الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أغسطس 17، 2026

أحداث سبتة ومغالطات القنوات الإعلامية العربية : عبده حقي


تابعت كمواطن مغربي ما جرى في سبتة والفنيدق منذ نهاية يوليوز 2026، لكنني تابعت بالتوازي حدثًا آخر لا يقل أهمية عن حركة المهاجرين نفسها: الطريقة التي صُنعت بها صورة المغرب داخل جزء من الإعلام العربي. وما استوقفني ليس النقد الموجه إلى الرباط، فالنقد مشروع وضروري، ولا ينبغي لأي دولة أن تكون محصنة ضده، وإنما تلك السرعة التي تحولت بها أرقام أولية وصور متداولة وروايات إسبانية ومقاطع من شبكات التواصل إلى ما يشبه «حقيقة نهائية» عن بلد كامل.

لا أريد أن أضع جميع وسائل الإعلام العربية في سلة واحدة. بعضها صحح معلوماته، وبعضها قدّم روايات متعددة، بل إن منصات عربية نشرت مواد للتحقق من الصور والمقاطع المضللة. لكن جزءًا من التغطية كشف، في تقديري، عن خلل أعمق في الطريقة التي يُقرأ بها المغرب إعلاميًا: الخبر الذي يبدأ أزمة هجرة سرعان ما يتحول إلى محاكمة اجتماعية واقتصادية وسياسية للمغرب، بينما تختفي أسئلة أخرى لا تقل مشروعية عن المسؤولية الإسبانية، والقضاء الإسباني، وشبكات التهريب، والتضليل الرقمي، ووضع سبتة نفسه.

عندما يصبح الرقم عنوانًا سياسيًا

أول ما أربكني في تغطية أحداث سبتة كان حرب الأرقام.

خلال الساعات والأيام الأولى، تناقلت وسائل إعلام عربية تقديرات إسبانية متغيرة؛ فقيل إن نحو 49 ألف شخص دخلوا، ثم ارتفع الحديث إلى 60 ألفًا، وبعد ذلك إلى نحو 72 ألفًا. وقد استخدمت «العربية» و«سكاي نيوز عربية» وغيرهما تقديرات صادرة عن السلطات الإسبانية ووكالات دولية في تغطيتهما الأولية. وفي المقابل، أعلنت وزارة الداخلية المغربية لاحقًا أن العدد الفعلي للمهاجرين المتجهين نحو سبتة بلغ نحو 40 ألف شخص، مع رقم منفصل لمحاولات الوصول إلى مليلية. 

أنا هنا لا أمتلك مختبرًا سحريًا لأقرر أن هذا الرقم صحيح وذاك مزيف. بل إن الاختلاف نفسه كان ينبغي أن يصبح موضوعًا صحفيًا: لماذا تختلف تقديرات الرباط ومدريد؟ هل يحصي أحد الطرفين الأشخاص الفريدين، بينما يحصي الآخر عمليات الدخول؟ هل تشمل بعض الإحصاءات محاولات متكررة؟ ما المنهجية التي اعتمدها كل طرف؟

لكن عندما يُعرض رقم واحد على الشاشة بوصفه حقيقة مطلقة، ثم تُبنى فوقه عشرات الاستنتاجات السياسية، يتحول الرقم من معلومة إلى أداة لصناعة الانطباع.

الصحافة الجيدة لا تقول فقط «دخل 72 ألفًا»، بل تقول: «هذا رقم تعلنه هذه الجهة، بينما تقدم الجهة الأخرى رقمًا مختلفًا، ولا نستطيع حتى الآن التوفيق بينهما».

فرق صغير في الصياغة، لكنه فرق هائل في النزاهة.

هل كانوا جميعًا «مغاربة»؟

ثمة مغالطة ثانية رأيتها أشد تأثيرًا لأنها تمس صورة المجتمع المغربي نفسه.

فقد ظهرت عناوين تتحدث عن «آلاف المغاربة يعبرون الحدود نحو سبتة»، كما فعلت إحدى مواد سكاي نيوز عربية يوم 30 يوليوز. 

لكن الوقائع اللاحقة أظهرت أن الحركة البشرية لم تكن متجانسة بهذا الشكل. فالمحاولات ضمت مغاربة ومهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء، وفي سبتة ظهر أيضًا أشخاص من جنسيات متعددة. وحتى العملية الأمنية المغربية يوم 15 غشت شملت، وفق التقارير، أعدادًا كبيرة من مهاجري إفريقيا جنوب الصحراء. 

وهنا يصبح اختيار كلمة واحدة قادرًا على تغيير القصة كلها.

عندما تقول «مهاجرون انطلقوا من الأراضي المغربية»، فأنت تصف مسارًا جغرافيًا.

وعندما تقول «المغاربة اجتاحوا سبتة»، فأنت تنتج حكمًا اجتماعيًا وسياسيًا على مجتمع كامل.

أنا لا أنكر أن آلاف المغاربة شاركوا في موجة العبور، ولا أرى فائدة في إنكار حقيقة مؤلمة. لكن الاعتراف بالمشكلة لا يبرر تحويل حدث متعدد الجنسيات والأسباب إلى استفتاء تلفزيوني مفاجئ على رغبة «الشعب المغربي» في الهجرة.

إسبانيا مصدرًا وحيدًا للحقيقة

ما أزعجني أكثر هو ذلك الميل القديم في بعض الإعلام العربي إلى التعامل مع الرواية القادمة من وكالة أو مسؤول أوروبي وكأنها تتمتع تلقائيًا بدرجة أعلى من المصداقية.

في أزمة سبتة ظهرت تفاصيل لاحقة كان ينبغي أن تغير زاوية القراءة جذريًا.

فقد نقلت رويترز يوم 15 غشت عن نقابات العاملين على الحدود الإسبانية أنها حذرت الحكومة الإسبانية عدة مرات قبل التدفق الكبير من تصاعد محاولات الوصول، وأن حكمًا قضائيًا إسبانيًا صدر في نهاية يونيو كان قد فرّق بين من يعبر حاجزًا بريًا ومن يصل سباحة، وهو ما اعتبره مسؤولون وعاملون ميدانيون عامل جذب شجع مزيدًا من المحاولات. كما قالت النقابات إن مدريد لم تستجب بالسرعة المطلوبة للتحذيرات. 

هذه ليست رواية مغربية.

هذه معلومات نقلتها وكالة رويترز عن جهات إسبانية.

فلماذا إذن تحولت بعض النقاشات العربية منذ اللحظة الأولى إلى سؤال شبه وحيد: «لماذا فتح المغرب الحدود؟» أو «لماذا هرب عشرات الآلاف من المغرب؟»، قبل البحث الجدي في قرارات القضاء الإسباني والاستعداد الأمني الإسباني وشبكات تداول المعلومات المضللة؟

أنا لا أطالب الإعلام العربي بتبني الرواية المغربية.

أطالبه فقط بألّا يتبنى الرواية الإسبانية بطريقة آلية.

الشائعة التي صارت حقيقة ميدانية

وثمة عنصر لا يمكن فهم ما وقع من دونه: الخوارزمية.

دعوات العبور لم تولد كلها داخل مكاتب عصابات منظمة ولا في بيانات سياسية، بل انتشرت عبر فيسبوك وتيك توك وإنستغرام وواتساب. وقبل محاولة 15 غشت، انتشرت شائعة تزعم أن الحدود ستفتح بسبب عطلة إسبانية، وهو ما دفع السلطات المغربية والإسبانية إلى استنفار واسع. وفي اليوم الموعود لم يقع التدفق الجماعي الذي كان متوقعًا، بعدما أوقفت السلطات المغربية مجموعات حاولت الاقتراب من الحدود. 

والأخطر أن صورًا ومقاطع قديمة أعيد تقديمها بوصفها جديدة.

وقد وثقت وكالة أسوشيتد برس كيف ساهمت معلومات مضللة متداولة عبر شبكات التواصل في دفع أشخاص إلى الاعتقاد بأن أبواب سبتة أصبحت مفتوحة أو أن الوصول عبر البحر أصبح أسهل. كما ظهرت مواد عربية للتحقق من صور مزيفة أو خارجة من سياقها. 

بالنسبة إليّ، هذه ليست تفصيلة هامشية.

إنها جزء من صلب الأزمة.

لقد أصبحت الخوارزمية قادرة على تحريك البشر في الجغرافيا. منشور مجهول يمكن أن يدفع شابًا إلى ركوب حافلة نحو الشمال، ومقطع فيديو قديم يمكن أن يتحول إلى «دليل» على أن الحدود مفتوحة، ورسالة واتساب قد تصبح أقوى من بيان رسمي.

ومن يتجاهل هذا العامل ثم يفسر المشهد كله بجملة «المغاربة يهربون من بلادهم» لا يحلل الأزمة؛ إنه يختصرها بما يناسب عنوانًا صادمًا.

من «الهجرة» إلى محاكمة المغرب

لاحظت أيضًا انتقالًا سريعًا لدى بعض المعلقين من تغطية حادثة حدودية إلى إصدار أحكام شاملة حول المغرب: «فشل النموذج التنموي»، «انهيار الثقة»، «الشباب يريد الهجرة بأي ثمن»، «المغاربة يهربون من الواقع».

بعض هذه الأسئلة مشروع.

المغرب فعلًا مطالب بمناقشة البطالة والهشاشة والفوارق المجالية وأحلام الشباب في الهجرة. والوطني الحقيقي في نظري ليس من يغلق عينيه عن الاختلالات.

لكن الصحافة ليست منصة لإجراء تشخيص اقتصادي لبلد من خلال صور ليلة واحدة.

إذا أراد صحفي القول إن البطالة دفعت إلى الحدث، فعليه أن يأتي ببيانات البطالة، وبحوث الهجرة، ومقابلات ميدانية، ومقارنات زمنية.

وإذا أراد القول إن «المغاربة فقدوا الأمل»، فعليه أن يثبت أن عشرات الآلاف الذين ظهروا في الصور يمثلون الاتجاه الاجتماعي لملايين المواطنين.

أما أن تتحول اللقطة التلفزيونية نفسها إلى إحصاء اجتماعي، فهذه ليست صحافة تفسيرية، وإنما بلاغة تلفزيونية.

الصورة التي غابت: المغرب يمنع العبور أيضًا

كانت ثمة مفارقة أخرى.

فبعد اتهامات وتكهنات بأن المغرب سمح بالتدفق أو غض الطرف عنه، جاءت أحداث 15 غشت لتظهر قوات الأمن المغربية وهي تمنع محاولات جديدة وتوقف مئات الأشخاص قبل وصولهم إلى سبتة. رويترز تحدثت أولًا عن اعتقال 111 شخصًا في إحدى العمليات، بينما أفادت تقارير لاحقة بأرقام أكبر ضمن عمليات متعددة في المنطقة. 

لا أقول إن ذلك يمحو الأسئلة بشأن ما حدث يومي 29 و30 يوليوز.

لكن مهنية الإعلام تفرض تحديث الرواية.

إذا كنت قد قلت بالأمس إن المغرب «فتح الحدود»، فعندما تراه اليوم يحشد قواته لمنع العبور، ينبغي أن تسأل من جديد: هل كانت فرضيتي الأولى دقيقة أصلًا؟ هل كان ما حدث قرارًا سياسيًا، أم انهيارًا مؤقتًا في السيطرة، أم نتيجة تجمع غير مسبوق غذته الشائعات؟

الصحافة التي لا تعيد فحص فرضياتها تتحول تدريجيًا إلى دفاع عن أرشيفها السابق.

وأين سبتة من كل هذا؟

ثمة غياب آخر أراه ذا معنى.

في جزء من الإعلام العربي، تبدو سبتة وكأنها مدينة أوروبية طبيعية تقع في مكان ما شمال إسبانيا، لا مدينة على الساحل الإفريقي تحمل وضعًا تاريخيًا وسياسيًا شديد الحساسية في العلاقة المغربية الإسبانية.

أنا، كمغربي، أستعمل عبارة «سبتة المحتلة» انطلاقًا من الوعي الوطني المغربي ومطالب المغرب التاريخية، بينما تعتبر إسبانيا المدينة جزءًا من سيادتها وترفض هذا التوصيف. هذه حقيقة سياسية يجب أن يعرفها القارئ، حتى لو اختارت المؤسسة الإعلامية استعمال التعبير الأكثر حيادًا: «سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية».

لكن حذف الخلفية بالكامل يجعل الجغرافيا بلا تاريخ.

ومن الغريب أن تتذكر بعض الشاشات كل التفاصيل القانونية الأوروبية المتعلقة بالهجرة، ثم تنسى أن هناك أصلًا نزاعًا تاريخيًا على طبيعة الوجود الإسباني في سبتة ومليلية.

ليس المطلوب أن تتحول النشرة إلى منشور قومي مغربي.

المطلوب فقط ألّا تتحول الخريطة السياسية الإسبانية إلى حقيقة مقدسة لا تحتاج إلى شرح.

لا أريد إعلامًا يدافع عن المغرب... بل إعلامًا لا يختصره

المفارقة أن بعض وسائل الإعلام العربية قدمت بالفعل نماذج أكثر توازنًا. فالجزيرة، مثلًا، نقلت الأرقام المغربية بعد صدورها، وناقشت لاحقًا أثر الحكم القضائي الإسباني والاستعدادات على الجانب الآخر من الحدود. كما نشرت منصات عربية مواد تتحقق من صور مضللة بدل إعادة تدويرها. 

ولهذا لا أستخدم عبارة «الإعلام العربي» باعتبارها اتهامًا جماعيًا.

إنني أتحدث عن نزعة داخل الإعلام العربي: نزعة إلى السرعة، وإلى العنوان الأعلى صوتًا، وإلى بناء القصص عن البلدان العربية اعتمادًا على مصادر غربية جاهزة، ثم إضافة محلل عربي في الاستوديو لإضفاء طابع محلي على الرواية.

المغرب لا يحتاج من الصحافة العربية إلى محامٍ.

يحتاج إلى صحفي.

صحفي يسأل الرباط كما يسأل مدريد.

يشك في الرقم المغربي كما يشك في الرقم الإسباني.

يتحقق من فيديو فيسبوك قبل بثه.

يفرق بين المغربي والمهاجر العابر للأراضي المغربية.

يميز بين «دخول سبتة» و«التوجه نحو سبتة» و«محاولة الوصول إليها».

ولا يحول عشرات الآلاف، مهما كان عددهم، إلى استعارة عن أربعين مليون مغربي.

سبتة كشفت أزمة الميديا أكثر مما كشفت أزمة الحدود

خرجت من متابعة هذه الأحداث بقناعة تبدو لي أكثر أهمية من الجدل اليومي حول من ربح معركة الرواية.

أزمة سبتة لم تكشف هشاشة الحدود فقط؛ كشفت أيضًا هشاشة الخبر نفسه.

الرقم يتغير في ساعات.

الفيديو يسافر من سنة إلى أخرى.

الشائعة تصبح تعليمات جغرافية.

الخوارزمية تجمع آلاف الأشخاص.

الوكالة تنقل عن مسؤول.

القناة تنقل عن الوكالة.

المحلل يبني نظرية على عنوان القناة.

ثم يصبح الرأي بعد ساعات «حقيقة» يتقاتل حولها الجمهور.

لهذا لم تعد معركتي، كمشاهد وككاتب، مع الخبر الكاذب وحده. صرت أخشى أكثر الخبر الناقص الذي يبدو صحيحًا.

فالخبر الكاذب يمكن فضحه.

أما نصف الحقيقة فيملك قدرة أكبر على البقاء، لأنه يحمل ما يكفي من الوقائع لكي يبدو مقنعًا، ويخفي ما يكفي منها لكي يقودنا إلى الاستنتاج الذي أراده صانع العنوان.

وفي سبتة رأيت كثيرًا من أنصاف الحقائق.

رأيت أرقامًا بلا منهجية، وجنسيات مختزلة، وصورًا بلا سياق، وتحليلًا اجتماعيًا بلا بيانات، ومصادر إسبانية تُقدَّم أحيانًا باعتبارها الحقيقة الأولى والأخيرة.

ولهذا أقول إن الدفاع عن صورة المغرب لا يكون بتجميل الواقع أو إنكار أن آلاف الشباب حلموا بالعبور إلى أوروبا. الدفاع الحقيقي يبدأ من شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه:

أن نطالب بأن تُروى القصة كاملة.

لأن المغرب ليس لقطة على شاشة، وسبتة ليست عنوانًا عابرًا، والهجرة ليست رقمًا، والصحافة التي تستحق اسمها لا ينبغي أن تجعل من السرعة عذرًا لترك نصف الحقيقة خارج الكادر.


0 التعليقات: