يشهد ملفّ المهاجرين العرب خلال الأسابيع الأخيرة تحولات متسارعة تمسّ مصير ملايين الأشخاص بين ضفتي الجنوب والشمال، إذ لم يعد موضوع الهجرة مجرد حركة سكانية عادية، بل أصبح قضية سياسية وأمنية وإنسانية في آن واحد. الأخبار المتلاحقة القادمة من أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط تكشف أن سنة 2026 بدأت بإجراءات أكثر صرامة مقابل تزايد المخاطر التي يواجهها المهاجرون في البحر والبر، في مشهد مركب تتداخل فيه السياسات مع المآسي الإنسانية.
أول أبرز التطورات يتمثل في تشديد القوانين الأوروبية المتعلقة باللجوء. فقد وافق البرلمان الأوروبي على تعديلات جديدة تسمح بتسريع رفض طلبات اللجوء وترحيل المرفوضين إلى دول تعتبرها أوروبا “آمنة”، كما تم فتح الباب أمام إنشاء مراكز إعادة خارج أراضي الاتحاد الأوروبي . هذه الخطوة تمثل تحولا واضحا من سياسة الاستقبال النسبي التي عرفتها أوروبا قبل سنوات إلى سياسة ردع إداري وأمني تهدف إلى تقليص عدد الوافدين بشكل مباشر .
وفي السياق نفسه أعلنت المفوضية الأوروبية رؤية جديدة لخمس سنوات مقبلة تقوم على زيادة عمليات الترحيل وإعادة النظر في منظومة اللجوء بأكملها . أما إيطاليا فذهبت أبعد من ذلك، حيث يناقش البرلمان مشروع قانون يسمح بفرض حصار بحري مؤقت إذا اعتُبرت الهجرة تهديدا للنظام العام . هذه الإجراءات مجتمعة تعكس صعود خطاب سياسي أوروبي يربط الهجرة بالأمن الداخلي والضغط الانتخابي، خاصة مع تنامي الأحزاب اليمينية.
لكن خلف القرارات الرسمية تختبئ قصص إنسانية قاسية. فقد غرق قارب قبالة السواحل الليبية أخيرا، ما أدى إلى مصرع وفقدان 53 مهاجرا بينهم أطفال . وتشير تقارير دولية إلى أن أكثر من 1300 مهاجر اختفوا في البحر المتوسط خلال عام واحد فقط . وبذلك يبقى المتوسط أخطر معبر حدودي في العالم، حيث يتحول إلى مقبرة مفتوحة للفارين من الحروب والفقر.
المفارقة أن أعداد العابرين لا ترتفع دائما، بل أحيانا تنخفض، ومع ذلك تستمر المآسي. فقد تراجعت محاولات العبور بنسبة كبيرة خلال الشتاء بسبب الطقس القاسي، غير أن عدد الوفيات ظل مرتفعا بسبب هشاشة القوارب وشبكات التهريب . هذا يعني أن الخطر الحقيقي لا يتعلق بعدد المهاجرين بل بطبيعة الرحلة نفسها.
وعلى الأرض الأوروبية يعيش كثير من المهاجرين واقعا صعبا بعد الوصول. بعض التقارير الإعلامية تحدثت عن تعرض لاجئين رجال لوصم اجتماعي وشكوك وعداء وسكن غير مستقر . فالوصول لا يعني نهاية المعاناة بل بداية مرحلة جديدة من التكيف والبحث عن الاعتراف القانوني والإنساني.
في المقابل، تحاول دول أوروبية إيجاد حلول خارج حدودها. فهناك توجه نحو عقد اتفاقيات مع دول المنشأ والعبور للحد من الهجرة أو استقبال المرفوضين. كما يجري التفكير في معالجة طلبات اللجوء في دول ثالثة، وهو تحول جذري في فلسفة اللجوء نفسها التي كانت تقوم تقليديا على استقبال طالب الحماية داخل أراضي الدولة.
أما في الضفة الجنوبية، فتظل بلدان شمال إفريقيا محطة عبور طويلة للمهاجرين العرب والأفارقة. تقارير ميدانية تشير إلى أن آلاف الأشخاص يعبرون الصحراء في رحلات خطرة قبل الوصول إلى السواحل . وفي هذه الرحلات يتعرض كثيرون للاستغلال والاعتداء والاحتجاز غير القانوني على يد شبكات تهريب تستفيد من اليأس.
اقتصاديا، لا تزال الهجرة مرتبطة بفوارق التنمية. فالأزمات في بعض الدول العربية، والبطالة المرتفعة بين الشباب، تدفع إلى استمرار المحاولات رغم المخاطر. ومع تشديد أوروبا قوانينها، يتجه المهاجرون إلى مسارات أطول وأكثر خطورة، ما يزيد أرباح شبكات الاتجار بالبشر.
سياسيا، أصبح ملف المهاجرين مادة صراع داخل أوروبا نفسها. فبعض الدول تريد تقاسم المسؤولية، بينما ترفض أخرى استقبال الوافدين. وقد ساهمت هذه الانقسامات في صياغة سياسات أكثر تشددا بدل الحلول التضامنية.
إن الصورة العامة تكشف تناقضا واضحا: أوروبا تريد تقليص الهجرة، لكنها تحتاج العمالة؛ والمهاجر يريد الأمان لكنه يجد الحدود مغلقة؛ والمنظمات الإنسانية تدعو للحماية بينما تتوسع السياسات الردعية. وهكذا يتحول البحر المتوسط إلى مساحة تفاوض غير معلن بين اليأس والأمل.
في النهاية، أخبار المهاجرين العرب اليوم ليست مجرد حوادث متفرقة، بل هي قصة مستمرة عن عالم غير متوازن. فالهجرة لم تعد حدثا طارئا بل جزءا من النظام الدولي المعاصر، حيث تتحرك الأجساد بحثا عن الكرامة بينما تتحرك السياسات بحثا عن السيطرة. وبين الاثنين تتشكل حياة كاملة معلقة فوق قارب صغير في ليل طويل.







0 التعليقات:
إرسال تعليق