الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، فبراير 19، 2026

سلسلة أدب المهجر اليوم مع (موسم الهجرة إلى الشمال ) للروائي السوداني الطيب صالح : إعداد عبده حقي


تقترح هذه السلسلة الأسبوعية رحلة قراءة في مئة كتاب من الشعر والرواية والدراسات الفكرية التي تناولت تجربة الهجرة عبر الثقافات واللغات. ليست الهجرة هنا مجرد انتقال جغرافي، بل تحوّل داخلي يعيد تشكيل الذاكرة واللغة والهوية. فالإنسان المهاجر لا يغادر المكان وحده، بل يحمل معه بلاده داخل حقيبة غير مرئية اسمها الذاكرة.

في الأدب العربي تبدأ الحكاية مع أدباء المهجر الذين كتبوا من وراء المحيط وهم يصغون إلى صوت الشرق في أعماقهم. يتحول الحنين إلى أسلوب كتابة، وتصبح اللغة جسراً بين عالمين. ثم تتسع الدائرة مع الرواية العربية الحديثة التي تتابع المنفى السياسي والاقتصادي وحياة المدن الجديدة والاندماج الصعب. في هذه الأعمال يظهر الإنسان موزعاً بين بيتين، فلا هو مقيم تماماً ولا هو غريب بالكامل.

أما في الأدب العالمي فتتعدد الوجوه واللغات، لكن التجربة واحدة. اللاجئ، الطالب، العامل، المنفي، جميعهم يكتبون عن البحث عن الاعتراف وعن خوف الذوبان في مجتمع جديد. المدن الكبرى تصبح مختبرات إنسانية: نيويورك، باريس، لندن، برلين، ليست مجرد أماكن بل شخصيات حية تؤثر في مصائر الأبطال.

الشعر يمنح هذه التجربة صوتها الأكثر صفاءً. فيه يتحول جواز السفر إلى استعارة، والحدود إلى سؤال فلسفي، واللغة إلى وطن بديل. أما الدراسات الفكرية فتقدم مفاتيح الفهم، فتشرح معنى الهوية المركبة، والذاكرة المزدوجة، والانتماء العابر للحدود.

تهدف هذه السلسلة إلى تقديم خريطة أدبية لفهم الإنسان المعاصر، إنسان القرن الحادي والعشرين الذي يعيش في أكثر من مكان في الوقت نفسه. قراءة هذه الكتب ليست فقط متعة ثقافية، بل محاولة لفهم العالم الذي أصبح كله في حركة دائمة، حيث لم يعد الوطن نقطة ثابتة على الخريطة، بل تجربة يعيشها الإنسان أينما ذهب.

اليوم مع        الطيب صالح — موسم الهجرة إلى الشمال

موسم الهجرة إلى الشمال بوصفها سيرة حضارية معكوسة

تُعد رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح واحدة من أهم النصوص العربية التي أعادت تعريف أدب الهجرة، ليس باعتباره حنيناً إلى الوطن أو وصفاً لمحنة الاغتراب فقط، بل باعتباره مواجهة فكرية بين عالمين. هنا لا يتحرك البطل من الجنوب إلى الشمال بحثاً عن العمل أو المعرفة فحسب، بل يدخل في تجربة اختبار للهوية ذاتها، فيتحول السفر إلى صراع رمزي بين التاريخ والاستعمار والذاكرة.

تختلف الرواية عن أدب المهجر الكلاسيكي الذي كتبه جبران ونعيمة حيث كان الاغتراب مساحة تأمل روحي، أما عند الطيب صالح فالهجرة حدث تاريخي ناتج عن صدمة حضارية. مصطفى سعيد لا يهاجر كي يندمج، بل كي يقاوم بصورة معكوسة. إنه يحمل ثقافته إلى قلب لندن، لكنه يستخدم أدوات الغرب نفسها لإعادة صياغة علاقته به. بذلك يصبح جسده ساحة صراع ثقافي، ويتحول الحب في الرواية إلى استعارة للهيمنة المتبادلة بين المستعمِر والمستعمَر.

لا تقدم الرواية الغرب كعدو بسيط ولا الشرق كضحية بريئة. فهي تكشف هشاشة الطرفين معاً. الشمال يبدو متقدماً علمياً لكنه فارغ روحياً، والجنوب غني بالذاكرة لكنه عاجز عن حماية ذاته من التمزق الداخلي. لذلك فإن مأساة مصطفى سعيد ليست نتيجة صدام حضارات مباشر، بل نتيجة محاولة الفرد أن يعيش بهويتين في وقت واحد. إنه نموذج للإنسان ما بعد الاستعمار الذي يعود إلى وطنه محملاً بثقافة لا يستطيع المجتمع استيعابها.

الراوي في الرواية يمثل مرحلة لاحقة من أدب الهجرة. فهو لا يكرر تجربة مصطفى سعيد ولا يرفضها تماماً، بل يحاول فهمها. بهذا تتحول الرواية من حكاية شخص إلى سؤال جماعي: ماذا يحدث عندما يعود المهاجر؟ هنا يظهر أن المنفى لا ينتهي بالعودة، لأن الوعي نفسه يصبح منفياً داخل وطنه.

لهذا تُقرأ الرواية بوصفها نصاً مؤسساً لأدب الهجرة العربي الحديث. فهي لا تصف الرحلة بل تحلل آثارها النفسية والتاريخية. الهجرة ليست انتقالاً بين مكانين بل انتقال بين زمنين، بين ذاكرة تقليدية ووعي حديث. وبذلك يتحول العنوان إلى مفارقة؛ فالهجرة ليست إلى الشمال جغرافياً فقط، بل إلى حداثة مربكة تغير الإنسان أكثر مما تغير المكان.


0 التعليقات: