لعل خَريطةُ حُقوقِ الإنسانِ في مُطْلَعِ عامِ 2026 وكأنَّها تُعِيدُ ترتيبَ توتُّراتِها القديمة بأدواتٍ جديدة: قَضَاءٌ يُسْتَدعى إلى السياسة، ومساحاتٌ مدنيةٌ تُضَيَّقُ باسمِ الأمنِ أو “مُحاربةِ الفساد”، وحدودٌ تُدارُ بمنطقِ الفرزِ والاحتجاز، ورقابةٌ رقميةٌ تتقدَّمُ بخُطى أسرع من نُضْجِ الضمانات. وبين المغرب العربي ومصر والشرق الأوسط والاتحاد الأوروبي، يتشكّل “الجديد” أساسًا من تَراكُمِ وقائع تُشير إلى أنَّ معركة الحقوق لم تَعُد فقط حول النصوص الدستورية، بل حول مَن يملك تعريفَ التهديد، وكيف تُستَخدم الدولةُ أدواتها القانونية والتكنولوجية لتوسيعه أو تضييقه.
أولًا: الجزائر وتونس – القضاء كأداة ضبط سياسي
في تونس، تحوّلت محاكمات عدد من الشخصيات السياسية والإعلامية خلال 2025 وبداية 2026 إلى نموذج صارخ لتسييس القضاء. من أبرز الحالات إصدار أحكام بالسجن النافذ في حق معارضين بارزين ووزراء سابقين ونواب، بتهم فضفاضة من قبيل “التآمر على أمن الدولة” أو “المساس بأمنها الخارجي”، دون تمكين الدفاع من الاطلاع الكامل على ملفات الاتهام أو استدعاء شهود النفي.
هذه القضايا، التي جرت في سياق تمديد حالة الطوارئ، خلقت مناخًا يخشى فيه الصحافي والناشط وحتى القاضي نفسه من الخروج عن الرواية الرسمية، وهو ما انعكس في موجة رقابة ذاتية داخل الإعلام التونسي، وانكماش ملحوظ في النشاط الحزبي والمدني.
أما في الجزائر، فتُجسّد قضية صحافيين ومدوّنين مثل أولئك الذين تمت ملاحقتهم بسبب منشورات على فيسبوك أو تصريحات إعلامية نموذجًا واضحًا لانتهاك حرية التعبير. فقد أُدين بعضهم بعقوبات سالبة للحرية استنادًا إلى مواد قانونية تتعلق بـ*“نشر أخبار كاذبة”* أو “الإضرار بالمصلحة الوطنية”.
وفي حالات أخرى، مُنع نشطاء حقوقيون من السفر دون قرار قضائي معلّل، أو تم استدعاؤهم المتكرر من طرف أجهزة الأمن في ما يشبه “العقاب الإداري غير المعلن”، وهو نمط أصبح مألوفًا في المشهد الحقوقي الجزائري.
ثانيًا: مصر والشرق الأوسط – السجن، ثم السجن خارج السجن
في مصر، تُعدّ قضية الحبس الاحتياطي المطوّل واحدة من أخطر انتهاكات الحق في الحرية. حالات موثّقة لأكاديميين، محامين، وصحافيين ظلّوا قيد الحبس لسنوات دون محاكمة نهائية، مع تدوير القضايا فور صدور قرارات بالإفراج.
حتى أولئك الذين أُفرج عنهم، يواجهون قيودًا لاحقة مثل المنع من السفر، المراقبة الأمنية، أو الإلزام بالحضور الدوري إلى أقسام الشرطة، ما يحوّل الحرية إلى وضع شكلي لا أكثر.
كما برزت خلال 2025 حالات توقيف بسبب التعبير عن قناعات دينية أو فكرية عبر الإنترنت، حيث وُجهت تهم “ازدراء الأديان” أو “الإخلال بالنظام العام” لأشخاص نشروا آراء شخصية أو نقاشات فكرية على منصات رقمية، في انتهاك مباشر لحرية الضمير والتعبير.
وعلى مستوى الشرق الأوسط الأوسع، تظلّ الانتهاكات المرتبطة بالنزاعات المسلحة المثال الأشد قسوة:
– احتجاز تعسفي في مناطق النزاع
– اختفاء قسري
– قصف مناطق مدنية
– تقييد وصول المساعدات الإنسانية
وهي ممارسات لم تعد استثناءً، بل جزءًا من إدارة الحرب نفسها، حيث تُعلّق الحقوق باسم “الضرورة العسكرية” أو “الأمن القومي”.
ثالثًا: الاتحاد الأوروبي – انتهاكات بلا خطاب سلطوي
في الاتحاد الأوروبي، لا تأتي الانتهاكات في الغالب عبر السجن السياسي المباشر، بل عبر سياسات تبدو “قانونية” في ظاهرها.
أبرز مثال على ذلك احتجاز المهاجرين وطالبي اللجوء في مراكز حدودية مغلقة، خصوصًا في دول الجنوب الأوروبي. فقد وثّقت تقارير مستقلة ظروفًا لا إنسانية داخل بعض هذه المراكز: اكتظاظ، غياب الرعاية الصحية، احتجاز قاصرين، وتأخير متعمد في معالجة طلبات اللجوء.
كما أُثيرت انتقادات واسعة حول عمليات الإعادة القسرية (pushbacks) على الحدود البرية والبحرية، حيث يُعاد المهاجرون دون تمكينهم من تقديم طلب لجوء، في خرق واضح للقانون الدولي.
من زاوية أخرى، يطرح التوسع في المراقبة الرقمية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي إشكالات حقوقية جديدة، خصوصًا ما يتعلق بالتعرّف البيومتري وتتبع الأفراد في الفضاء العام. ورغم وجود أطر قانونية أوروبية، فإن منظمات حقوقية حذّرت من أن الاستخدام الأمني الموسّع لهذه التقنيات قد يؤدي إلى انتهاك الخصوصية والتمييز، خاصة ضد الأقليات.
خلاصة تركيبية
تكشف هذه الأمثلة الحيّة أن انتهاكات حقوق الإنسان لم تعد دائمًا صادمة أو فجّة؛ بل أصبحت، في كثير من الأحيان، مقنّعة بالقانون، أو مبرَّرة بالأمن، أو مموّهة بالتكنولوجيا.
في المغرب العربي، يتجسد الخطر في تسييس القضاء وتجفيف المجال العام.
في مصر والشرق الأوسط، في الجمع بين السجن المادي والسجن الإداري والنفسي.
وفي أوروبا، في تحويل الاستثناء إلى قاعدة باسم إدارة الهجرة والأمن الرقمي.







0 التعليقات:
إرسال تعليق