فقدت الحركة الحقوقية المغربية، يوم الأحد 16 غشت 2026، واحدة من الوجوه التي ارتبط اسمها، على مدى أكثر من ربع قرن، بالعمل اليومي الهادئ من أجل نشر ثقافة حقوق الإنسان، برحيل الناشطة ثريا بوعبيد، منسقة ثم مديرة برنامج التربية على حقوق الإنسان بمنظمة العفو الدولية ـ فرع المغرب. ولم يكن نعي «أمنستي المغرب» لها مجرد إعلان عن وفاة إحدى أطر المنظمة، بل بدا أقرب إلى شهادة في مسار امرأة اختارت أن تجعل من التربية والتكوين والتوعية أدوات طويلة النفس للدفاع عن الكرامة والحرية والمساواة.
وقالت منظمة العفو الدولية ـ فرع المغرب، في نعيها، إن بوعبيد كرست أكثر من 25 سنة من حياتها لتعزيز ثقافة حقوق الإنسان والدفاع عنها، معتبرة أن الحركة الحقوقية فقدت برحيلها «مناضلة استثنائية» ظلت وفية لمبادئها، واستمرت في العمل رغم متاعبها الصحية ومقاومتها للمرض. كما أشادت المنظمة بعلاقاتها الإنسانية الواسعة مع أعضاء الحركة الحقوقية وشركائها وكل من تقاطع معها خلال مسارها المهني والنضالي.
من الحملات الحقوقية إلى التربية على المواطنة
تكشف العودة إلى مسار ثريا بوعبيد أن خصوصية تجربتها لم تتحدد فقط في الانتماء إلى واحدة من أكبر المنظمات الحقوقية الدولية، وإنما في اختيار مجال بالغ الأهمية داخل العمل الحقوقي: التربية على حقوق الإنسان.
وبحسب المعطيات المنشورة عقب وفاتها، التحقت بوعبيد بمنظمة العفو الدولية بالمغرب سنة 1997، حيث اشتغلت في البداية منسقة للحملات والتحركات، قبل أن تتولى ابتداء من سنة 2002 مسؤولية برنامج التربية والتوعية بحقوق الإنسان، ثم إدارة برنامج التربية على حقوق الإنسان بالفرع المغربي.
ومن هنا يصعب اختزال مسارها في البيانات والمواقف الاحتجاجية التقليدية. فقد انتمت إلى ذلك التيار الحقوقي الذي يرى أن الدفاع عن الحقوق لا يبدأ فقط عند وقوع الانتهاك، بل يبدأ قبل ذلك بكثير: في المدرسة، وفي الأسرة، وفي تكوين المدرسين، وتأهيل العاملين داخل المؤسسات، وتعليم الناشئة معنى المساواة ورفض العنف واحترام الاختلاف.
وتؤكد أرشيفات منظمة العفو الدولية العالمية هذا الحضور. ففي مشروع «المدارس الصديقة لحقوق الإنسان» تظهر ثريا بوعبيد بوصفها منسقة للمشروع في المغرب، ضمن شبكة دولية هدفها إدماج مبادئ حقوق الإنسان داخل البيئة المدرسية، وتحويل المؤسسة التعليمية إلى فضاء يتعلم فيه التلميذ الحقوق من خلال الممارسة اليومية لا عبر الدروس النظرية وحدها.
النساء في قلب مشروعها الحقوقي
شكلت قضايا النساء ومناهضة العنف والتمييز أحد المحاور البارزة في عمل بوعبيد. ففي مادة نشرتها منظمة العفو الدولية سنة 2016 حول مشروع تكويني بمدينة مكناس، ظهرت بصفتها منسقة برنامج التربية على حقوق الإنسان، وكانت تشرف على تدريب مهنيين وفاعلين بهدف تطوير وسائل مواجهة العنف والتمييز ضد النساء.
كانت رؤيتها تقوم على فكرة عملية واضحة: القانون وحده غير كاف إذا لم تتغير الممارسات والثقافة المهنية والاجتماعية. ولذلك كان الاشتغال المباشر مع المدرسين والفاعلين والمهنيين أحد المفاتيح التي راهنت عليها لتوسيع أثر العمل الحقوقي.
كما حضرت بوعبيد في النقاش العمومي المتعلق بالتشريعات الخاصة بالعنف ضد النساء. ففي سنة 2014، نقلت الصحافة الفرنسية بالمغرب مواقف لها خلال تحركات مدنية طالبت بتطوير الحماية القانونية للنساء، وكانت آنذاك مسؤولة عن برنامج التربية على حقوق الإنسان في فرع «أمنستي» المغربي.
ولذلك فإن الحديث عن تجربتها هو أيضاً حديث عن مرحلة مهمة من تطور الحركة النسائية والحقوقية المغربية، عندما بدأت المطالب تنتقل تدريجياً من فضاء الجمعيات والنخب إلى النقاش العمومي حول القانون والسياسات العمومية والتربية.
من المدرسة إلى المؤسسة السجنية
لم تتوقف تجربة بوعبيد عند أبواب المؤسسات التعليمية. ففي سنة 2018، شاركت منظمة العفو الدولية بالمغرب في برنامج حمل عنوان «التربية والوقاية والإدماج» استهدف الشباب المعتقلين والقاصرين داخل المؤسسات السجنية، بالتعاون مع المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج.
وكان البرنامج، بحسب تصريحات بوعبيد آنذاك، يرمي إلى مواجهة التطرف العنيف لدى الشباب وتعزيز المواطنة القائمة على احترام الكرامة الإنسانية، مع تأهيل العاملين بالمؤسسات السجنية والفاعلين الاجتماعيين والتربويين للتعامل مع المراهقين والشباب المعرضين للانحراف والتهميش.
وتختصر هذه التجربة جانباً أساسياً من فلسفتها الحقوقية: الشخص الموجود خلف القضبان لا يفقد إنسانيته، والشاب المعرض للتطرف أو الجنوح لا ينبغي النظر إليه حصراً بوصفه مشكلة أمنية، بل فرداً يمكن للتربية وإعادة الإدماج واستعادة الثقة أن تفتح أمامه طريقاً آخر.
وهي رؤية تنقل حقوق الإنسان من مستوى الشعارات الكبرى إلى تفاصيل العلاقة اليومية بالمواطن، وبالطفل، والمرأة، والمعتقل، والمدرس، والفاعل الاجتماعي.
حضور يمتد خارج الحدود المغربية
وتظهر مساهمة بوعبيد كذلك في مواد دولية حول التربية الحقوقية. ففي دليل تكويني حول الفقر وحقوق الإنسان، أُنجز بمشاركة مربين وخبراء من عدد من البلدان، ورد اسمها ضمن المشاركين من المغرب في ورشات ساهمت في بلورة المحتوى التربوي، إلى جانب مختصين من زيمبابوي والفلبين وغانا ونيبال والنرويج.
وهذه الإشارة ليست تفصيلاً صغيراً في سيرتها، لأنها تدل على أن تجربتها لم تكن محصورة في النشاط المحلي، بل كانت جزءاً من شبكة دولية تبحث في الوسائل التي يمكن بها تحويل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية من نصوص قانونية إلى ثقافة قابلة للتدريس والممارسة.
كما تعود بعض آثار نشاطها العلني إلى سنوات مبكرة؛ ففي سنة 2008 ظهرت ضمن أنشطة تكوينية بمدينة الداخلة حول تقنيات التربية على حقوق الإنسان، وفي سنة 2009 شاركت في نقاش حول تعميم ثقافة حقوق الإنسان بالمغرب، ما يعكس امتداد عملها الجغرافي والمؤسساتي على مدى سنوات طويلة.
شهادات الوداع: «مناضلة صلبة ومتواضعة»
لم يكن نعي «أمنستي المغرب» الصوت الوحيد الذي رافق رحيلها. فقد وصف الحقوقي محمد الزهاري الراحلة بأنها مناضلة صلبة وهادئة وصادقة، ظلت وفية لقيم العدالة والحرية والكرامة.
أما الأكاديمية والحقوقية لطيفة البوحسيني فاستحضرت فيها، بحسب ما نقلته الصحافة، شخصية حقوقية ذات أصالة واستقامة، راكمت تجربة طويلة داخل فرع منظمة العفو الدولية، وحظيت باحترام الذين تقاسموا معها سنوات العمل والدفاع عن الحق والكرامة.
وفي الصحافة المغربية، وصفت تغطيات رحيلها مسارها بأنه امتد لما يقارب ثلاثة عقود من الدفاع عن حقوق الإنسان، فيما ركزت أخرى على علاقتها الطويلة بمنظمة العفو الدولية وعلى تخصصها في التربية الحقوقية.
وامتدت أصداء الخبر أيضاً إلى منصات إعلامية عربية مهتمة بحقوق النساء وحقوق الإنسان، التي أبرزت مسارها منذ التحاقها بـ«أمنستي المغرب» في نهاية التسعينيات وتدرجها من تنسيق الحملات إلى إدارة برامج التربية الحقوقية.
حين يصبح الحقوقي مربياً للمجتمع
يطرح رحيل ثريا بوعبيد سؤالاً أعمق من حدود خبر الوفاة: ما الذي يبقى من المناضل الحقوقي بعد غيابه؟
في حالتها، قد تكون الإجابة موجودة في مئات الأشخاص الذين مروا عبر الدورات التكوينية والورشات والبرامج التي ساهمت فيها؛ في مدرس أعاد النظر في طريقة تعامله مع تلميذ، وفي فاعل اجتماعي تعلم الاستماع إلى امرأة معنفة، وفي شاب داخل مؤسسة سجنية اكتشف أن المواطنة ليست امتيازاً للآخرين، وفي تلميذ تعرّف لأول مرة إلى معنى الكرامة والمساواة وعدم التمييز.
ذلك هو الأثر الأقل صخباً والأطول عمراً.
فالتربية على حقوق الإنسان لا تنتج بالضرورة صوراً مثيرة أو عناوين ضخمة، ولا تمنح أصحابها حضوراً يومياً في واجهة الإعلام، لكنها تؤسس ببطء شديد لما يمكن تسميته البنية الأخلاقية للمجتمع الديمقراطي: مواطن يعرف أن الحرية لا تنفصل عن مسؤولية احترام حرية الآخرين، وأن الاختلاف ليس جريمة، وأن المرأة والرجل متساويان في الكرامة، وأن الطفل ليس ملكية لأحد، وأن المعتقل يظل إنساناً، وأن الدولة والمؤسسات مطالبة دائماً باحترام الحقوق.
من هذه الزاوية، يصبح رحيل ثريا بوعبيد خسارة تتجاوز منظمة العفو الدولية في المغرب إلى جزء من الذاكرة الحقوقية المغربية الحديثة.
لقد اختارت الراحلة ساحة يصعب قياس نتائجها بالأرقام السريعة: تغيير الوعي. أمضت أكثر من ربع قرن تحاول أن تجعل حقوق الإنسان معرفة وسلوكاً وثقافة يومية، متنقلة بين الحملات والمدارس وبرامج تكوين المهنيين وقضايا النساء والشباب والمؤسسات السجنية.
ولهذا يبدو نعي «أمنستي المغرب» لها أشبه بإغلاق فصل من تاريخ التربية الحقوقية بالمغرب، لكنه في الوقت نفسه يفتح مسؤولية أخرى أمام الجيل الجديد: ألا تتحول التجربة التي راكمتها ثريا بوعبيد طوال ما يقارب ثلاثة عقود إلى مجرد ذكرى في أرشيف منظمة أو خبر عابر في صفحات الصحف.
فالحقوقي الحقيقي يرحل، أما القيم التي زرعها في الآخرين فبوسعها أن تواصل الطريق.







0 التعليقات:
إرسال تعليق