الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، ديسمبر 15، 2025

قراءة نقدية في كتاب «Half-Real» لجيسبر جول: عبده حقي

 


يأتي كتاب «Half-Real» لجيسبر جول كواحد من النصوص المؤسسة في حقل دراسات الألعاب الرقمية، لا بوصفه دليلًا تقنيًا، بل باعتباره محاولة فلسفية-سيميائية لفهم طبيعة اللعبة بوصفها كائنًا هجينًا، يقف على تخوم الواقع والخيال في آن واحد. منذ الصفحات الأولى، يضعنا جول أمام أطروحة مركزية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في نتائجها: الألعاب الرقمية ليست خيالية بالكامل، ولا واقعية بالكامل، بل هي نصف حقيقية.

هذا “النصف” ليس منطقة رمادية غامضة، بل مجال معرفي متوتر، تتعايش فيه القواعد الصارمة مع العوالم المتخيلة، وتتقاطع فيه الرياضيات مع السرد، والبرمجة مع التمثيل الرمزي. فاللاعب، كما يراه جول، لا يدخل لعبة هربًا من الواقع، بل يدخل نظامًا آخر من الواقع، تحكمه قوانين مختلفة لكنها ملزمة بالقدر نفسه.

ينطلق جول من تفكيك ثنائية شائعة في الخطاب الثقافي حول الألعاب: إما أن تُفهم بوصفها قصصًا تفاعلية، أو تُختزل في كونها أنظمة تقنية مغلقة. ويقترح بدل ذلك فهمًا مركبًا يرى اللعبة بوصفها نظام قواعد حقيقي يولّد تجربة خيالية. فالضرر الذي يصيب شخصية افتراضية لا يؤلم الجسد، لكنه يُحدث أثرًا نفسيًا حقيقيًا؛ والخسارة داخل اللعبة لا تفقد اللاعب ماله، لكنها تزرع الإحباط أو الرغبة في المحاولة من جديد.

في هذا السياق، يعيد جول الاعتبار إلى مفهوم القاعدة، لا باعتبارها عنصرًا تقنيًا باردًا، بل كقوة سردية غير مرئية. القواعد، في رأيه، لا تُقيّد الخيال بل تشكّله. إنها الإطار الذي يجعل المعنى ممكنًا، تمامًا كما يفعل الوزن في الشعر أو الإيقاع في الموسيقى. بدون القاعدة، تصبح اللعبة مجرد فضاء فوضوي لا تجربة فيه ولا رهانات.

ومن أكثر أفكار الكتاب إثارة، تأكيده أن اللاعب كائن مزدوج الوعي: فهو يعلم أن ما يحدث غير حقيقي، لكنه يتصرف كما لو كان حقيقيًا. هذا التواطؤ الواعي هو سر قوة الألعاب، وهو ما يميّزها عن السينما والأدب. ففي اللعبة، لا نكتفي بالمشاهدة أو القراءة، بل نُحاسَب، نُكافَأ، ونُعاقَب ضمن نظام لا يرحم التردد.

ولا يغفل جول البعد الثقافي للألعاب، بل يربطها بتحولات أوسع في علاقتنا بالواقع في العصر الرقمي. فكما أعادت وسائل التواصل تعريف الهوية، تعيد الألعاب تعريف الفعل والقرار والمسؤولية. اللاعب ليس متلقيًا سلبيًا، بل فاعلًا داخل بنية مصممة سلفًا، وهو توتر يعكس، بطريقة رمزية، علاقتنا بالأنظمة الاجتماعية والسياسية المعاصرة.

أسلوبيًا، يكتب جول بلغة دقيقة، أقرب إلى التأمل الفلسفي منها إلى الخطاب الأكاديمي الجاف، مستندًا إلى أمثلة من ألعاب كلاسيكية وحديثة، دون أن يسقط في الانبهار التقني أو التبشير الساذج. إنه ناقد يعرف أن اللعبة ليست خلاصًا، لكنها مرآة، وأن فهمها هو خطوة لفهم الإنسان المعاصر نفسه.

في المحصلة، لا يمكن قراءة «Half-Real» إلا بوصفه كتابًا عن الإنسان بقدر ما هو عن الألعاب. كتاب يسأل، بهدوء عميق: كيف نعيش داخل أنظمة نعلم أنها مصطنعة، ومع ذلك نتألم ونفرح داخلها بصدق؟ وكيف أصبح “النصف الحقيقي” هو وضعنا الوجودي اليوم، لا في الألعاب فقط، بل في السياسة، والإعلام، والهوية الرقمية؟


0 التعليقات: