الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أكتوبر 10، 2026

ضحكة تنام في جيب المطلق: عبده حقي


كنت أمشي داخل فكرة لا تعرف إلى أين تقودني، وكانت قدماي تتبادلان الأدوار مع غيمتين صغيرتين علقتا بأسفل معطفي، وكلما حاولت أن أفهم سبب ابتسامتي خرج من فمي طائر أسود يحمل في منقاره ساعة بلا عقارب. قلت لنفسي إن الفكاهة ربما ليست سوى قناع اختاره الفراغ على نحو اعتباطي، ثم نسي لماذا اختاره، فصار القناع أكثر صدقًا من الوجه، وصارت الضحكة بابًا لا يفتح على غرفة، بل على احتمال.

كنت أخلط الأشياء بلا إذن: حجرًا بقانون، نافذةً بحلم، إصبعًا بفكرة، رغبةً بمسطرة هندسية، ثم أتركها تتصادم في رأسي حتى يصدر عنها ذلك الشرر الغريب الذي يسمونه روحًا. المقيد كان يجلس إلى جواري مثل موظف دقيق المواعيد، والمطلق كان يتأخر دائمًا ويرسل بدلًا منه وردة مبللة بالحبر. كنت أضعهما على المائدة نفسها، وأراقبهما يتجادلان حول لون الصمت، فأضحك لأنني الوحيد الذي يعرف أن الصمت بلا لون، لكنه مع ذلك يحتفظ بخزانة كاملة من الأصباغ.

كل ما هو خاص، ضيق، عابر، كان يتضخم أمامي فجأة حتى يلامس حدود الكون. مسمار صدئ في جدار مهجور كان يصبح قضية كونية، وحبة سكر تسقط من ملعقة امرأة مجهولة كانت تستحق أن تتوقف من أجلها الكواكب قليلًا عن الدوران. أدركت أن الفكاهة لا تصغر الأشياء، بل تمنحها جواز سفر إلى اللامحدود، تجعل التفصيل الصغير يلبس معطفًا فلكيًا ويمشي بين النجوم كما لو أنه صاحب البيت.

وعندما كان الخيال يصادف الحكم في إحدى ممرات ذهني، يولد بينهما كائن سريع اسمه الذكاء، لا يعيش أكثر من لحظة، لكنه يترك على الجدار عبارة لا يستطيع أحد تفسيرها. أما العقل، كلما التقى الاعتباط، فقد كانا يرقصان رقصة مربكة فوق بساط ممزق، أحدهما يعد الخطوات والآخر يبدل الأرض تحت القدمين. هناك، في تلك الرقصة المستحيلة، كنت أشعر أن الفكاهة ليست ضحكًا، بل نوع من الحرية التي تتنكر في هيئة تعثر.

أما المزاح الخفيف فكان يمر بالقرب مني كولد صغير يحمل بالونًا مثقوبًا. كان لطيفًا، سريعًا، لكنه لا يعرف الطريق إلى الأعماق. يلمس سطح الأشياء ثم يركض بعيدًا قبل أن تسأله الأشياء عن أسمائها. كنت أحبه، لكنني كنت أعرف أنه يقف درجة أدنى من ذلك الجنون الدقيق الذي يجعل الروح تبتسم أمام تناقضها الخاص.

ثم جاءت السخرية، لا كخنجر، بل كيد بيضاء ترفع القبعة أمام العبث. شعرت أنها ليست نقيض الجدية، بل صورتها الأكثر يقظة. كانت تعرف موضع كل شيء، ومع ذلك تتظاهر بأنها تاهت. كانت تدخل الجملة من بابها وتخرج من السقف، وتترك خلفها ذلك الإحساس النادر بأن الروح حضرت بكاملها ثم اختفت في اللحظة نفسها.

وفي آخر الممر وجدت أسماء كثيرة تنتظر فكرة واحدة: اسمًا من خشب، وآخر من دخان، وثالثًا من ملح، ورابعًا لا يمكن نطقه إلا أثناء النوم. فهمت أن الفكرة لا تخسر شيئًا عندما تتعدد أسماؤها، بل تتسع. كل اسم يفتح فيها شقًا جديدًا، وكل شق يسمح للضوء بأن يدخل من جهة لم تكن موجودة من قبل.

واصلت السير وأنا أضحك بلا سبب واضح، ثم اكتشفت أن السبب كان يسير خلفي منذ البداية، مرتديًا حذائي ويدخن غيمة صغيرة. توقفت لأواجهه، لكنه توقف قبلي، ومد يده إلى وجهي وانتزع منه ابتسامتي كما تُنتزع بطاقة من جيب معطف، ثم وضعها على فمه وقال لي بصوت يشبه صوتي تمامًا: أنت لم تكن تضحك، أنا الذي كنت أستعملك لأتدرّب على الضحك.

حدقت فيه، فرأيت أن ملامحه بدأت تتغير ببطء، تذوب ثم تعود، حتى صارت وجهي أنا، لكن أكثر هدوءًا وأكثر معرفة بما سيحدث. حاولت أن أسأله من يكون، غير أن لساني كان قد اختفى، ووجدته فوق الطاولة البعيدة يشرح لثلاثة كراسٍ فارغة معنى الحرية.

عندئذ انفتح الجدار أمامي بلا صوت، وخرجت منه جميع الأسماء التي منحتها للأشياء طوال حياتي. مرت من جانبي واحدة تلو الأخرى، أسماء الحب والخوف والعقل والجنون والسخرية والفكاهة، ثم توقفت أمامي لحظة، ونزعت عن نفسها الحروف كما تنزع الطيور ريشها، ولم يبق منها سوى فراغات صغيرة تلمع في الهواء.

فهمت فجأة أنني لم أكن أسمي الأشياء، بل كنت أخفيها.

مددت يدي لأمسك بهذه الحقيقة، فإذا بالغرفة كلها تنطفئ، وتبقى ضحكة واحدة معلقة في الظلام.

ثم انطفأت الضحكة أيضًا.

وفي الصباح، استيقظ شخص لا أعرفه داخل جسدي، فتح عيني، ونظر إلى العالم طويلًا، ثم قال:

من الذي حلم بي؟

0 التعليقات: