الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، أكتوبر 11، 2026

الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة… هل ما تزال قادرة على صناعة التميز الإعلامي في المغرب؟ عبده حقي


كلما فُتح باب الترشيح للجائزة الوطنية الكبرى للصحافة، يعود إلى الواجهة سؤال يتجاوز أسماء المتنافسين وقوائم الفائزين وقيمة الجوائز، ليمس جوهر المهنة نفسها: ماذا يعني أن نتحدث اليوم عن «التميز الصحافي» في مشهد إعلامي تتسارع داخله الأخبار، وتتراجع فيه الحدود بين الصحافي وصانع المحتوى، وتفرض المنصات الرقمية والخوارزميات منطقًا جديدًا في إنتاج الأخبار واستهلاكها؟ بالنسبة إليّ، لا تكتسب هذه الجائزة أهميتها من كونها موعدًا سنويًا للتكريم فقط، بل من قدرتها المفترضة على تحديد صورة الصحافة التي نريدها في المغرب: صحافة تحقق وتبحث وتدقق وتغامر مهنيًا، أم صحافة تكتفي بملاحقة السرعة والمشاهدات والترند؟ ومن هنا أجد أن انطلاق دورة جديدة منها يستحق أن يكون مناسبة للنقاش حول مكانة الجودة في إعلامنا، وحول ما إذا كانت الجائزة ما تزال تملك بالفعل القدرة على تحفيز الصحافيين والمؤسسات على الارتقاء بالممارسة المهنية.

الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة ليست مجرد مناسبة بروتوكولية لتوزيع دروع وشهادات تقديرية، بل يفترض فيها أن تكون أداة رمزية لترسيخ فكرة أساسية مفادها أن العمل الصحافي الجيد يستحق الاعتراف، وأن الصحافة التي تتعب في البحث وتتحقق من المعلومة وتحترم ذكاء الجمهور لا ينبغي أن توضع في السلة نفسها مع المحتوى السريع الذي يعيش على الإثارة والنسخ وإعادة التدوير. لذلك فإن وجود جائزة وطنية تغطي التلفزة والإذاعة والصحافة المكتوبة والإلكترونية وصحافة الوكالة والصورة والتحقيق والكاريكاتور والإنتاج الجهوي والأمازيغي والحساني يمثل، في حد ذاته، اعترافًا بتعددية الحقل الإعلامي المغربي وبثراء أجناسه ومكوناته.

غير أنني أعتقد أن قيمة أي جائزة لا تتحدد بعدد أصنافها فقط، ولا بتاريخها ولا بالجهة التي تشرف عليها، وإنما بمدى قدرتها على التأثير الحقيقي في الممارسة المهنية. الصحافي الذي يشتغل أشهرًا على تحقيق استقصائي، أو يقطع مئات الكيلومترات لإنجاز روبورتاج ميداني، أو يغامر بإثارة موضوع اجتماعي حساس، يحتاج إلى الإحساس بأن الجودة ما تزال تملك مكانًا في زمن أصبحت فيه الخوارزميات تكافئ السرعة والانفعال والعناوين المثيرة أكثر مما تكافئ العمق والدقة. ومن هنا أرى أن الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة تستطيع أن تؤدي وظيفة مهمة إذا جعلت معيار التميز المهني أعلى من معيار الشهرة، ومعيار الإبداع أعلى من الحضور المؤسساتي، ومعيار القيمة الصحافية أعلى من حجم المؤسسة التي ينتمي إليها المرشح.

المشهد الإعلامي المغربي تغير جذريًا خلال السنوات الأخيرة. الصحافي لم يعد ينافس صحافيًا آخر داخل جريدة أو إذاعة أو قناة تلفزيونية فقط، بل أصبح ينافس آلاف الحسابات على فيسبوك ويوتيوب وتيك توك وإكس، ويتعامل مع جمهور سريع الانتقال من خبر إلى آخر، ومع اقتصاد انتباه لا يمنح المقال الطويل أو التحقيق العميق سوى ثوان معدودة لإقناع القارئ بالبقاء. وفي هذه البيئة الجديدة، تصبح الجوائز المهنية أكثر أهمية، لأنها تذكّر الجميع بأن الصحافة ليست مجرد سباق على النقرات والمشاهدات، وأن النجاح لا يمكن اختزاله في حجم التفاعل، بل يجب أن يقاس أيضًا بعمق البحث، وسلامة المنهج، واحترام أخلاقيات المهنة، والقدرة على تقديم معرفة جديدة للمجتمع.

وأرى أن من نقاط القوة في الجائزة تعدد أصنافها وانفتاحها على مجالات صحافية مختلفة، لأن الصحافة المغربية لم تعد مركزية بالمعنى القديم. هناك اليوم تجارب جهوية مهمة، وصحافة رقمية متنامية، وإنتاج باللغة الأمازيغية، ومحتوى مرتبط بالثقافة الحسانية والمجال الصحراوي، إلى جانب الصحافة الوطنية التقليدية. الاعتراف بهذه التعددية ضروري إذا أردنا أن تكون الجائزة وطنية فعلًا، لا جائزة محصورة في دائرة ضيقة من المؤسسات الكبرى أو الأسماء المعروفة.

لكنني أعتقد، في المقابل، أن التحدي الأساسي يظل مرتبطًا بالشفافية والثقة. أي جائزة مهنية تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها إذا شعر الصحافيون بأن معايير الاختيار غير واضحة، أو أن نتائجها لا تعكس دائمًا أفضل ما أنتجه الحقل الإعلامي خلال السنة. لذلك فإن تعزيز نشر معايير التحكيم بشكل تفصيلي، وتقديم حيثيات اختيار الأعمال الفائزة، والتعريف بأعضاء لجان التحكيم وخبراتهم، من شأنه أن يمنح الجائزة مصداقية أكبر ويحوّل نتائجها إلى مادة للنقاش المهني والتعلم، بدل أن تظل مجرد إعلان عن أسماء الفائزين.

كما أرى أن الجائزة تحتاج إلى الانفتاح أكثر على التحولات التي يعيشها الإعلام الرقمي. فهناك اليوم صحافة بيانات، وسرد رقمي تفاعلي، وتحقيقات تعتمد المصادر المفتوحة، وصحافة تفسيرية توظف الرسوم والخرائط وقواعد البيانات، ومشاريع عابرة للوسائط تجمع النص والصورة والفيديو والصوت في عمل واحد. هذه الأشكال الجديدة لا ينبغي أن تبقى هامشية داخل التصنيفات التقليدية، لأن مستقبل الصحافة يتجه بصورة واضحة نحو الهجنة والتكامل بين الوسائط.

ويفرض الذكاء الاصطناعي بدوره سؤالًا جديدًا على الجوائز الصحافية. خلال فترة قصيرة دخلت أدوات التوليد والتحرير والترجمة وتحليل البيانات إلى غرف الأخبار، وأصبح من الضروري التمييز بين الاستخدام المهني المسؤول لهذه التقنيات وبين الاعتماد عليها بطريقة تفرغ العمل الصحافي من قيمته البشرية. وأتصور أن الجائزة يمكن أن تلعب دورًا تربويًا في هذا المجال من خلال تشجيع المشاريع التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لخدمة البحث والتحقق والبيانات، مع الحفاظ على المسؤولية التحريرية ووضوح المصدر والرقابة البشرية.

أما الصحافة الاستقصائية، فأعتقد أنها تحتاج إلى مكانة أكبر داخل فلسفة الجائزة. فالمجتمع يحتاج إلى صحافة تكشف الاختلالات وتفكك الملفات المعقدة وتتبع المال العام وتراقب المؤسسات وتمنح صوتًا للفئات التي لا تصل عادة إلى المنابر الإعلامية. التحقيق الصحافي الجيد مكلف ويتطلب وقتًا وخبرة وحماية قانونية ومؤسساتية، وإذا كانت الجائزة تريد فعلًا صناعة التميز، فعليها أن تجعل التحقيق العميق واحدًا من أعلى معايير الاعتراف المهني.

ولا يمكن الحديث عن التميز الإعلامي دون الحديث عن أوضاع الصحافيين أنفسهم. فالصحافي الذي يعيش تحت ضغط هشاشة الأجر أو غياب الاستقرار المهني أو ضعف الإمكانات داخل المؤسسة يجد صعوبة في تخصيص أسابيع أو أشهر لإنجاز عمل نوعي. لهذا أرى أن الجائزة، مهما كانت قيمتها الرمزية، لن تستطيع وحدها إصلاح المنظومة الإعلامية. التميز يحتاج إلى مؤسسات صحفية قوية، وتكوين مستمر، وولوج إلى المعلومات، واستقلالية تحريرية، ونموذج اقتصادي يسمح للصحافي بأن يشتغل على الجودة بدل مطاردة المحتوى السريع الذي يفرضه منطق السوق.

وأتمنى أيضًا ألا تبقى الأعمال الفائزة حبيسة لحظة التتويج. من المفيد أن يُنشأ أرشيف رقمي وطني للأعمال المتوجة، مفتوح أمام الطلبة والصحافيين والباحثين، بحيث تتحول الجائزة إلى ذاكرة مهنية للصحافة المغربية. تخيلوا حجم الفائدة التي يمكن أن يحققها طالب في معهد الصحافة إذا تمكن من تصفح أفضل التحقيقات والروبورتاجات والصور والمواد الإذاعية والتلفزيونية التي فازت خلال عشرين سنة، مع قراءة ملاحظات لجان التحكيم حول نقاط قوتها. عندها ستصبح الجائزة مدرسة مفتوحة لا مجرد حفل سنوي.

وأرى كذلك أن حضور الصحافيين الشباب يجب أن يحظى باهتمام أكبر. كثير من التجارب الجديدة والمبتكرة تظهر اليوم في مؤسسات رقمية صغيرة أو في مبادرات صحافية مستقلة، لكنها لا تجد دائمًا المسار نفسه نحو الاعتراف الذي تجده المؤسسات الكبرى. ولذلك سيكون من المفيد التفكير في فئة مخصصة للصحافي الشاب أو للمشروع الصحافي الناشئ، لأن مستقبل الإعلام لا يصنعه فقط أصحاب التجربة الطويلة، بل أيضًا جيل جديد يفهم لغة المنصات ويملك أدوات رقمية مختلفة.

الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة تظل، في نظري، مؤسسة مهمة داخل الحقل الإعلامي المغربي، لكنها تحتاج باستمرار إلى تجديد نفسها حتى لا تتحول إلى تقليد احتفالي منفصل عن التحولات المهنية. أهميتها الحقيقية لا تكمن في عدد الفائزين، بل في الرسالة التي تبعثها إلى كل غرفة أخبار وإلى كل صحافي شاب: هل تقول له إن العمل الجيد يستحق الوقت والجهد؟ هل تقنعه بأن البحث والتوثيق والجرأة المهنية يمكن أن تحظى بالاعتراف؟ وهل تمنحه إحساسًا بأن المهنة ما تزال قادرة على مكافأة الجودة في زمن تكافئ فيه المنصات الضجيج؟

بالنسبة إليّ، ما تزال الجائزة قادرة على صناعة التميز الإعلامي، لكن هذه القدرة ليست تلقائية ولا دائمة. إنها تحتاج إلى شفافية أوسع، ومعايير أكثر تطورًا، وانفتاح أكبر على الصحافة الرقمية والاستقصائية والجهوية، وإلى تحويل الأعمال المتوجة إلى مرجع مهني يستفيد منه الجميع. فإذا نجحت في ذلك، لن تكون الجائزة مجرد محطة سنوية لتكريم صحافيين متميزين، بل ستتحول إلى جزء من مشروع أوسع لإعادة الاعتبار للصحافة باعتبارها مهنة معرفة ومسؤولية وخدمة عمومية. وفي زمن تتكاثر فيه الأخبار الزائفة والمحتويات السطحية والضجيج الرقمي، ربما يكون الدفاع عن الصحافة الجيدة في حد ذاته واحدًا من أهم الجوائز التي يمكن أن يقدمها المجتمع لنفسه.


0 التعليقات: