الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، فبراير 19، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة في العالم العربي ( مقامات الحريري) عبده حقي

 


في خزائن الأدب العربي كتب كثيرة عظيمة، غير أن بعضها يمتلك قدرة خاصة على أسر القارئ منذ السطر الأول، لأنه لا يقدم حكاية فقط، وإنما يقدم عرضًا لغويًا كاملًا. من أبرز هذه الكتب «مقامات الحريري»، وهو عمل أدبي ألّفه أبو محمد القاسم بن علي الحريري البصري في القرن الخامس الهجري، وظل لقرون طويلة أحد أهم كتب التعليم والتسلية معًا، يجمع بين الطرافة والبلاغة والنقد الاجتماعي في إطار حكائي ممتع.

تقوم المقامة في أصلها على حكاية قصيرة تعتمد على براعة اللغة أكثر من اعتمادها على تطور الأحداث. فالكاتب لا يكتفي بسرد قصة، بل يستعرض قدرته على تشكيل الجمل في موسيقى لفظية دقيقة، تستخدم السجع والجناس والتورية، وتزخر بالألفاظ الجزلة والأمثال والحكم. القارئ لا يلاحق ما سيقع للشخصيات بقدر ما يستمتع بطريقة القول ذاتها، وكأن اللغة تتحول إلى بطل خفي يشارك الشخصيات حضورها في النص.

الحريري لم يخترع فن المقامات، فقد سبقه بديع الزمان الهمذاني، غير أنه بلغ به درجة عالية من الإتقان جعلت كتابه الأشهر والأكثر تداولًا. ألّف خمسين مقامة، وجعلها تدور حول شخصيتين ثابتتين: الراوي الحارث بن همام، والرجل الظريف أبي زيد السروجي. يلتقي الراوي في كل مقامة بشخص فصيح يخطب في الناس أو يعظهم أو ينشد الشعر، فيعجب به الحاضرون ويكافئونه، ثم يكتشف في النهاية أنه نفس المحتال اللطيف الذي قابله من قبل.

أبو زيد ليس لصًا بالمعنى المعتاد، بل صاحب ذكاء لغوي خارق يعيش ببلاغته، يتنقل بين المدن ويبدل هيئته، فيبدو مرة واعظًا زاهدًا ومرة شاعرًا بائسًا ومرة عالمًا واسع المعرفة. الناس تصدقه لأن كلامه قوي الإقناع، فينال المال ويغادر قبل انكشاف أمره. الراوي يكتشف الحقيقة في كل مرة، ومع ذلك يعود فيقع تحت تأثيره من جديد، فتتكرر الدهشة ويستمر المرح.

هذا التكرار ليس عيبًا في البناء، بل عنصر متعمد يمنح القارئ متعة الانتظار. المتعة هنا لا تقوم على المفاجأة بقدر ما تقوم على مشاهدة الحيلة ذاتها في صورة جديدة. مثل مشاهد مسرحية يؤديها ممثل واحد بأقنعة مختلفة، والجمهور يعرف أنه الشخص نفسه لكنه يستمتع بتحولاته.

الكتاب يكشف صورة دقيقة للمجتمع في ذلك العصر. الأسواق تعج بالخطباء، والناس مولعون بالمظهر واللفظ البليغ، والفقير قد يعيش بذكائه أكثر مما يعيش الغني بماله. خلف الضحك نقد رقيق لعالم يصدق الكلمات المنمقة دون تمحيص. الحريري يلمح إلى أن البلاغة قد تكون وسيلة معرفة وقد تتحول أيضًا إلى وسيلة خداع، والإنسان ينجذب إلى من يجيد التعبير أكثر من انجذابه إلى من يقول الحقيقة البسيطة.

لغة المقامات تعد من أصعب ما كُتب في العربية، لذلك أصبحت مرجعًا تعليميًا لطلاب البلاغة عبر القرون. كانوا يحفظونها ويتدارسونها ليتقنوا السجع والاشتقاق والتعبير الدقيق. لم يكن الهدف الفهم وحده، بل التذوق. القارئ يتعلم أن اللغة ليست أداة لنقل المعنى فقط، وإنما فن قائم بذاته، يمكن أن يمنح الكلام روحًا موسيقية تجعل الجملة تُقرأ وتُسمع في آن واحد.

انتشرت المقامات خارج العالم العربي، فترجمت إلى لغات عديدة، واهتم بها المستشرقون والفنانون، ورسمت لها لوحات مشهورة تصوّر مجالس الحكواتيين والأسواق القديمة. رآها بعض الباحثين صورة مبكرة لفن الحلقات المتتابعة في السرد الحديث، حيث يبقى البطل واحدًا وتتغير البيئات والمواقف، ويتحول النص إلى سلسلة مغامرات قصيرة مرتبطة بشخصية مركزية.

في عمق هذا العمل يظهر سؤال خفي عن الحقيقة والمظهر. أبو زيد لا يسرق بالقوة بل بالكلمة، ولا يخدع الناس إلا بما يرغبون في تصديقه. المجتمع يمنحه المال لأنه يمنحه المتعة، وكأن العلاقة تبادلية بين المحتال والجمهور. الضحك هنا ليس غاية خفيفة، بل طريقة لتأمل النفس البشرية، التي تميل إلى التصديق الجميل أكثر من التصديق الصعب.

القارئ المعاصر قد يبتعد عن النص بسبب لغته القديمة، غير أن فكرته قريبة من عالم اليوم. الإنسان ما يزال يتأثر بالخطاب المؤثر والصورة المقنعة، والبلاغة الحديثة في وسائل الإعلام تقوم بالدور نفسه بوسائل مختلفة. لهذا يشعر كثيرون أن المقامات ليست مجرد تراث بعيد، بل مرآة لطبيعة بشرية ثابتة.

يظل كتاب «مقامات الحريري» نموذجًا فريدًا في السرد العربي، جمع بين الحكاية والابتسامة والتعليم، ونجح في تحويل اللغة إلى مسرح تتحرك عليه الشخصيات. بقي حيًا قرونًا طويلة لأنه يخاطب العقل والذوق معًا، ويقدم للقارئ متعة الاكتشاف في كل قراءة. هكذا يستمر أثره، نصًا يضحك القارئ ويعلمه في اللحظة نفسها، ويؤكد أن جمال التعبير قد يمنح الحكاية عمرًا أطول من عمر أصحابها.



0 التعليقات: