بعض الأغاني لا تشيخ، لأن الزمن لا يمر فوقها بالطريقة التي يمر بها فوق الأشياء الأخرى. تظل معلقة في مكان غامض من الذاكرة، بين صوت سمعناه ذات مساء وصورة لم نعد نعرف إن كنا قد عشناها فعلًا أم ورثناها من الآخرين. وأغنية «ليلي طويل» ليونس ميكري واحدة من تلك الأغاني التي تبدو، بعد أكثر من نصف قرن، كأنها خرجت من راديو قديم ما زال مضاءً في غرفة مغربية أطفأ أهلها المصباح وغادروا منذ زمن بعيد.
صدرت الأغنية في مطلع سبعينيات القرن الماضي، في مرحلة لم يكن المغرب خلالها يعيش تحولات فنية واجتماعية فحسب، بل كان يمر كذلك بأحد أكثر أطوار تاريخه السياسي حساسية واضطرابًا. ومع ذلك لا أريد أن أحمل الأغنية ما لم تعلن عنه، ولا أن أحول كلماتها إلى منشور سياسي مؤجل. فالفن أكبر من أن يُختزل في شهادة اتهام، والأغنية أكثر حرية من أن نضع لها بعد خمسين عامًا عنوانًا لم يختره أصحابها.
لكن الأعمال الفنية الكبرى تمتلك حياة ثانية بعد ولادتها.
يكتب الشاعر كلماته لسبب، ويلحن الموسيقي نغمته من إحساس محدد، ثم يأتي التاريخ ليمنح الكلمات والنغمات معاني لم تكن بالضرورة موجودة لحظة الكتابة. ولهذا تبدو لي «ليلي طويل» اليوم قادرة على أن تكون جزءًا من الذاكرة الوجدانية لما سيسمى لاحقًا سنوات الرصاص، حتى إذا لم تكن قد كُتبت عنها بصورة مباشرة.
يكفي أن نصغي إلى عبارتها المركزية: «ليلي طويل ما عندو نهاية».
إنها جملة شديدة البساطة، وربما لهذا السبب تحديدًا تملك كل هذه القوة.
فما الليل؟
في المعنى الأول هو انتظار الحبيب، ووحشة الغياب، وساعات ثقيلة يراقب فيها الإنسان نافذته وينتظر صوتًا يعرفه.
لكن الليل قد يكون أشياء أخرى أيضًا.
قد يكون زنزانة لا نافذة لها.
قد يكون بابًا تنتظر أسرة أن يطرقَه الغائب.
قد يكون أمًّا تضع رأسها على الوسادة كل مساء وهي لا تعرف إن كان ابنها حيًا أم صار مجرد اسم تتناقله الهمسات.
وقد يكون رجلًا غاب فجأة، وظل كرسيه في البيت شاهدًا على غياب لا يستطيع أحد تفسيره.
عاشت أسر مغربية خلال العقود المعروفة بسنوات الرصاص هذا النوع القاسي من الزمن؛ زمن لا تكون فيه المأساة مقتصرة على المعتقل أو المختفي، بل تمتد إلى العائلة والحي والأصدقاء والذاكرة نفسها. فالاختفاء لا يأخذ الإنسان وحده، وإنما يأخذ معه الإجابة.
وهنا تكمن قسوة الانتظار.
الموت، على فداحته، يمتلك أحيانًا يقينًا نهائيًا، أما الاختفاء فيترك الباب نصف مفتوح إلى الأبد.
ربما يعود.
ربما لا يعود.
ربما هو قريب.
ربما صار بعيدًا جدًا.
وتتحول هذه الـ«ربما» إلى حياة كاملة.
من هذه الزاوية أسمع «ليلي طويل» أغنية عن الزمن الذي يفقد ساعته. فهناك ليالٍ لا تقاس بالدقائق، بل بالخوف. وهناك سنوات تمر على الإنسان وكأنها ليلة واحدة لم يظهر صباحها بعد.
ثم تظهر الشمعة.
وما أشد غرابة هذه الصورة في الأغنية.
شمعة واحدة في مواجهة ليل كامل.
هي من الناحية الواقعية أضعف من الظلام، لكنها من الناحية الرمزية تنتصر عليه لمجرد أنها موجودة. يكفي أن يشتعل ضوء صغير لكي لا تصبح العتمة مطلقة.
والشمعة في ذاكرتنا الثقافية ليست وسيلة للإنارة فقط؛ إنها انتظار وسهر وحداد وأمل وصلاة سرية ويد تحرس النار من الريح.
لهذا أحب أن أقرأها في «ليلي طويل» كصورة للذاكرة ذاتها.
الذاكرة شمعة.
قد تحاول السنوات إطفاءها، وقد يغطيها الغبار، لكنها تستعيد لهبها فجأة بواسطة أغنية أو صورة أو اسم أو رائحة بيت قديم.
وربما لهذا تظل الأغاني أحيانًا أكثر وفاءً للماضي من الوثائق.
الوثيقة تخبرنا بما حدث.
أما الأغنية فتجعلنا نشعر بما كان يعنيه أن يحدث ذلك.
يمكن للأرشيف أن يخبرنا بتاريخ الاعتقال وعدد المعتقلين وأسماء الأماكن، لكن صوتًا بشريًا خافتًا يقول «ليلي طويل» يستطيع، في لحظة واحدة، أن يعيد إلينا إحساس إنسان كان وحيدًا أمام ساعات لا تنتهي.
وهنا تبرز عبقرية الأغنية في كونها لم تستخدم خطابًا سياسيًا مباشرًا. ليس فيها شعار، ولا اسم مؤسسة، ولا تصريح أيديولوجي، ولا غضب معلن.
إنها تفعل شيئًا أكثر هدوءًا وأشد بقاءً: تضع الإنسان وحيدًا في مواجهة الليل.
وهذا وحده كافٍ.
فالخوف السياسي في المجتمعات لا يعيش في السجون فقط، بل ينتقل إلى الشوارع والمقاهي والبيوت. يجعل الكلمات أقل، والنظرات أكثر، ويعلم الناس أن بعض الأسئلة ينبغي ألا تطرح بصوت مرتفع.
يتحول الصمت عندئذ إلى لغة.
وتصبح الوحدة أكثر اتساعًا من مجرد غياب شخص.
ولهذا تكتسب عبارة «لا ونيس معايا» معنى إنسانيًا مؤلمًا. فالونيس ليس حبيبًا بالضرورة؛ قد يكون صديقًا اختفى، أو أخًا اقتيد ذات ليلة، أو رفيقًا انقطعت أخباره، أو حتى ذلك الشعور القديم بالأمان الذي يغادر المجتمع عندما يبدأ الإنسان في الخوف من صوته.
كانت الموسيقى المغربية في تلك المرحلة نفسها تبحث عن أبواب جديدة. ظهر جيل يريد أن يسمع العالم من دون أن يفقد لهجته، وأن يستفيد من النغم الغربي من دون أن يقطع الحبل السري مع الحساسية المغربية. وكان يونس ميكري واحدًا من الوجوه التي جسدت هذا التحول، بصوت ذي نبرة خاصة وبخيال موسيقي انفتح على فضاءات مغايرة لما كان مألوفًا.
لكن الأغنية العظيمة لا تبقى لأنها كانت جديدة يوم ظهورها فقط.
تبقى لأنها تستطيع أن تصبح جديدة في كل مرة نستمع إليها.
وهذا ما حدث مع «ليلي طويل».
سمعها جيل أول بوصفها أغنية فراق وربما حب.
وسمعها آخرون بوصفها حزنًا مجردًا.
أما نحن اليوم، وقد أصبحت سنوات الرصاص جزءًا من الذاكرة المغربية المكتوبة والمنقوشة في شهادات المعتقلين وعائلات المختفين، فإننا نستطيع أن نسمع تحت نغمها أصواتًا أخرى.
صوت انتظار.
صوت باب ظل مغلقًا.
صوت خطوات في ممر بعيد.
صوت أم ترفض النوم.
وصوت إنسان يحمي شمعته الصغيرة بكفيه كي لا تطفئها الريح.
لا يعني هذا أن نصادر الأغنية باسم التاريخ، بل على العكس: إن اتساع دلالتها دليل على قوتها الفنية.
كل واحد يستطيع أن يجد ليله الخاص داخل «ليلي طويل».
المحب له ليله.
والمهاجر له ليله.
واليتيم له ليله.
والسجين له ليله.
ومن فقد إنسانًا ولم يستطع حتى أن يودعه، له ليل ربما لا ينتهي تمامًا.
لهذا تبدو الأغنية بعد نصف قرن أبعد كثيرًا من تاريخ تسجيلها. لقد غادرت زمنها وأصبحت جزءًا من ذلك الأرشيف غير الرسمي الذي تحتفظ فيه الشعوب بما شعرت به، لا بما وقع لها فقط.
الأمم لا تتذكر تاريخها عبر الكتب والمحاكم والشهادات وحدها.
تتذكره أيضًا بواسطة لحن سمعه طفل من مذياع أبيه.
بواسطة جملة ظلت خمسين سنة في الرأس.
بواسطة صوت يأتي من زمن بعيد ليقول إن الليل كان طويلًا.
وبواسطة شمعة صغيرة لم تستطع العتمة، رغم كل شيء، أن تطفئها.
ربما تكمن قيمة «ليلي طويل» اليوم في هذه الشمعة بالذات.
فالليل مهما امتد يظل محتاجًا إلى الظلام لكي يستمر.
أما الإنسان فيكفيه أحيانًا ضوء ضئيل جدًا كي يواصل الانتظار.
عبده حقي








0 التعليقات:
إرسال تعليق