الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، فبراير 04، 2026

حكايات تُصاغ داخل الرأس قبل أن تجد طريقها إلى الصفحة: إعداد عبده حقي


 في العقود الأخيرة، لم تعد الرواية مجرّد شكل أدبي محكوم بالورق أو الشاشة، بل غدت مختبرًا مفتوحًا لتجارب معرفية وتقنية تتجاوز اللغة نفسها. من بين أكثر هذه التحولات إثارة للقلق والدهشة في آن واحد، تبرز تكنولوجيا واجهات الدماغ–الحاسوب بوصفها أفقًا جديدًا للسرد، أفقًا لا يمرّ عبر الأصابع ولا الصوت، بل عبر الإشارات العصبية ذاتها. هنا لا يكتب القارئ الرواية ولا يقرؤها، بل يُفكِّرها، وكأن الحكاية تُولد في المنطقة الرمادية بين الوعي والخوارزمية.

تقوم واجهات الدماغ–الحاسوب، كما ناقشها ميغيل نيكولِس في كتابه Neurotechnology and Human Futures، على التقاط الإشارات الكهربائية الصادرة عن الدماغ وتحويلها إلى أوامر رقمية. وقد طُوّرت هذه التكنولوجيا في الأصل لأغراض طبية، مثل مساعدة المصابين بالشلل على التواصل أو استعادة بعض الوظائف الحركية. غير أن انتقالها من المختبر الطبي إلى فضاء الثقافة والفن يطرح أسئلة لا تقل عمقًا عن الأسئلة العلاجية، بل ربما تفوقها تعقيدًا، لأن الأمر هنا لا يتعلق بالجسد فقط، بل بالخيال، والهوية، وحدود الحرية الإبداعية.

في سياق الرواية، تفتح هذه التكنولوجيا إمكانية ظهور ما يمكن تسميته بـ«السرد المتحكم فيه ذهنيًا». تخيّل رواية لا تتقدّم فصولها بحسب قرار الكاتب وحده، ولا حتى بحسب اختيار القارئ عبر النقر أو التفاعل التقليدي، بل بحسب أنماط الانتباه، ومستويات التوتر، واستجابات الدماغ اللاواعية. القارئ هنا يشبه عازف كمان لا يلمس الأوتار بيده، بل يحرّكها بانفعاله، فتتبدّل الموسيقى دون أن يدرك تمامًا كيف فعل ذلك.

من الناحية الجمالية، يضع هذا التحول مفهوم «المؤلف» موضع مساءلة جذرية. منذ رولان بارت وإعلانه الشهير عن «موت المؤلف»، والأدب يعيد التفكير في سلطة الكاتب. غير أن الرواية المتصلة بالدماغ لا تكتفي بتقويض هذه السلطة نظريًا، بل تفعل ذلك عمليًا. النص لم يعد مكتملًا قبل القراءة، بل يتشكّل أثناءها، مثل سحابة تتخذ شكلها بحسب الريح التي تمرّ بها. وهنا يصبح القارئ شريكًا عصبيًا في الكتابة، لا بالاختيار الواعي فقط، بل بالاستجابة العصبية التي قد لا يملك السيطرة عليها.

لكن هذا الانبهار الجمالي لا يمكن فصله عن أسئلة أخلاقية ثقيلة الوطأة. إذا كانت الرواية قادرة على قراءة إشارات الدماغ، فمن يضمن ألا تتحول من فضاء تخييلي إلى أداة مراقبة ناعمة؟ تقارير صحفية نشرتها مجلات علمية مثل Nature وScientific American حذّرت من أن بيانات الدماغ قد تصبح أكثر أنواع البيانات خصوصية وخطورة، لأنها تكشف ليس فقط عمّا نفعله، بل عمّا نفكّر فيه أو نشعر به قبل أن نصيغه في لغة. في هذا السياق، قد تتحول الرواية، paradoxically، من فعل تحرر إلى جهاز تنقيب في اللاوعي.

تتعمق الإشكالية أكثر إذا استحضرنا تاريخ الأدب نفسه بوصفه مساحة مقاومة للسلطة. من روايات جورج أورويل إلى نصوص ألدوس هكسلي، لطالما حذّر الخيال الأدبي من تكنولوجيا تتحكم في الوعي بدل أن تخدمه. الفارق اليوم أن التحذير لم يعد مجرّد استعارة، بل احتمالًا تقنيًا ملموسًا. فالرواية التي تتغيّر بحسب إشارات الدماغ قد تُصمَّم، عمدًا أو عرضًا، لتكافئ أنماط تفكير معيّنة وتقصي أخرى، تمامًا كما تفعل خوارزميات المنصات الرقمية اليوم، ولكن على مستوى أعمق وأكثر حميمية.

مع ذلك، لا يمكن اختزال هذا الأفق في بعده المظلم فقط. هناك إمكانات إبداعية غير مسبوقة تلوح في الأفق. الرواية المتصلة بالدماغ قد تسمح بتجارب سردية تتكيّف مع الحالات النفسية للقارئ، فتخفّف من حدّة المشاهد عند القلق، أو تعمّقها عند التركيز، مما يخلق علاقة شبه علاجية بين النص والمتلقي. بعض الباحثين في مجال السرد التفاعلي، مثل جان-بيير بالبي في دراساته حول الأدب الرقمي، يرون في ذلك عودة غير متوقعة لفكرة «التطهير» الأرسطية، ولكن بأدوات عصبية معاصرة.

من زاوية فلسفية، تفرض هذه الرواية إعادة التفكير في مفهوم الحرية. هل القارئ حرّ إذا كان النص يستجيب لإشارات دماغه؟ أم أن هذه الاستجابة ذاتها شكل جديد من أشكال التوجيه الخفي؟ يشبه الأمر مرآة ذكية تعكس وجهك، لكنها في الوقت نفسه تقترح عليك ملامح أخرى. قد ترى نفسك فيها، ولكنك لا تعرف أين ينتهي انعكاسك وأين يبدأ اقتراح الآلة.

في النهاية، تبدو الرواية المتصلة بالدماغ أشبه بجسر معلق بين وعد إبداعي هائل ومخاطر أخلاقية لا يمكن الاستهانة بها. إنها تجربة تدفع الأدب إلى حافة جديدة، حيث يلتقي السرد بالعلم العصبي، وتصبح الكلمة ظلًّا لفكرة لم تُنطق بعد. وربما تكمن قيمة هذا الشكل الروائي، في مرحلته الراهنة، لا في جاهزيته، بل في كونه سؤالًا مفتوحًا، سؤالًا يضعنا أمام جوهر الأدب نفسه: هل نكتب القصص لنفهم العالم، أم لنفهم ما يجري داخل أدمغتنا ونحن نحاول فهمه؟


0 التعليقات: