الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أغسطس 24، 2026

غازٌ الجزائر للخارج.. وطوابيرُه في الداخل : عبده حقي

 


لا أستطيع أن أفهم الخطاب الرسمي الجزائري عن «القوة الطاقية» بمعزل عن الواقع الاجتماعي الذي يعيشه المواطن الجزائري، لأن الدولة التي تتحدث باستمرار عن احتياطاتها الضخمة من الغاز، وعن مكانتها باعتبارها أحد أهم الموردين للأسواق الأوروبية، مطالبة قبل غيرها بأن تجعل هذه الثروة محسوسة في الحياة اليومية لمواطنيها، لا أن تبقى مجرد أرقام في تقارير التصدير أو أوراق تفاوض في العلاقات الدولية.

الجزائر بلد غني بالغاز والنفط، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى جدال، كما أنها تمتلك موقعًا جغرافيًا واستراتيجيًا يجعلها شريكًا مهمًا لعدد من الدول الأوروبية، وخصوصًا إيطاليا وإسبانيا، وقد عززت خلال السنوات الأخيرة حضورها في سوق الطاقة الأوروبية بعد التحولات التي عرفتها أسواق الغاز العالمية، لكن السؤال الذي أراه أكثر أهمية ليس حجم ما تصدره الجزائر إلى الخارج، وإنما حجم ما عاد من هذه الثروة على حياة المواطن في الداخل.

بالنسبة إليّ، تبدأ المشكلة من هذه المفارقة تحديدا: تستطيع الدولة أن تفاوض الحكومات الكبرى على مليارات الأمتار المكعبة من الغاز، وأن توقع العقود الدولية، وأن تتحدث عن خطوط الأنابيب ومشروعات الطاقة، لكن أجزاء من المجتمع تظل معرضة بين فترة وأخرى لاختلالات في التموين أو النقل أو التوزيع، خصوصًا في بعض المناطق البعيدة وخلال الفترات التي يرتفع فيها الطلب على الطاقة.

ولا أعتقد أن الإجابة المقنعة هي القول إن الغاز موجود وإن الاختلال يتعلق فقط بالتوزيع، لأن توزيع الثروة والخدمات هو بالضبط جوهر السياسة الاجتماعية. فالمواطن لا يعنيه كثيرًا أن تكون المستودعات ممتلئة إذا لم تصل المادة إليه في الوقت المناسب، مثلما لا يكفي أن تكون ميزانية الصحة ضخمة إذا لم يجد المريض الطبيب والدواء، ولا يكفي أن تعلن الحكومة وفرة المواد الغذائية إذا اضطر المواطن إلى البحث عنها أو الاصطفاف من أجلها.

هنا يظهر في تقديري أحد أعمق أعطاب النموذج الاجتماعي الجزائري، وهو أن الدولة اعتمدت لعقود طويلة على الريع الطاقي باعتباره وسيلة لتمويل الاستقرار الاجتماعي بدل تحويله بصورة حاسمة إلى قاعدة لبناء اقتصاد متنوع وقوي ومنتج. لقد مكّنت عائدات النفط والغاز الحكومات المتعاقبة من تمويل منظومة واسعة من الدعم، غير أن الدعم وحده لا يصنع تنمية مستدامة، ولا يعوض نقص الفعالية الاقتصادية والإدارية، ولا يحل مشكلة البطالة أو ضعف الاستثمار المنتج أو التفاوت بين المناطق.

وأنا عندما أنتقد هذه السياسة لا أنتقد الشعب الجزائري، بل على العكس، أعتبر المواطن الجزائري أول من يدفع ثمن اختلالاتها، وهو أول من يملك الحق في مساءلة المسؤولين عن الوجهة التي ذهبت إليها الثروات الضخمة التي راكمتها البلاد طوال عقود من تصدير المحروقات. فمن الطبيعي أن يتساءل الجزائري عن السبب الذي يجعل بلاده الغنية بالنفط والغاز لا تحقق حتى الآن مستوى اقتصاديًا واجتماعيًا يتناسب بالكامل مع حجم مواردها الطبيعية.

الثروة ليست ما يوجد تحت الأرض فقط، بل ما تستطيع الدولة أن تحوله فوق الأرض إلى مدارس جيدة ومستشفيات فعالة وشبكات نقل متطورة ومدن منظمة ومناطق قروية مجهزة واقتصاد يوفر العمل والأمل للأجيال الجديدة. أما أن تظل المحروقات العمود الفقري للاقتصاد بعد عقود من الاستقلال، فذلك يدل في نظري على أن المشكلة ليست في الموارد وإنما في طريقة تدبيرها.

وقد أصبح الاعتماد المفرط على المحروقات أكثر خطورة لأن الطلب المحلي على الطاقة في الجزائر يرتفع بدوره، مع نمو السكان واتساع المدن وزيادة استهلاك الكهرباء والغاز، وهو ما يعني أن الدولة ستواجه خلال السنوات المقبلة معادلة أكثر تعقيدًا بين المحافظة على صادراتها وتلبية حاجيات السوق الداخلية والاستثمار في تطوير الحقول والبنيات التحتية.

إن السياسة الاجتماعية الناجحة ليست تلك التي تنتظر كل أزمة حتى تصدر بيانات تطمين، بل التي تبني منظومة تجعل الأزمة نفسها استثناء نادرًا. المواطن لا يريد أن يسمع في كل مرة أن المادة «متوفرة»، وإنما يريد أن يجدها فعلًا، بسهولة وبكرامة، في المدينة والقرية والمنطقة الجبلية والصحراء على حد سواء.

وأرى كذلك أن المشكلة الجزائرية لا تتعلق بالطاقة وحدها، بل تمتد إلى فلسفة كاملة في إدارة الاقتصاد والمجتمع، حيث أصبح الإنفاق العمومي والدعم وسيلتين مركزيتين لاحتواء الضغوط، بينما ظل الانتقال نحو اقتصاد متنوع بطيئًا مقارنة بما كان يمكن تحقيقه استنادًا إلى الإمكانات المالية والبشرية والجغرافية الهائلة التي تمتلكها البلاد.

لقد كان بإمكان الجزائر أن تجعل من عائدات النفط والغاز نقطة انطلاق لقوة صناعية وزراعية وتكنولوجية حقيقية في شمال إفريقيا، وأن تنشئ صناديق استثمار ضخمة للأجيال المقبلة، وأن تبني اقتصادًا يجعل المحروقات أحد قطاعاته لا قدره الاقتصادي الأبدي، لكن استمرار هيمنة النفط والغاز على الصادرات والمالية العمومية يكشف أن عملية التنويع الاقتصادي لم تبلغ بعد المستوى الذي يبرره تاريخ البلاد وحجم مواردها.

والأخطر في رأيي أن الوفرة الريعية قد تتحول إلى نوع من التخدير السياسي، حيث يصبح رفع الدعم أو إصلاح منظوماته أو إعادة هيكلة المؤسسات العمومية قرارات شديدة الحساسية، فتفضّل الدولة تأجيل الإصلاحات العميقة خوفًا من آثارها الاجتماعية، بينما تتراكم المشكلات نفسها خلف واجهة الإنفاق العمومي.

لا أطالب الجزائر بالتوقف عن تصدير الغاز، فذلك سيكون طرحًا غير عقلاني؛ التصدير مصدر أساسي للعملة الصعبة ودعامة مهمة للاقتصاد، ومن الطبيعي أن تستفيد الدولة من الطلب الدولي على مواردها، لكنني أطالب، من زاوية نقدية، بأن يكون المواطن الجزائري المستفيد الأول من القيمة الاقتصادية والسياسية لهذه الثروة.

ما قيمة أن تصبح الجزائر موردًا مهمًا للطاقة في المتوسط إذا ظل جزء من شبابها يفكر في الهجرة بحثًا عن فرص أفضل؟ وما جدوى المداخيل النفطية إذا بقي الاقتصاد عاجزًا عن توفير ما يكفي من الوظائف المنتجة؟ وما معنى الحديث عن السيادة الاقتصادية إذا ظلت القدرة الشرائية والبطالة والسكن وجودة الخدمات العمومية في مقدمة انشغالات الأسر؟

الدول الغنية حقًا لا تقاس فقط بعدد براميل النفط أو مليارات الأمتار المكعبة من الغاز التي تصدرها، بل بقدرة مواطنيها على العيش بكرامة وبثقة في المستقبل. وقد أثبت التاريخ أن دولًا تمتلك موارد طبيعية أقل بكثير استطاعت أن تحقق مستويات مرتفعة من التنمية لأنها استثمرت في الإنسان والتعليم والصناعة والتكنولوجيا والحكامة، بينما ظلت دول غنية بالموارد الطبيعية أسيرة لما يسميه الاقتصاديون «لعنة الموارد».

لهذا أعتقد أن التحدي الحقيقي أمام الجزائر ليس العثور على زبون جديد لغازها، فهذا أمر تستطيع سوناطراك والحكومة تدبيره، وإنما العثور على نموذج اقتصادي واجتماعي جديد يستطيع تحرير البلاد تدريجيًا من التبعية للريع، ويمنح القطاع الخاص مساحة أوسع، ويشجع الابتكار والاستثمار، ويقيم علاقة أكثر شفافية بين الدولة والمال العام.

أما استمرار السياسة الاجتماعية في الاعتماد على منطق «نملك الغاز إذن نستطيع الإنفاق»، فهو منطق يحمل داخله مخاطره، لأن أسعار الطاقة تتغير، والأسواق الدولية تتبدل، والعالم يتقدم تدريجيًا نحو مصادر طاقة أكثر تنوعًا، وبالتالي فإن ما يشكل اليوم مصدر قوة قد لا يحتفظ بالقيمة الاستراتيجية نفسها بعد عقود.

إنني أتمنى للجزائر، باعتبارها بلدًا جارًا وشعبًا تجمعه بالمغرب روابط التاريخ والجغرافيا والثقافة، أن تنجح في تحويل ثرواتها إلى ازدهار اجتماعي حقيقي، غير أن التمني لا يمنع النقد، والنقد هنا ضروري لأن التناقض بين الإمكانات الهائلة والنتائج الاجتماعية المتواضعة نسبيًا أصبح من الصعب تجاهله.

القوة الحقيقية للدولة لا تبدأ من الأنبوب الذي يعبر المتوسط، بل من البيت الذي يشعر ساكنه بالأمان الاقتصادي والاجتماعي، ولا تقاس بعدد العقود الموقعة مع العواصم الأجنبية، وإنما بمدى ثقة المواطن في مستقبله وفي مؤسسات بلاده.

وحين يصبح الجزائري مستفيدًا أولًا من غاز الجزائر، وحين تتحول عائدات المحروقات إلى اقتصاد متنوع وتعليم أفضل وصحة أكثر كفاءة وفرص شغل واسعة وتنمية عادلة بين مختلف المناطق، يمكن عندها الحديث عن قوة طاقية مكتملة المعنى. أما قبل ذلك، فستظل الثروة الكبيرة مطروحة أمام سؤال أكبر منها: أين أثرها الحقيقي في حياة المواطن؟

بقلم: الكاتب المغربي عبده حقي


0 التعليقات: