الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، أكتوبر 18، 2026

أجندة معهد العالم العربي بباريس… الثقافة العربية تستعيد الذاكرة وتفتح أسئلة الحاضر : عبده حقي


تبدو أجندة معهد العالم العربي بباريس خلال النصف الثاني من أكتوبر 2026 أكثر من مجرد برنامج متتابع للمعارض والعروض السينمائية واللقاءات الأدبية والحفلات الموسيقية. فمن يتأمل عناوينها ومحاورها يكتشف خيطًا ثقافيًا يكاد يربط بينها جميعًا، ويتمثل في سؤال الذاكرة العربية في مواجهة التحولات الكبرى التي عرفتها المنطقة، من فلسطين وغزة إلى مدن المشرق، ومن الجزائر والمغرب وتونس إلى قضايا الهجرة والمنفى وتعليم اللغة العربية في أوروبا. أمام هذه الخريطة المتنوعة، يتحول المعهد إلى مساحة تتقاطع فيها الفنون البصرية والسينما والأدب والموسيقى والتراث والتعليم والنقاش الفكري، وكأن الثقافة العربية في باريس تحاول أن تقدم نفسها باعتبارها ذاكرة حية لا مجرد تراث محفوظ داخل واجهات المتاحف.

«تحيا العروس»… المغرب العربي يروي تاريخه من خلال الزواج

من أبرز المعارض الممتدة في برنامج المعهد معرض «تحيا العروس!» المخصص للجزائر والمغرب وتونس، والمستمر من نهاية سبتمبر 2026 إلى نهاية فبراير 2027. ويقترح المعرض مقاربة ثقافية واجتماعية للزواج في بلدان المغرب الكبير، ليس باعتباره احتفالًا عائليًا فقط، وإنما باعتباره مرآة لعلاقات المجتمع بالمرأة واللباس والجسد والذاكرة والتقاليد والتحولات الاجتماعية.

ويقدم المعرض مجموعة من الأزياء والحلي التاريخية القادمة من المغرب والجزائر وتونس، يعود بعضها إلى القرنين التاسع عشر والعشرين، إلى جانب أعمال لفنانين معاصرين من المنطقة ومن جالياتها في الخارج. وهنا تكمن أهمية المقاربة التي يعتمدها المعهد، إذ يوضع التراث القديم في مواجهة الأسئلة المعاصرة، فلا تصبح القفاطين والحلي وملابس الأعراس مجرد قطع جميلة، بل شواهد على تاريخ اجتماعي طويل، وعلى التداخل بين الثقافات العربية والأمازيغية واليهودية والمتوسطية.

ويكتسب الحضور المغربي داخل هذا المعرض دلالة خاصة، فالعرس المغربي بكل طقوسه وأزيائه وموسيقاه وحليه يمثل أحد أكثر أشكال التراث الشعبي قدرة على الاستمرار والتجدد. وبينما تغيرت المدينة والعائلة وأنماط الحياة، ظلت طقوس كثيرة مرتبطة بالزواج تحمل آثار قرون من التراكم الثقافي. ومن خلال عرض هذا التراث في باريس، ينتقل العرس المغاربي من فضاء الاحتفال الخاص إلى فضاء المتحف والنقاش الثقافي.

ولا يقتصر البرنامج على العرض المتحفي، بل يحيط المعهد المعرض بورشات وزيارات وأنشطة عائلية، بينها ورشة للفنانة ياسمينا وحيد تستعيد الذاكرة المرتبطة بالخيوط والحركات اليدوية، وورشات أخرى تقوم على تحويل الذكريات إلى حلي. وهكذا تصبح الذاكرة مادة يمكن لمسها وإعادة تشكيلها، لا مجرد قصة تروى.

فلسطين في صور جوس دراي… الذاكرة في مواجهة الخراب

تشغل فلسطين موقعًا بارزًا في الأجندة الحالية من خلال معرض «فلسطين بعدسة جوس دراي» المستمر إلى مطلع نوفمبر. ويضم المعرض صورًا أنجزتها المصورة الفرنسية خلال رحلات وتقارير ميدانية بين أواخر ثمانينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة.

القيمة الكبرى لهذه الصور أنها تستعيد فلسطين قبل أن تختزلها نشرات الأخبار في صور الدمار والركام. إنها صور للحياة اليومية، للناس والشوارع والمخيمات والوجوه والأسواق والأمكنة، أي لذلك التاريخ الصغير الذي يصنع في النهاية ذاكرة الشعوب. وتتنقل الصور بين مناطق فلسطينية ومخيمات للاجئين وبين امتدادات الشتات، لتعيد إلى الواجهة حقيقة أساسية مفادها أن فلسطين ليست فقط قضية جغرافية أو سياسية، بل مجتمع وذاكرة وثقافة وأجيال متعاقبة.

ويكتسب المعرض دلالة إضافية لأنه يحتضن في مكتبة المعهد التي أصبحت تحمل اسم ليلى شهيد، إحدى أبرز الأصوات الفلسطينية التي لعبت طوال عقود دورًا مهمًا في التعريف بالقضية الفلسطينية في فرنسا وأوروبا. بذلك يتداخل اسم المكان مع موضوع المعرض، وتصبح الصورة والذاكرة والشخصية السياسية والثقافية أجزاء من قصة واحدة.

«كان يا ما كان غزة»… السينما تعيد للمدينة تاريخها

يستمر الحضور الفلسطيني في البرنامج من خلال السينما، حيث يقدم المعهد في 27 أكتوبر العرض الأول لفيلم وثائقي بعنوان «كان يا ما كان غزة» للمخرجة تمارا إردي.

الفكرة المركزية التي يحملها الفيلم شديدة الأهمية في السياق الراهن، لأنها تقاوم اختزال غزة في الحرب وحدها. فاسم غزة أصبح خلال السنوات الأخيرة مرتبطًا عالميًا بالقصف والدمار والموت، بينما يمتد تاريخ هذه البقعة الساحلية قرونًا طويلة، وكانت ملتقى للطرق التجارية والثقافات والسكان قبل أن تصبح مركزًا للصراعات الحديثة.

يحاول الفيلم استعادة التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي لغزة من خلال شهادات أشخاص عاشوا فيها أو عملوا فيها، ويعيد تركيب ذاكرة المكان عبر مصائر سكانه وتحولات الشرق الأوسط الكبرى. هنا تؤدي السينما وظيفة تشبه عمل الأرشيف؛ تحفظ أصواتًا وصورًا وتجارب مهددة بالغياب، وتعيد للإنسان مكانه داخل سرديات الحرب الكبرى.

الفن في مستشفى البليدة… عندما تلتقي الثقافة بالعلاج وإرث فرانتز فانون

من أكثر المعارض إثارة فكريًا معرض «محاولة الفن من أجل العلاج»، الذي يعود إلى تجربة مستشفى البليدة–جوانفيل للأمراض النفسية في الجزائر خلال ستينيات القرن الماضي.

المعرض يستند إلى أرشيفات ورسومات وأعمال خزفية أنجزت في إطار ورشات للعلاج الاجتماعي داخل المستشفى. كما تستحضر التجربة اسم الطبيب والمفكر والمناضل فرانتز فانون، الذي عمل في المستشفى خلال خمسينيات القرن الماضي وأسهم في إحداث تحول عميق في النظرة إلى الطب النفسي في السياق الاستعماري.

أهمية المعرض تتجاوز الجانب الفني، لأنه يفتح ملفات كبرى عن الاستعمار والطب والسلطة والجسد والمرض النفسي. فالطب الاستعماري لم يكن منفصلًا تمامًا عن تصور المستعمر للشعوب الخاضعة له، ولهذا كانت تجربة فانون محاولة لكسر العلاقة العمودية بين المؤسسة الطبية والمريض واستعادة البعد الثقافي والاجتماعي للإنسان.

وتأتي الرسومات والأعمال الفنية المعروضة اليوم لتذكر بأن الفن قد يكون أداة لاستعادة الصوت والكرامة والقدرة على التعبير، خصوصًا بالنسبة إلى أشخاص عزلتهم المؤسسات بسبب المرض.

السينما الفرنسية المغربية… الحب والإنجاب في «ما يقودنا إليك»

وفي 20 أكتوبر يحتضن المعهد العرض الأول لفيلم «ما يقودنا إليك» للمخرج الفرنسي المغربي خليل الشرتي، وهو أول أفلامه الروائية الطويلة.

يروي الفيلم قصة زوجين في الثلاثينات، شارلي وهشام، يجدان نفسيهما أمام صعوبة الإنجاب، فيدخلان رحلة طويلة في العلاج والمساعدة الطبية على الإنجاب. وعلى مدى سنوات تتعرض علاقتهما لاختبارات قاسية بين الأمل والإحباط والأسئلة المتعلقة بالجسد والأبوة والأمومة.

هنا تبتعد السينما عن الملفات السياسية المباشرة لتدخل واحدة من أكثر التجارب الإنسانية خصوصية. لكنها في الوقت نفسه تطرح أسئلة معاصرة عن الطب والأسرة والرغبة في الإنجاب وحدود قدرة الإنسان على التحكم في مصيره البيولوجي.

كما يحمل الفيلم أهمية بالنسبة إلى الحضور المغربي في السينما الفرنسية، بالنظر إلى الخلفية الفرنسية المغربية لمخرجه وإلى حضور أسماء من أصول عربية ضمن المشهد السينمائي الفرنسي المعاصر.

الأدب في مواجهة الفاشية… النجوم التي لا يحصيها المستبدون

أما الأدب فيحضر يوم 27 أكتوبر من خلال لقاء مع الكاتبين يارا الغضبان ورودني سانت إيلوا حول كتابهما «الفاشيون لم يحصوا النجوم أبدًا».

ينطلق الكتاب من تجارب تمتد بين فلسطين وهايتي والمنفى ليطرح أسئلة عن العنصرية والاستبداد والحروب وهيمنة المال والتكنولوجيا والأزمات المناخية. ومع ذلك لا يقف عند وصف الكارثة، بل يحاول إعادة الاعتبار إلى التضامن والصداقة والضيافة والحب بوصفها أدوات مقاومة في عالم يزداد قسوة.

وفي اختيار هذا اللقاء داخل مؤسسة ثقافية عربية دلالة واضحة على اتساع مفهوم الثقافة لدى المعهد؛ فالأدب ليس زينة جانبية في الحياة العامة، بل وسيلة لمناقشة أكثر الأسئلة السياسية والأخلاقية إلحاحًا.

مدن المشرق… ماذا يبقى من المدينة بعد الحرب؟

في 29 أكتوبر ينتقل البرنامج بقوة نحو المشرق من خلال يوم فكري مخصص لـ**«مدن المشرق: الذاكرة والهوية والمستقبل الحضري»** بالتعاون مع مؤسسة التراث المشرقي.

تتناول اللقاءات مدنًا تعرض بعضها للحروب أو الكوارث أو النزوح والهجرة، وتطرح سؤالًا مؤلمًا: ماذا يحدث لهوية المدينة عندما يغادر سكانها أو يدمر جزء من عمرانها أو يعاد بناؤها على أسس جديدة؟

إحدى الندوات تحمل عنوان «العيش والرحيل والعودة في مدن المشرق»، وتناقش حركة السكان بين الهجرة والمنفى والعودة، وتأثير ذلك على التركيبة الاجتماعية للأحياء والمدن. فالمدينة ليست بنايات فقط؛ إنها شبكة علاقات وذاكرة وروائح ولهجات وعادات ومحال وأسواق وطقوس. وعندما يتفرق سكانها في العالم، تنتقل أجزاء من المدينة معهم.

الأدب والسينما يحفظان المدن المفقودة

جلسة أخرى تسأل: كيف يروي الأدب والسينما المشرق؟، ويشارك فيها كتاب ومخرجون وباحثون مهتمون بلبنان والمنطقة.

وهو سؤال يتجاوز الفن إلى الذاكرة. فبيروت ودمشق وحلب وغزة ومدن أخرى أصبحت جزءًا من خيال أدبي وسينمائي واسع، وأحيانًا تصبح الرواية أو الصورة السينمائية آخر مكان يمكن أن نجد فيه شارعًا اختفى أو حيًا تغير أو مقهى لم يعد موجودًا.

ومن هنا تتحول الأعمال الفنية إلى نوع من الأرشيف البديل، تحفظ تفاصيل قد لا تصل إلى السجلات الرسمية لكنها تشكل جوهر التجربة الإنسانية للمدينة.

إعادة الإعمار… من يقرر ما يستحق البقاء؟

وتناقش جلسة ثالثة تراث مدن المشرق والذاكرة وإعادة البناء والتجديد، انطلاقًا من غزة وبيروت وأنطاكية والمدن السورية.

السؤال الذي تطرحه هذه الجلسة بالغ الحساسية: عندما تدمر الحرب أو الكوارث مدينة، من يقرر شكلها الجديد؟ هل تعاد كما كانت؟ أم تبنى مدينة مختلفة؟ وما الأبنية والأحياء التي تعتبر جديرة بالحماية؟

إعادة الإعمار ليست عملية هندسية محايدة؛ إنها قرار ثقافي وسياسي يتعلق بالذاكرة والهوية والسلطة. يمكن لبناء جديد أن يمحو تاريخ حي كامل، ويمكن لترميم مبنى أن يصبح فعل مقاومة ضد النسيان.

تعليم العربية… اللغة بوصفها قضية ثقافية أوروبية

بين 19 و22 أكتوبر ينظم المعهد الدورة الرابعة من المدرسة الخريفية لتعليم العربية EDIMA، الموجهة إلى المدرسين والباحثين والطلبة والمتخصصين في تعليم العربية لغير الناطقين بها.

وتناقش الدورة قضايا تكوين المدرسين، والمهارات المطلوبة لتدريس اللغة، والعلاقة بين العربية الفصحى واللهجات، وكيفية تدريس الثقافة ضمن تعلم اللغة.

هذه الأسئلة شديدة الأهمية في أوروبا، حيث تعيش أجيال من أصول عربية وسط علاقة مركبة بلغتها الأم. فالعربية بالنسبة إلى البعض لغة العائلة، وبالنسبة إلى آخرين لغة ثقافة أو دين أو دراسة، بينما يتعلمها كثيرون من غير العرب لأسباب أكاديمية أو مهنية.

لذلك لم يعد النقاش يدور حول قواعد اللغة وحدها، بل حول أي عربية ينبغي تدريسها، وكيف يمكن التعامل مع التنوع اللهجي، وكيف تتحول اللغة إلى جسر ثقافي بدل أن تبقى موضوعًا للسجالات السياسية والهوياتية.

الموسيقى المغاربية… الذاكرة المشتركة بين المسلمين واليهود

ويختتم أكتوبر على إيقاع موسيقي مع حفل لفرقة زهراتان في 31 أكتوبر ضمن البرنامج المواكب لمعرض «تحيا العروس».

يقترح الحفل رحلة عبر موسيقى الأعراس في المغرب والجزائر وتونس، ويستعيد روابط عميقة بين الموسيقى العربية الأندلسية والسفاردية والأمازيغية. وتظهر الأغاني المرتبطة بدخول العروس والوداع والبركة والرقص بوصفها أرشيفًا شفهيًا لتاريخ اجتماعي طويل.

وتكمن القيمة الثقافية لهذا الاختيار في إبراز الذاكرة المشتركة بين المسلمين واليهود في المغرب الكبير، وهي ذاكرة غالبًا ما تكون الموسيقى أقدر على التعبير عنها من الخطابات السياسية. فالألحان انتقلت بين المدن والطوائف واللهجات، وأنتجت تراثًا يصعب تقسيمه وفق الحدود والهويات المغلقة.

معهد العالم العربي… من عرض التراث إلى صناعة الحوار

ما تكشفه أجندة معهد العالم العربي في باريس خلال هذه الفترة هو تحول المؤسسة إلى فضاء تتجاور فيه الذاكرة والنقاش والإبداع. فلسطين لا تحضر فقط بوصفها خبرًا سياسيًا، بل من خلال الصورة والسينما والذاكرة؛ والمغرب العربي لا يظهر باعتباره فولكلورًا سياحيًا، بل عبر أسئلة الزواج والهوية والحرف والموسيقى؛ والجزائر تحضر أيضًا من بوابة فرانتز فانون وتجربة الطب النفسي والفن؛ والمشرق يدخل من خلال سؤال المدينة والمنفى والحرب وإعادة البناء.

إنها برمجة تكشف في النهاية أن الثقافة العربية المعاصرة تتحرك داخل شبكة شديدة التعقيد من الأسئلة: ماذا نحفظ من الماضي؟ كيف نروي المدن التي دمرتها الحروب؟ ماذا يحدث للهوية في المنفى؟ كيف تستطيع الصورة أن تقاوم النسيان؟ وهل يمكن للفن أن يساهم في العلاج؟ وكيف نحافظ على اللغة العربية في مجتمعات متعددة اللغات؟

بهذه الأسئلة يصبح معهد العالم العربي في باريس أكثر من متحف أو قاعة عروض. إنه مساحة صراع رمزي حول صورة العالم العربي نفسه في أوروبا، ومساحة تذكير بأن هذه المنطقة التي غالبًا ما تظهر في نشرات الأخبار من خلال الحروب والأزمات تمتلك أيضًا سينما وأدبًا وموسيقى وفنًا وذاكرة ومجتمعات حية قادرة على إنتاج سرديتها الخاصة.


0 التعليقات: