي، تتشكل خريطةٌ جديدة: أقل رومانسية من الماضي، نعم، لكنها أكثر وعيًا بشروط الواقع، وأكثر خبرةً في البحث عن منافذ للضوء.








0 التعليقات:
إرسال تعليق