الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، أكتوبر 11، 2026

الجزائر تضع المنصات الرقمية أمام المقصلة الضريبية: عبده حقي


أرى أن النقاش الذي بدأ يتشكل في الجزائر حول إخضاع المنصات الرقمية الأجنبية لالتزامات جبائية أكثر صرامة يتجاوز بكثير حدود مادة في مشروع قانون المالية لسنة 2027، لأنه يلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في زمن الاقتصاد الرقمي، وهي حدود سلطة الدولة أمام شركات تكنولوجية عالمية استطاعت خلال سنوات قليلة أن تدخل ملايين البيوت والهواتف والحواسيب، وأن تحول المستخدم المحلي إلى مستهلك دائم لخدماتها ومحتوياتها وإعلاناتها واشتراكاتها، من دون أن تكون دائمًا خاضعة بالقدر نفسه للقواعد الجبائية التي تفرض على الفاعلين الاقتصاديين المحليين. الجديد في المشروع الجزائري ليس فقط السعي إلى توسيع دائرة الالتزام الضريبي، بل إدخال إمكانية تعليق الوصول إلى بعض المنصات عند استمرار عدم الامتثال بعد استنفاد الإجراءات القانونية، وهو ما يجعل المسألة تتحول من نقاش مالي محدود إلى سؤال سياسي واقتصادي أوسع حول معنى السيادة في عصر تتحرك فيه الأموال والبيانات والخدمات بسرعة أكبر من قدرة الحدود التقليدية على احتوائها.

لا أعتقد أن من المفيد اختزال الموضوع في أسماء Netflix أو Google أو Facebook، لأن النص المتداول لا يصدر قرارًا بحجب هذه الشركات بالاسم، ولا يعني أن خدماتها ستتوقف تلقائيًا في الجزائر مع حلول سنة 2027، لكن هذه الأسماء حضرت بقوة في النقاش لأنها ترمز إلى نموذج اقتصادي جديد باتت فيه الشركات العالمية تحقق مداخيل ضخمة من أسواق محلية من دون أن يكون وجودها المادي داخل تلك الأسواق شرطًا للنشاط أو الربح. من هنا تبدو الرسالة الجزائرية واضحة: الوصول إلى السوق لا ينبغي أن يبقى امتيازًا مجانيًا، ومن يحقق أرباحًا من المستهلك الجزائري يجب أن يقبل أيضًا بالدخول في النظام الجبائي والقانوني الذي يحكم هذه السوق. هذه الفكرة في حد ذاتها ليست غريبة عن الاتجاه العالمي، فالدول في أوروبا وآسيا وأمريكا وغيرها تحاول منذ سنوات اللحاق بالتحول الرقمي وابتكار آليات تضمن ألا تبقى قطاعات كاملة من الاقتصاد خارج الرقابة الضريبية لمجرد أنها تعمل عبر خوادم موجودة في دول أخرى.

ما يثير الاهتمام في الحالة الجزائرية هو أن المشروع يتجاوز منطق الغرامة التقليدية ويفتح الباب أمام إمكانية تعليق الوصول إلى منصة لا تسوي وضعيتها، وهنا يصبح الأمر أكثر حساسية، لأن الحجب ليس إجراءً ماليًا بسيطًا يمكن احتسابه بالدينار، بل أداة تمس مباشرة علاقة المواطن بالخدمة الرقمية. وإذا دخل هذا الخيار حيز التنفيذ في حالات معينة، فسوف نكون أمام وضع تتقاطع فيه الجباية مع حرية الوصول إلى الخدمات الرقمية ومع مصالح الشركات والمستخدمين في آن واحد. الدولة من جانبها ستقول إن الشركة التي ترفض احترام القواعد لا يمكن أن تستفيد بلا نهاية من السوق المحلية، والمنصة قد تعتبر أن بعض الشروط المالية أو الإدارية لا تتناسب مع طبيعة نشاطها، أما المستخدم فقد يجد نفسه الطرف الذي لا يملك تأثيرًا كبيرًا في النزاع لكنه يتحمل جزءًا من نتائجه، سواء عبر ارتفاع الأسعار أو تراجع بعض الخدمات أو توقفها في أسوأ السيناريوهات.

لهذا السبب لا أرى أن المسألة ينبغي أن تقدم للرأي العام بوصفها مجرد انتصار للدولة على شركات التكنولوجيا، كما لا ينبغي تصويرها باعتبارها اعتداءً تلقائيًا على الإنترنت المفتوح، لأن الحقيقة تقع في منطقة أكثر تعقيدًا. من حق أي دولة أن تفرض قواعد جبائية عادلة، خصوصًا إذا كان الفاعل الاقتصادي المحلي يدفع الضرائب ويتحمل تكاليف التنظيم والمراقبة بينما يحقق فاعل أجنبي أرباحًا من السوق نفسها من خلال بنية رقمية عابرة للحدود، لكن العدالة الضريبية تحتاج في الوقت نفسه إلى نصوص دقيقة وتعريفات واضحة وضمانات تحمي المستهلك من أن يتحول إلى رهينة في أي خلاف بين الإدارة والمنصة. الفرق كبير بين تنظيم الاقتصاد الرقمي وبين تحويل الحجب إلى أداة سهلة ومتكررة، لأن الأول يعكس سيادة قانونية ضرورية، بينما الثاني قد يخلق آثارًا اقتصادية واجتماعية وثقافية تفوق أحيانًا قيمة النزاع المالي نفسه.

كما أن السؤال المتعلق بالكلفة يظل حاضرًا بقوة، لأن أي ضريبة جديدة على خدمة رقمية لا تتوقف بالضرورة عند خزينة الدولة أو حسابات الشركة، بل قد تنتقل بطريقة أو بأخرى إلى المستخدم عبر زيادة رسوم الاشتراك أو تعديل الأسعار أو تغيير شروط الخدمة. الشركات الكبرى تملك قدرة واسعة على إعادة توزيع أعبائها المالية، وبالتالي فإن المواطن قد يدفع جزءًا من الضريبة بصورة غير مباشرة حتى لو كان التشريع لا يفرضها عليه شخصيًا. وهذا يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي، لأن نجاح أي سياسة ضريبية لا يقاس فقط بحجم المداخيل التي يمكن أن تحققها، بل أيضًا بقدرتها على تفادي إضعاف القدرة الشرائية أو رفع كلفة الوصول إلى الخدمات الرقمية، خصوصًا أن جزءًا متزايدًا من هذه الخدمات لم يعد مجرد ترفيه، بل أصبح مرتبطًا بالعمل والتعليم والإعلانات والتخزين السحابي والتواصل المهني والاقتصاد اليومي.

أعتقد أيضًا أن المشروع الجزائري يعكس تحولًا عالميًا أعمق في علاقة الدولة بالمنصة، فقد مضت سنوات طويلة كانت فيها الشركات التكنولوجية تبدو أسرع من التشريعات وأقوى من الحدود، تضع شروط الاستخدام وتحدد الأسعار وتتحكم في البيانات والخوارزميات وتقرر أين تحفظ المعلومات وكيف تدير عائداتها، بينما كانت الحكومات تلاحق هذا العالم الجديد بقوانين قديمة بنيت أساسًا لاقتصاد المصانع والمتاجر والمكاتب المادية. اليوم بدأت الدول تستعيد زمام المبادرة، والضريبة ليست سوى إحدى الأدوات التي تستخدمها لفرض حضورها داخل المجال الرقمي. المعركة لم تعد تدور حول وجود الدولة على الإنترنت أو غيابها، بل حول طبيعة حضورها ومدى قدرتها على تنظيم الشركات من دون خنق الابتكار أو عزل المستخدمين أو دفع الاقتصاد الرقمي إلى مناطق رمادية أكثر تعقيدًا.

والجزائر، إذا مضت في هذا الاتجاه، ستكون أمام تحدي تنفيذ لا يقل أهمية عن مضمون القانون نفسه، لأن تعريف المنصة الخاضعة للضريبة يجب أن يكون دقيقًا، وكذلك تحديد طبيعة النشاط الذي ينشئ الالتزام الجبائي، والفصل بين خدمات الوساطة والتجارة الإلكترونية والبث الرقمي والبرمجيات والإعلانات والخدمات المهنية، إضافة إلى وضع آليات واضحة للطعن والتسوية قبل الوصول إلى قرار التعليق. فالمشكلة في التشريع الرقمي أن عبارة واحدة غير دقيقة يمكن أن تشمل عشرات الأنشطة المختلفة وتنتج آثارًا لم يكن المشرع يتوقعها عند صياغة النص، ولهذا تصبح الجودة القانونية شرطًا أساسيًا حتى لا يتحول الهدف الأصلي، وهو تحقيق العدالة الجبائية، إلى مصدر نزاعات جديدة.

ما يلفتني أكثر هو أن المشروع يعبر عن نهاية مرحلة كانت الشركات الرقمية خلالها تتصرف كما لو أن السوق الإلكترونية فضاء بلا حدود ولا التزامات وطنية واضحة. هذه الفكرة تتراجع بسرعة، لأن الحكومات باتت تدرك أن جزءًا متزايدًا من الثروة ينتقل إلى المنصات والخدمات العابرة للحدود، وأن ترك هذا النشاط خارج النظام الضريبي يعني عمليًا تقليص قاعدة الدولة المالية في الوقت الذي تصبح فيه المجتمعات أكثر اعتمادًا على البنية الرقمية. من هنا يمكن فهم الرسالة الجزائرية باعتبارها محاولة لإعادة رسم العلاقة بين الشركة الأجنبية والسوق المحلية، بحيث لا تكون الاستفادة من ملايين المستخدمين منفصلة عن تحمل جزء من الالتزامات القانونية والمالية التي تفرضها الدولة على بقية الفاعلين.

غير أن القوة الحقيقية لأي سياسة من هذا النوع ستظهر في قدرتها على تحقيق التوازن، لأن السيادة الرقمية ليست مرادفًا للحجب، كما أن الانفتاح الرقمي لا يعني ترك الشركات تعمل خارج القانون. الدولة التي تنجح في هذا الملف هي التي تجعل المنصات تمتثل من خلال قواعد واضحة ومفاوضات فعالة وآليات تنفيذ قابلة للتوقع، لا التي تقيس نجاحها بعدد المواقع أو التطبيقات التي أغلقتها أمام مواطنيها. وفي المقابل، لا ينبغي للشركات الدولية أن تتعامل مع الأسواق المحلية كما لو كانت مجرد مصادر للمستخدمين والعائدات، ثم ترفض كل مطالبة جبائية باسم الطبيعة العابرة للحدود للإنترنت، فالعالم الرقمي قد يكون غير مادي في بنيته التقنية، لكن الأرباح التي يولدها شديدة الواقعية.

لهذا أرى أن سنة 2027 قد تتحول في الجزائر إلى محطة رمزية في علاقة الدولة بالاقتصاد الرقمي، لا لأنها ستشهد بالضرورة حجب Netflix أو Google، فذلك غير محسوم ولا يوجد حتى الآن قرار مباشر بهذا المعنى، بل لأنها قد ترسخ مبدأ جديدًا مفاده أن الشركات الرقمية الكبرى ليست خارج المجال السيادي للدولة لمجرد أنها تعمل من وراء الشاشة. وإذا نجح هذا التوجه في تحقيق الامتثال من دون إضرار المستخدم وبلا توسع غير محسوب في الحجب، فقد يمثل خطوة نحو عدالة ضريبية أكثر توازنًا، أما إذا تحول التعليق إلى أداة سهلة في كل نزاع، فقد يفتح الباب أمام نقاشات أوسع حول مستقبل الإنترنت وحدود الرقابة وحماية حقوق المستهلك.

في النهاية، لا تكمن القضية الحقيقية في Netflix ولا في Google، بل في السؤال الذي يفرضه الاقتصاد الرقمي على كل الدول تقريبًا: من يضع قواعد السوق التي أصبحت داخل الهاتف؟ هل تظل المنصة العالمية صاحبة الكلمة الأقوى لأنها تملك التكنولوجيا والبيانات، أم تستعيد الدولة جزءًا من سلطتها لأنها تملك القانون والضرائب والحدود؟ الجزائر تبدو اليوم وهي تحاول الإجابة بطريقتها، ورسالتها الأساسية واضحة: الشركات التي تستفيد من السوق المحلية لن تبقى خارج التزاماتها إلى ما لا نهاية، لكن الاختبار الأهم سيكون في الطريقة التي ستطبق بها هذه الفلسفة، لأن السيادة الرقمية الذكية لا تبنى فقط بالقدرة على إغلاق الباب، بل بالقدرة على إبقائه مفتوحًا وفق قواعد عادلة وواضحة.



0 التعليقات: