الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أكتوبر 16، 2026

الرادار الأسبوعي لصحافة شمال إفريقيا بقلم الكاتب المغربي عبده حقي


كلما تابعت الصحافة الدولية المتخصصة في شمال إفريقيا أزداد اقتناعًا بأن الأخبار الحقيقية التي ترسم مستقبل منطقتنا لا توجد دائمًا في المؤتمرات الصحفية والخطابات الرسمية والعناوين الكبرى، بل كثيرًا ما تختبئ في حركة مكتب استشارات داخل أروقة الاتحاد الأوروبي، أو اجتماع دبلوماسي مغلق في واشنطن، أو تفاهم بين رجال أعمال، أو إعادة ترتيب صامتة لموازين القوة داخل برلمان، أو تحرك عسكري في منطقة صحراوية بعيدة عن عدسات التلفزيون. وهذا بالضبط ما جعلني أتوقف هذا الأسبوع عند ما نشره موقع Africa Intelligence عن شمال إفريقيا خلال الفترة الممتدة من 9 إلى 15 أكتوبر 2026، لأن الصورة التي ترسمها أخباره ليست صورة منطقة ساكنة، بل فضاء يتحرك بسرعة على وقع الاقتصاد والدبلوماسية والأمن والصراع على النفوذ.

أول ما يلفتني في هذا الرادار هو الحضور القوي للمغرب. فالرباط تظهر في أكثر من ملف في الوقت نفسه، من الشباب وريادة الأعمال إلى صناعة السيارات والتكنولوجيا المالية، وصولًا إلى ملف الصحراء الذي يستعد لدخول محطة دبلوماسية مهمة في مجلس الأمن. وهذا التعدد في الملفات لا أراه مجرد مصادفة تحريرية، بل يعكس موقع المغرب اليوم في تقاطع عدة رهانات: مجتمعية واقتصادية وإقليمية ودولية.

في ملف الشباب، نشر الموقع في 15 أكتوبر مادة عن توجه يرمي إلى إعادة بناء قنوات التواصل مع الجيل الجديد عبر شبكات رجال الأعمال وريادة الأعمال، في سياق حدث مرتقب بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية. وحسب العرض المنشور، يتشكل خطاب يعتبر المبادرة الاقتصادية والمقاولة جزءًا من الإجابة الممكنة عن تطلعات الشباب المغربي.

ما يهمني هنا ليس الحدث في ذاته بقدر ما يهمني السؤال الذي يطرحه: هل تستطيع ريادة الأعمال وحدها أن تعيد بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات؟ لا شك أن فتح أبواب الاستثمار والمبادرة أمام الشباب أمر أساسي، وأن الاقتصاد الجديد قادر على خلق مسارات مهنية لم تكن موجودة قبل سنوات، لكن اختزال مطالب جيل كامل في تأسيس الشركات الناشئة سيكون قراءة محدودة لطبيعة التحول الاجتماعي الجاري. الشباب يريد العمل والدخل، لكنه يريد أيضًا جودة التعليم والصحة والسكن والخدمات، ويريد فضاءً يسمح له بالمشاركة والتعبير والإحساس بأن مستقبله ليس مشروعًا فرديًا عليه وحده أن يتحمل مخاطره.

ومن الشباب أنتقل إلى واحد من أنجح القطاعات الصناعية المغربية: صناعة السيارات. فقد كشف الموقع في 14 أكتوبر عن تحرك مغربي في بروكسل على خلفية مقترح تنظيمي أوروبي قد تكون له انعكاسات على القطاع، مشيرًا إلى استعانة وزير الصناعة والتجارة رياض مزور بمكتب ناشط لدى مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

أقرأ هذه الخطوة باعتبارها علامة على أن المعركة الصناعية لم تعد تجري داخل المصانع فقط. السيارة المغربية التي تغادر خطوط الإنتاج في طنجة أو القنيطرة تدخل فورًا إلى عالم أشد تعقيدًا تحكمه قواعد المنشأ ومعايير البيئة وسلاسل القيمة والدعم العمومي وحروب اللوبيات. أن تصبح للمغرب صناعة سيارات قوية شيء مهم، لكن الحفاظ عليها في سوق عالمي يتجه بسرعة نحو الكهرباء والبطاريات والحمائية الصناعية يحتاج إلى حضور دائم حيث تُصنع القواعد، أي في بروكسل وباريس وبرلين وغيرها من عواصم القرار الاقتصادي.

لقد تغير مفهوم السيادة الصناعية. المصنع وحده لا يكفي، والاستثمار الأجنبي وحده لا يكفي، والأرقام القياسية للصادرات لا تكفي. المطلوب أيضًا قدرة تفاوضية وقانونية ودبلوماسية تسمح للمغرب بالدفاع عن موقعه داخل سلاسل الإنتاج الأوروبية. وأرى أن هذا التحدي سيصبح أكثر حدة كلما تقدمت أوروبا في سياسات إعادة توطين الصناعة والتحول الأخضر وحماية مصانعها من المنافسة العالمية.

إلى جانب الصناعة التقليدية تظهر معركة أخرى أقل ضجيجًا لكنها ربما ستكون أكثر تأثيرًا في حياتنا اليومية خلال السنوات المقبلة، وهي معركة التكنولوجيا المالية. في 13 أكتوبر تحدث الموقع عن شركات أجنبية بينها Revolut وValu تبحث عن موطئ قدم في السوق المغربية، في ظل بيئة تنظيمية تتطلب قدرًا كبيرًا من الحذر.

هذا الخبر بالنسبة إليّ أكبر من مجرد دخول تطبيق جديد للدفع أو بنك رقمي. نحن نتحدث عن مستقبل النقود نفسها: من يملك بيانات معاملاتي؟ من يدير مدفوعاتي؟ هل ستظل العلاقة المالية مرتبطة بوكالة بنكية تقليدية أم تنتقل إلى الهاتف؟ وما موقع البنوك المغربية إذا أصبحت شركات التكنولوجيا قادرة على تقديم خدمات كانت إلى وقت قريب حكرًا على المؤسسات البنكية؟

المغرب يوجد إذن أمام فرصة وتحدٍّ في آن واحد. فتح السوق أمام الابتكار قد يخفض تكلفة الخدمات ويزيد المنافسة ويجذب جيلًا جديدًا من المستخدمين، لكن ذلك يحتاج أيضًا إلى تشريعات قوية تحمي المعطيات الشخصية والأمن المالي والمستهلكين، حتى لا يتحول الانتقال من البنك التقليدي إلى البنك الرقمي إلى انتقال من احتكار معروف إلى احتكار خوارزمي جديد.

غير أن الملف المغربي الأكثر حساسية خلال هذا الأسبوع ظل بلا شك ملف الصحراء. فقد نشر الموقع في 9 أكتوبر خبرًا عن اجتماع بين فرق وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ومتخصصين في النزاع، بهدف تغذية التفكير الأمريكي بشأن مستقبل بعثة «مينورسو» قبل التصويت المقرر في مجلس الأمن يوم 31 أكتوبر 2026.

هذا التطور يذكرني مرة أخرى بأن ملف الصحراء لا يتحرك فقط عبر التصريحات العلنية. جزء أساسي من الدبلوماسية يحدث خلف الأبواب المغلقة؛ خبراء يكتبون أوراقًا، ومستشارون يقارنون السيناريوهات، ودبلوماسيون يختبرون الصيغ الممكنة قبل أن تتحول في النهاية إلى كلمات محددة بعناية داخل قرار لمجلس الأمن.

من وجهة نظري، أهمية موعد 31 أكتوبر لا تنبع فقط من مسألة التجديد التقني لمهمة البعثة الأممية، بل من اللغة السياسية التي قد يعتمدها المجلس ومن الاتجاه العام لمواقف القوى الكبرى. وهذا يفسر كثافة التحركات الدبلوماسية المحيطة بالملف. لذلك فإن الأسابيع القليلة التي تسبق التصويت تستحق متابعة دقيقة بعيدًا عن المبالغات والانتصارات الإعلامية المسبقة، لأن الدبلوماسية تقاس بالنصوص والمواقف الرسمية والنتائج لا بالتكهنات.

إذا انتقلت جنوبًا وشرقًا نحو ليبيا، أجد مشهدًا مختلفًا تمامًا. هناك الدولة ما زالت تبحث عن توازنها، والقوة السياسية والعسكرية موزعة بين مؤسسات وشخصيات ومناطق وتحالفات تتغير باستمرار. وما نشر خلال الأسبوع يكشف أن عائلة حفتر تواصل العمل على تحويل النفوذ العسكري في الشرق إلى نفوذ مؤسساتي وسياسي.

في 12 أكتوبر تناول الموقع تعاظم دور صدام حفتر داخل مجلس النواب، معتبرًا أن التغييرات التي أعقبت رحيل عقيلة صالح فتحت المجال أمام تعزيز حضوره داخل المؤسسة التشريعية.

ما أراه مهمًا هنا هو أن القوة في ليبيا لم تعد مجرد عدد الدبابات والكتائب. أي مشروع يريد الاستمرار يحتاج إلى غطاء مؤسساتي وبرلماني ومالي ودبلوماسي. لذلك فإن الصراع على مجلس النواب ليس شأنًا إجرائيًا، بل جزء من معركة أوسع حول الشرعية ومن يملك حق التحدث باسم أجزاء من الدولة الليبية.

بعد ثلاثة أيام فقط، في 15 أكتوبر، انتقل الرادار إلى الجنوب الليبي. تحدث الموقع عن خطة من طرابلس لإعادة بناء نفوذها في فزان ومواجهة حضور معسكر حفتر هناك، من خلال ترتيبات وتحالفات مع مجموعات وشخصيات محلية.

ولفزان أهمية لا يمكن اختزالها في الجغرافيا. الجنوب الليبي يتصل بالنيجر وتشاد والسودان والجزائر، وتمر عبره طرق للهجرة والتجارة والتهريب، كما توجد في محيطه مصالح مرتبطة بالطاقة والثروات. من ينجح في تثبيت نفوذه هناك يحصل على ورقة تفاوضية تتجاوز الداخل الليبي إلى الساحل الإفريقي كله.

لهذا أعتقد أن فهم ليبيا عبر ثنائية «طرابلس في مواجهة بنغازي» لم يعد كافيًا. هناك شرق وغرب وجنوب، وهناك البرلمان والمؤسسة العسكرية والمصرف المركزي وشبكات محلية وقبلية ومصالح دولية. والمستقبل الليبي سيتحدد بقدر كبير بقدرة الأطراف على تحويل هذه الخريطة المجزأة إلى قواعد سياسية مشتركة، وهو هدف ظل بعيد المنال لسنوات.

أما مصر، فإنها تعيدني إلى واحد من أكثر النزاعات الاستراتيجية حساسية في إفريقيا: مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي. ففي 9 أكتوبر تناول الموقع عرض وساطة مرتبطًا بمبعوث للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشيرًا إلى أن خمسة عشر عامًا من المفاوضات والوساطات المختلفة لم تنتج تسوية نهائية للنزاع بين مصر وإثيوبيا.

أزمة سد النهضة ليست بالنسبة إليّ مجرد خلاف تقني حول ملء خزان أو تشغيل توربينات. إنها سؤال وجودي بالنسبة إلى مصر التي قامت حضارتها وسكانها وزراعتها حول نهر واحد، وفي الوقت نفسه هي سؤال سيادة وتنمية بالنسبة إلى إثيوبيا التي ترى في السد مشروعًا مركزيًا لتوليد الكهرباء والتنمية الوطنية. وهذا هو السبب في أن الحل صعب: الطرفان لا يتفاوضان حول مشروع عادي، بل حول تعريف كل منهما لأمنه القومي.

عودة واشنطن إلى محاولة الوساطة تكشف أيضًا أن مياه النيل أصبحت ملفًا جيوسياسيًا يتداخل فيه القرن الإفريقي والشرق الأوسط والقوى الكبرى. وإذا استمر تغير المناخ وزاد الضغط الديمغرافي، فإن المياه قد تتحول إلى واحدة من أهم قضايا السياسة الخارجية في القارة خلال العقود المقبلة.

مصر ظهرت كذلك في ملف آخر أقل صخبًا لكنه دال على طبيعة علاقتها المعقدة بأوروبا، ويتعلق بالتعاون الأكاديمي وبرنامج Erasmus+. ما يستوقفني هنا هو التناقض الذي تعيشه دول كثيرة في المنطقة: الرغبة في الاستفادة من التمويل الأوروبي والتكنولوجيا والبحث العلمي، مع التحفظ في الوقت نفسه على بعض شروط الانفتاح والحركية. هذه العلاقة المركبة بين أوروبا وجنوب المتوسط ستظل في رأيي محكومة بمزيج من الحاجة المتبادلة وعدم الثقة.

أما الجزائر، فقد سجلت حضورًا أقل خلال الفترة المحددة من 9 إلى 15 أكتوبر، ولذلك لا أرى من الدقة ملء الفراغ بأخبار خارج الإطار الزمني. لكن آخر مادة قريبة، بتاريخ 7 أكتوبر، تظل ذات دلالة؛ فقد تناولت الاستعدادات الجزائرية الإسبانية لعقد لقاء رفيع المستوى في مدريد، مع ملفات الغاز والمناجم والخلاف المستمر بشأن الصحراء ضمن جدول الأعمال.

هذه العودة التدريجية إلى الحوار بين مدريد والجزائر تستحق الانتباه. السياسة الخارجية في النهاية لا تستطيع البقاء أسيرة القطيعة إلى الأبد، خصوصًا عندما توجد بين الدول مصالح طاقية وتجارية وجغرافية كبيرة. لكن إعادة العلاقات إلى طبيعتها لا تعني بالضرورة اختفاء أسباب الخلاف، وخاصة ملف الصحراء الذي ظل عنصرًا حساسًا في العلاقة الجزائرية الإسبانية.

أما تونس، فكان غيابها النسبي عن مواد الأسبوع في حد ذاته ملاحظة تحريرية تستحق التسجيل، ولكن لا ينبغي تحويل غياب التغطية في موقع واحد إلى استنتاج بأن البلاد لا تعرف تطورات. الرادار الصحفي لا يعكس الواقع كله؛ إنه يعكس فقط الزاوية التي اختارتها وسيلة إعلام معينة خلال فترة محددة.

بعد هذه الجولة، أجد نفسي أمام شمال إفريقيا تتحرك فيه خطوط النفوذ في عدة اتجاهات متوازية. في المغرب توجد معركة بناء اقتصاد أكثر ارتباطًا بالصناعة والتكنولوجيا، بالتوازي مع دبلوماسية نشطة حول الصحراء. في ليبيا تستمر عملية إعادة توزيع القوة بين السلاح والمؤسسات والمناطق. في مصر يظل النيل سؤالًا استراتيجيًا مفتوحًا. وفي الجزائر تتحرك الدبلوماسية لإعادة وصل بعض الجسور الأوروبية. أما تونس، فغيابها عن رادار الأسبوع لا يلغي مكانها في معادلات الإقليم.

لكن الصورة الأكبر التي أخرج بها من هذا الأسبوع هي أن شمال إفريقيا لم تعد منطقة يمكن قراءة سياساتها من خلال البيانات الرسمية وحدها. يجب أن نراقب أيضًا رجال الأعمال ومكاتب الضغط وشركات التكنولوجيا وشبكات التمويل والمؤسسات العسكرية والبرلمانات والجامعات ومراكز التفكير. السلطة نفسها أصبحت موزعة بين فضاءات متعددة، وبعض القرارات التي ستؤثر غدًا في ملايين المواطنين قد تبدأ اليوم باجتماع صغير لا يعرف أحد عنه شيئًا.

وأعتقد أن المنطقة تدخل مرحلة ستكون فيها الحدود الفاصلة بين الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية أقل وضوحًا من أي وقت مضى. مصنع سيارات في القنيطرة قد يصبح موضوعًا دبلوماسيًا في بروكسل، وشركة مالية على الهاتف قد تتحول إلى قضية سيادة رقمية، ومقعد داخل البرلمان الليبي قد يغير توازنًا عسكريًا، وسد في إثيوبيا قد يصبح قضية أمن قومي في القاهرة، واجتماع لخبراء في واشنطن قد تراقبه العواصم المغاربية بقلق بالغ.

هذا هو شمال إفريقيا الذي أراه عبر رادار هذا الأسبوع: منطقة تبدو هادئة أحيانًا على سطح الأخبار، بينما تدور تحت هذا السطح مفاوضات وتحالفات ومنافسات ستحدد شكل السنوات المقبلة. ولذلك سأظل مقتنعًا بأن أفضل طريقة لفهم المستقبل ليست انتظار الحدث الكبير بعد وقوعه، بل التقاط الإشارات الصغيرة التي تسبقه.

فالخبر الحقيقي كثيرًا ما يبدأ همسًا قبل أن يتحول إلى عنوان عريض.


0 التعليقات: