تشهد الخريطة الثقافية والفنية الدولية خلال الأيام الأخيرة من أكتوبر 2026 حركة استثنائية تكاد تجعل أكثر من مدينة في العالم عاصمة مؤقتة للفن. من الجونة والقاهرة وبيروت وأبوظبي إلى لندن وليون والبندقية، وصولًا إلى نيويورك ولوس أنجلوس، تتقاطع المهرجانات السينمائية والمعارض الكبرى والحفلات الموسيقية والتجارب المسرحية في مشهد يؤكد أن الثقافة العالمية تستعيد بقوة فضاءاتها الجماعية بعد سنوات أصبح فيها الاستهلاك الرقمي والشاشات المنزلية منافسًا شديدًا للقاعات والمتاحف والمسارح.
العالم العربي: الجونة في قلب المشهد السينمائي
في مصر تصدرت الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي المشهد الثقافي العربي منذ افتتاحها يوم 15 أكتوبر، على أن تستمر حتى 23 أكتوبر 2026. المهرجان الذي رسخ خلال سنوات قليلة موقعًا ملحوظًا بين التظاهرات السينمائية العربية يواصل هذه السنة توسيع وظائفه من مجرد منصة لعرض الأفلام إلى فضاء للإنتاج والتكوين ومرافقة المواهب الجديدة وربط السينما العربية بشبكات التمويل والتوزيع الدولية.
وجاء الافتتاح بفيلم «كل شيء عن كورين» للمخرج الفرنسي مارك فيتوسي، بمشاركة إيزابيل أوبير وساندرين كيبرلان، في دورة تجمع بين السينما المصرية والعربية والأفلام الدولية. ويحضر الفيلم المصري «خروج آمن» في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، فيما أصبح برنامج «سيني جونة» أحد المكونات الأساسية للمهرجان بفضل الورش واللقاءات المهنية وبرامج اكتشاف المواهب.
ومن أهم التطورات التي أعلن عنها المهرجان خلال الأيام الماضية إطلاق مبادرة «سينما على الطريق»، وهي تجربة تسعى إلى إخراج الأفلام من فضاء المهرجان السياحي والنخبوي إلى جمهور أوسع من خلال عروض مجانية في خمس محافظات مصرية. ويكتسب المشروع أهمية خاصة لأن مشكلة السينما العربية لا ترتبط دائمًا بالإنتاج، بل أيضًا بوصول الفيلم إلى الجمهور خارج المدن الكبرى والمراكز التجارية الحديثة.
أما الموسيقى في مصر فتستعد بدورها لأسبوع حافل، مع فعاليات مرتبطة بمهرجان الموسيقى العربية في القاهرة والإسكندرية، إلى جانب أمسيات الجاز والحفلات المستقلة. وتمثل هذه الأنشطة استمرارًا لتعدد المشهد الموسيقي المصري بين الطرب العربي التقليدي والتجارب الجديدة والجاز والموسيقى البديلة، وهي ظاهرة أصبحت أكثر وضوحًا في السنوات الأخيرة.
الإمارات: الثقافة جزء من مشروع المدينة
في أبوظبي تبدو الثقافة أكثر ارتباطًا من أي وقت مضى بالمشروع الحضري والسياحي للإمارة. فقد أعلنت أجندة أبوظبي عن موسم يضم أكثر من أربعين فعالية ثقافية وفنية وترفيهية خلال الأشهر المقبلة، تشمل المعارض والحفلات الموسيقية والعروض الحية والبرامج العائلية.
ويبرز في خلفية هذا الموسم حدث ثقافي بالغ الأهمية يتمثل في الاستعداد لافتتاح متحف غوغنهايم أبوظبي في 11 ديسمبر 2026، وهو المشروع الذي طال انتظاره داخل المنطقة الثقافية في السعديات. ومن المتوقع أن يشكل افتتاح المتحف خطوة جديدة في تحول أبوظبي إلى أحد المراكز الرئيسية للفن الحديث والمعاصر في العالم العربي، إلى جانب متحف اللوفر أبوظبي والمؤسسات الثقافية الجديدة التي ظهرت في الجزيرة.
الأهمية هنا لا تتعلق بعدد المتاحف فقط، بل بوجود استراتيجية طويلة المدى تعمل على جعل الفن جزءًا من الاقتصاد والسياحة والتعليم والدبلوماسية الثقافية، وهو نموذج بدأت عواصم عربية أخرى تنظر إليه باهتمام متزايد.
لبنان: بيروت ترفض مغادرة المسرح
رغم الصعوبات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تحيط بلبنان، ما تزال بيروت تحتفظ بطاقة ثقافية لافتة. وخلال نهاية الأسبوع الجاري احتضنت المدينة مجموعة واسعة من العروض المسرحية والموسيقية والسينمائية، من بينها عروض لمسرحيات لبنانية وأمسيات موسيقية وحفلات مستقلة، إضافة إلى فعاليات الدورة الثلاثين لمهرجان الفيلم الأوروبي.
وتكشف أجندة بيروت عن كثافة يصعب تجاهلها: المسرحيات تتوزع بين مسرح المدينة ومسرح مونو وتورنيسول، بينما تستضيف قاعات السينما عروضًا أوروبية وأفلامًا قصيرة، ويستمر المشهد الموسيقي من الحفلات التقليدية إلى موسيقى الجاز والموسيقى الإلكترونية.
ويكتسب استمرار هذه الحيوية دلالة تتجاوز الترفيه. فالثقافة اللبنانية ظلت تاريخيًا إحدى أدوات مقاومة الانكماش والعزلة. وعندما تستمر المسارح وقاعات السينما والحفلات في العمل وسط الأزمات، فإن النشاط الفني يتحول في حد ذاته إلى إعلان عن قدرة المدينة على المحافظة على ذاكرتها الثقافية.
المغرب: الموسيقى الروحية والفنون الحية
المغرب بدوره عرف خلال الأيام الأخيرة حركة فنية وثقافية متنوعة، خصوصًا مع انطلاق الدورة الثامنة عشرة لمهرجان فاس للثقافة الصوفية وحِكم العالم، الذي يمتد من 17 إلى 24 أكتوبر. وتجمع برامجه بين الموسيقى الصوفية والسماع والفكر والشعر والتقاليد الروحية القادمة من مناطق ثقافية مختلفة.
وتشارك في البرمجة تقاليد موسيقية مغربية وعربية وآسيوية وأوروبية، من الحضرة والسماع الصوفي إلى القوالي الباكستاني والموسيقى المستوحاة من التراث الروحي الأوروبي. ويمنح ذلك المهرجان موقعًا مختلفًا عن المهرجانات الموسيقية التجارية، لأنه يضع الموسيقى في حوار مع الفلسفة والشعر والروحانيات.
كما شهدت مدن أخرى حفلات موسيقية وعروضًا فكاهية وسيمفونية وفنية، في حين افتتحت بمدينة فاس تظاهرة تشكيلية تستثمر النسيج والتطريز والذاكرة المنزلية، بما يؤكد اتساع مفهوم الفنون البصرية إلى مجالات تتجاوز اللوحة التقليدية.
أوروبا: لندن تتحول إلى عاصمة للفن المعاصر
في بريطانيا تركز اهتمام عالم الفن هذا الأسبوع على معرض «فريز لندن» و«فريز ماسترز»، اللذين يقامان في ريجنت بارك بين 14 و18 أكتوبر. وتجمع دورة 2026 مئات صالات العرض القادمة من عشرات البلدان، ما يجعل لندن خلال هذه الأيام نقطة التقاء للفنانين وجامعي الأعمال الفنية ومديري المتاحف والنقاد والمؤسسات الكبرى.
ويقوم «فريز لندن» أساسًا على الفن المعاصر والفنانين الأحياء والتجارب الجديدة، بينما يعمل «فريز ماسترز» على بناء حوار بين الفنون التاريخية والفن الحديث والمعاصر. ومن الملامح الجديدة في دورة هذا العام الأقسام التي تحاول قراءة علاقة الثقافة الشعبية بالعالم ما بعد الرقمي، إضافة إلى برامج تركز على فنانين وأسماء ظلت طويلًا خارج الرواية الرئيسية لتاريخ الفن.
ولم يقتصر النشاط على خيام فريز نفسها، فقد تحولت مناطق عديدة من لندن إلى امتداد للمعرض عبر افتتاحات خاصة لجاليريهات المدينة وجولات فنية في الأحياء الشرقية والغربية وبلومزبري، وهي إحدى الخصائص التي جعلت أسبوع فريز أشبه بمهرجان حضري واسع يمتد إلى كامل البنية الثقافية للعاصمة.
وفي لندن أيضًا تتواصل معارض فنية مهمة، بينما حظي معرض هوكوساي المخصص لسلسلة «ستة وثلاثون منظرًا لجبل فوجي» باهتمام واسع، في تأكيد جديد للحضور القوي للفن الياباني الكلاسيكي داخل المؤسسات الأوروبية.
فرنسا: الأخوان كوين في قلب مهرجان لوميير
أما السينما الأوروبية فتتركز أنظار جزء مهم منها على مدينة ليون الفرنسية، حيث تتواصل فعاليات مهرجان لوميير الذي خصص أبرز لحظاته هذه السنة للأخوين جويل وإيثان كوين.
وقد تسلم الأخوان كوين جائزة لوميير لعام 2026 في حفل أقيم يوم 16 أكتوبر، قبل أن يشارك المهرجان في اليوم التالي في ليلة سينمائية ضخمة مخصصة لأعمالهما، تضمنت عرض أربعة أفلام أصبحت من كلاسيكيات السينما الأمريكية الحديثة: «فارغو»، و«لا بلد للعجائز»، و«أريزونا جونيور»، و«احرق بعد القراءة».
ويتميز مهرجان لوميير عن كثير من المهرجانات المعاصرة بكونه يجعل تاريخ السينما وترميم الأفلام واستعادة الأعمال القديمة جزءًا أساسيًا من برنامجه. ولذلك لم تقتصر الدورة على الأخوين كوين، بل شملت لقاءات مع مخرجين وممثلين ومديري تصوير، وعروض نسخ مرممة، و«سينما-كونسير» يعاد فيها تقديم الأفلام الصامتة بمرافقة موسيقية حية.
وكان من بين الفعاليات اللافتة أيضًا لقاء مع المخرج الألماني فيم فيندرز، إلى جانب حضور المخرجة والممثلة اللبنانية نادين لبكي في إحدى اللقاءات، في مؤشر على الطابع الدولي للمهرجان.
إيطاليا: البندقية تستمع إلى موسيقى المستقبل
في إيطاليا، تستمر الدورة السبعون لمهرجان بينالي البندقية للموسيقى المعاصرة من 10 إلى 24 أكتوبر تحت إدارة المؤلفة والموسيقية كاترينا باربييري.
وتكاد برمجة المهرجان هذه السنة تكون مختبرًا مفتوحًا لتعريف الموسيقى نفسها؛ فإلى جانب الآلات الكلاسيكية تظهر الموسيقى الإلكترونية والتسجيلات الميدانية والفيديو والفنون التركيبية والتجارب الصوتية والهجينة.
وتتوزع الفعاليات بين الأرسينال والمسارح والقاعات المختلفة في البندقية، بينما صُممت بعض الفضاءات باعتبارها مناطق لـ«الاستماع العميق» وإعادة التفكير في علاقتنا بالصوت والانتباه. وفي أحد المشاريع يطلب حتى من الجمهور الابتعاد عن الهواتف والأجهزة الشخصية، وكأن المهرجان يحاول مقاومة ثقافة التشتت الرقمي عبر استعادة فعل الإصغاء نفسه.
هذه التجارب تؤكد التحول الذي تعرفه الموسيقى المعاصرة: لم تعد الحدود بين الحفل الموسيقي والفن التشكيلي والأداء والمسرح والفيديو واضحة كما كانت، بل أصبح العمل الفني تجربة متعددة الحواس.
المسرح الأوروبي يعيد كتابة الأساطير
وعلى مستوى المسرح، برزت في بريطانيا معالجة مسرحية جديدة لـ«البينيلوبية» لمارغريت أتوود، وهي إعادة كتابة نسوية لأسطورة أوديسيوس من زاوية بينيلوبي والخادمات الاثنتي عشرة اللواتي ظللن على هامش الرواية الهوميرية التقليدية.
ويعكس العمل نزعة واضحة في المسرح الأوروبي الحالي إلى العودة للأساطير والنصوص الكلاسيكية ليس من أجل تقديسها، بل لإعادة تفكيك السلطة داخلها ومنح الشخصيات المهمشة أصواتًا جديدة.
الولايات المتحدة: المتحف والمسرح والموسيقى في قلب نيويورك ولوس أنجلوس
في نيويورك يستمر متحف الفن الحديث «موما» في تقديم مجموعة من المعارض البارزة خلال خريف 2026. ومن بينها معرض «الكتاب السريالي: الغد يعيش في المرايا»، ومعرض الفنانة الهندية نيليما شيخ، والعمل الفني الرقمي والبيئي «Wetland» لياكوب كودسك ستينسن، إضافة إلى الاستعداد لافتتاح معرض جديد لبرانكوزي.
ولا تكشف هذه البرمجة فقط عن تنوع في الأسماء والمدارس، بل أيضًا عن إعادة صياغة مفهوم المتحف المعاصر، الذي أصبح يجمع اللوحة والنحت والكتاب والصورة والفن الرقمي والبيئة والفنون الغامرة.
وفي لوس أنجلوس افتتح متحف مقاطعة لوس أنجلوس للفنون برنامج معاينة خاصًا لمعرض يتناول تاريخ «Brockman Gallery» ودورها في المشهد الفني للمدينة بين 1967 و1990، وهو تاريخ مرتبط بدرجة كبيرة بصعود الفنانين السود وبالحركات الفنية التي حاولت كسر احتكار المؤسسات التقليدية للتمثيل الثقافي.
كما نظم المتحف عروضًا وجولات تركز على الفنانات وعلى الروابط الفنية بين مناطق العالم، إضافة إلى عرض فيلم «A Bigger Splash» المتعلق بالفنان ديفيد هوكني.
السينما الأمريكية تستعيد ذاكرتها
شهدت الأيام الماضية أيضًا تجدد الاهتمام بالمخرج الأمريكي تشارلز بورنيت، أحد أبرز وجوه حركة السينما السوداء المستقلة في لوس أنجلوس، بعد ترميم وإعادة طرح عدد من أفلامه.
وعاد فيلمه «My Brother’s Wedding» إلى دائرة الاهتمام النقدي بعد عقود من الصعوبات التي واجهته عند صدوره الأصلي. وتعيد هذه الاستعادة النقاش حول جزء من تاريخ السينما الأمريكية بقي طويلًا خارج السردية الهوليوودية التجارية، خصوصًا تجربة المخرجين السود الذين بحثوا عن صورة مختلفة للحياة اليومية للطبقات العاملة.
وفي نيويورك انتهت مؤخرًا الدورة الرابعة والستون لمهرجان نيويورك السينمائي، لكن مركز لينكولن يواصل عرض مجموعة من أفلام الدورة والأعمال الكلاسيكية المستعادة، بما يؤكد تحول المهرجان من حدث موسمي محدود إلى منصة يمتد تأثيرها إلى البرمجة السينمائية طوال الأسابيع التالية.
موسيقى من أربع جهات العالم في نيويورك
المشهد الموسيقي في نيويورك شهد بدوره حدثًا مميزًا مع مهرجان «Ragas Live» في بروكلين يومي 17 و18 أكتوبر، وهو مهرجان يقدم أربعًا وعشرين ساعة متواصلة من الموسيقى.
ويجمع الحدث أكثر من خمسين فنانًا من الموسيقى الكلاسيكية لجنوب آسيا إلى تجارب عالمية معاصرة، كما يتضمن إشارات إلى الموسيقى العربية وشمال الإفريقية؛ فمن بين عروضه تحية إلى أم كلثوم، إضافة إلى حضور موسيقى كناوة.
وتكشف هذه التجربة عن إحدى السمات الأساسية لنيويورك الثقافية اليوم: لم يعد الحديث عن «موسيقى عالمية» يعني تقديم ثقافات هامشية لجمهور غربي، بل أصبحت تقاليد الهند والعالم العربي وإفريقيا والجاز والإلكترونيات جزءًا من المشهد الموسيقي المحلي نفسه.
برودواي بين الذاكرة والتجديد
في المسرح الأمريكي شهد برودواي وما حوله حراكًا لافتًا. فقد بدأت الممثلة والكوميدية شيري شيبرد تقديم شخصية الجني في مسرحية «علاء الدين» منذ 16 أكتوبر، بينما يستعد بيلي كريستال للافتتاح الرسمي لعرضه الفردي الجديد «860» في 21 أكتوبر.
ويستند عرض كريستال إلى ذاكرة شخصية عميقة مرتبطة بمنزله في لوس أنجلوس الذي دمرته حرائق 2025، ليحوله إلى مادة مسرحية عن الأسرة والفقد والذاكرة والقدرة على البدء من جديد.
أما خارج برودواي فقد ظهر العمل الموسيقي «Memoirs of Amorous Gentlemen»، وهو أحد آخر المشاريع الموسيقية التي اشتغل عليها الملحن الراحل دنكان شيك، صاحب موسيقى «Spring Awakening». ومهما اختلف الاستقبال النقدي للعمل، فإن ظهوره يعيد طرح سؤال العلاقة بين المسرح الموسيقي التقليدي والصيغ الغامرة الجديدة التي تحاول إزالة الحاجز بين خشبة المسرح والجمهور.
الفن العالمي بين العودة إلى القاعة والانفتاح الرقمي
ما يجمع هذه الأخبار المتباعدة جغرافيًا هو عودة قوية لفكرة «الحضور». فالمعارض الفنية تعيد الجمهور إلى المتاحف، والمهرجانات السينمائية تستثمر اللقاء المباشر بين المشاهد والمخرج، والمسرح يبحث عن صيغ أكثر قربًا من الجمهور، بينما تعيد الموسيقى الحية التأكيد على أن البث الرقمي لا يستطيع تعويض تجربة الاستماع الجماعي بالكامل.
لكن المفارقة أن هذه العودة إلى الفضاء المادي لا تعني رفض التكنولوجيا. العكس هو الصحيح؛ فعدد من التجارب الجديدة في البندقية ولندن ونيويورك تستخدم الصوت الرقمي والفيديو والخوارزميات والوسائط الغامرة. المعركة الثقافية لم تعد بين الفن والتكنولوجيا، بل حول الطريقة التي يمكن بها استخدام التكنولوجيا دون أن تختصر التجربة الفنية في شاشة وإشعار وتمرير سريع بالإصبع.
وتكشف حصيلة الأيام الماضية كذلك عن انتقال مراكز الثقافة العالمية من نموذج العاصمة الواحدة إلى شبكة واسعة من المدن. القاهرة والجونة وبيروت وأبوظبي وفاس ولندن وليون والبندقية ونيويورك ولوس أنجلوس تتحرك في اللحظة نفسها، ولكل مدينة طريقها الخاص في استخدام الفن: بعضها يراه جزءًا من الذاكرة، وبعضها أداة للتنمية والسياحة، وبعضها فضاءً للاحتجاج، وبعضها مختبرًا لتجريب أشكال المستقبل.
وسط هذا كله يبقى السؤال الأكثر أهمية متعلقًا بالجمهور. فالقوة الحقيقية لأي نهضة فنية لا تقاس بعدد المهرجانات أو الأسماء العالمية وحدها، بل بقدرة السينما والمسرح والموسيقى والفنون التشكيلية على الوصول إلى الناس، وعلى خلق جمهور جديد يرى في الثقافة حاجة يومية لا مناسبة موسمية. وفي هذا الجانب تحديدًا تبدو المبادرات التي تأخذ السينما خارج المهرجان، والموسيقى إلى فضاءات جديدة، والمعارض إلى الشارع والأحياء، من أكثر ملامح الأسبوع الثقافي العالمي أهمية.







0 التعليقات:
إرسال تعليق