الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أكتوبر 14، 2026

فيليبي السادس ضاربًا عرض الحائط المشروعية الجغرافية والتاريخية للمملكة المغربية: عبده حقي


لم أقرأ خطاب الملك الإسباني فيليبي السادس في سبتة باعتباره مجرد مناسبة بروتوكولية عابرة، ولا أعتقد أن الكلمات التي اختارها يمكن فصلها عن ثقل المكان وعن الذاكرة الطويلة والمعقدة للعلاقات المغربية الإسبانية. فحين يذهب رأس الدولة الإسبانية إلى سبتة ويعلن أن المدينة «هي إسبانيا» وأن السيادة والوحدة الترابية الإسبانية «غير قابلتين للتفاوض»، فإنه لا يكتفي بتكرار موقف دستوري معروف في مدريد، بل يبعث برسالة سياسية مباشرة إلى المغرب وإلى الرأي العام الإسباني والأوروبي في لحظة تتقاطع فيها الهجرة والأمن والحدود والجغرافيا والمصالح الاستراتيجية. وقد جاء الخطاب في أول زيارة لفيليبي السادس إلى سبتة بصفته ملكًا منذ اعتلائه العرش، ما منح عباراته وزنًا سياسيًا ورمزيًا مضاعفًا.

ما يستوقفني أساسًا في هذا الخطاب هو الإصرار على تقديم مسألة سبتة ومليلية كما لو أنها حقيقة سياسية مغلقة لا مجال حتى لمساءلتها تاريخيًا أو جغرافيًا. فيليبي السادس قال إن المدينتين تمثلان «جزءًا لا يمكن التنازل عنه» من الواقع السياسي والوطني الإسباني، وأضاف أن السيادة ووحدة التراب «غير قابلتين للتفاوض» و«غير قابلتين للنقاش». ومن حق الدولة الإسبانية بطبيعة الحال أن تعبّر عن موقفها الرسمي، لكن من حقي أيضًا، بصفتي كاتبًا مغربيًا أقرأ التاريخ من الضفة الجنوبية للمضيق، أن أسأل: هل يكفي تكرار عبارة «غير قابل للتفاوض» كي يُغلق ملف عمره قرون؟ وهل يمكن للسيادة أن تصبح مجرد جملة دستورية تتجاهل الجغرافيا والذاكرة والعلاقات التاريخية التي تربط شمال المغرب بهاتين المدينتين؟

الجغرافيا في هذه القضية ليست تفصيلًا. سبتة مدينة تقع في القارة الإفريقية، ملاصقة للتراب المغربي، وتنفصل عن شبه الجزيرة الإيبيرية بمضيق جبل طارق. هذه حقيقة لا يغيرها أي خطاب سياسي. ومليلية بدورها تقع على الساحل المغربي المتوسطي ومحاطة بالأراضي المغربية. ولهذا ظل المغرب، منذ استقلاله، ينظر إلى المدينتين من زاوية تختلف جذريًا عن الرواية الإسبانية. مدريد تعتبرهما جزءًا من أراضيها الوطنية، بينما ظل الخطاب المغربي التاريخي يعتبرهما من بقايا الوضع الاستعماري الأوروبي في شمال إفريقيا ويدعو إلى معالجتهما في إطار الحوار والسيادة والتاريخ. الخلاف هنا إذن ليس اختراعًا إعلاميًا، بل نزاع في القراءة القانونية والسياسية والتاريخية للمكان.

وأنا لا أختزل هذه القضية في الانفعال القومي، لأن الملف أكثر تعقيدًا من الشعارات. سبتة انتقلت إلى الحكم البرتغالي سنة 1415 ثم أصبحت تحت التاج الإسباني في القرن السابع عشر، بينما دخلت مليلية تحت السيطرة الإسبانية سنة 1497. وفي المقابل، تشكلت الدولة المغربية الحديثة حول امتداد تاريخي وسياسي في شمال إفريقيا سبق بقرون كثيرة قيام الحدود الاستعمارية الحديثة. ومن هنا يستمد المغرب منطقه التاريخي والجغرافي، حتى وإن كانت إسبانيا تستند إلى استمرارية ممارسة السيادة وإلى نظامها الدستوري والقانوني الداخلي.

المشكلة، في رأيي، تبدأ عندما يراد تحويل الوقائع التي صنعها ميزان القوة في القرون السابقة إلى حقائق أبدية محصنة ضد النقاش. التاريخ العالمي مليء بالحدود والمناطق التي أعيد النظر في أوضاعها بوسائل دبلوماسية وقانونية وسياسية، ولم يكن مجرد طول مدة السيطرة سببًا كافيًا لمنع طرح الأسئلة حول أصلها أو مشروعيتها. لذلك أجد أن لغة فيليبي السادس، حين تصف السيادة بأنها «غير قابلة للنقاش»، تحمل رسالة داخلية موجهة إلى الإسبان بقدر ما تحمل رسالة خارجية إلى المغرب.

السياق الذي جاء فيه الخطاب مهم جدًا. زيارة الملك الإسباني تلت أزمة هجرة حادة شهدتها سبتة خلال صيف 2026، وتحولت المدينة خلالها إلى مركز نقاش إسباني واسع بشأن أمن الحدود والهجرة والعلاقة مع المغرب. وكانت الرباط قد رفضت اتهامات سياسية وإعلامية إسبانية حاولت تحميلها مسؤولية تدفقات الهجرة، مؤكدة أنها لا تقبل أن تتحول إلى «كبش فداء» للصراعات السياسية الداخلية الإسبانية. بهذا المعنى، لا يمكن قراءة خطاب فيليبي السادس بعيدًا عن حاجة المؤسسة الإسبانية إلى طمأنة سكان سبتة وإظهار أن الدولة تقف وراء المدينة سياسيًا وأمنيًا.

لكن المفارقة اللافتة عندي هي أن الخطاب نفسه الذي رفع سقف التشديد على السيادة حاول في الوقت ذاته أن يفتح نافذة واسعة للعلاقات مع المغرب. فقد أكد فيليبي السادس أن إسبانيا والاتحاد الأوروبي يرغبان في الحفاظ على «علاقة حسن جوار» مع المغرب تقوم على الثقة والاحترام المتبادلين، وتخدم الاستقرار والسلام والأمن الإقليميين، وأضاف أن نجاح تلك العلاقة يحتاج إلى «حسن النية من الطرفين». هنا تظهر بوضوح معادلة السياسة الإسبانية تجاه المغرب: تشدد شديد في ملف سبتة ومليلية، وبراغماتية كبيرة في ملفات الاقتصاد والهجرة والأمن والطاقة والتعاون الأوروبي.

هذه المعادلة ليست سهلة. المغرب اليوم ليس هو المغرب الذي عرفته إسبانيا قبل عقود. موقعه الاقتصادي والاستراتيجي في غرب المتوسط وشمال إفريقيا أصبح أكثر وزنًا، وعلاقاته مع الاتحاد الأوروبي وإفريقيا والولايات المتحدة ودول أخرى أصبحت أكثر تشعبًا. وإسبانيا بدورها تدرك أن استقرار جنوبها يرتبط بدرجة كبيرة بالتعاون مع الرباط، سواء في مكافحة الإرهاب أو إدارة الهجرة أو التجارة أو حركة الأشخاص والبضائع. لذلك لا أعتقد أن مدريد تستطيع ببساطة أن تفصل ملف سبتة عن البنية العامة للعلاقة المغربية الإسبانية، حتى إن اختارت رسميًا أن تقول عكس ذلك.

الأرقام الاقتصادية نفسها تكشف حجم التشابك. المغرب وإسبانيا بنيا خلال السنوات الماضية واحدة من أكثر العلاقات التجارية كثافة في غرب المتوسط، كما أن الشركات الإسبانية حاضرة بقوة في الاقتصاد المغربي، فيما تمثل إسبانيا بوابة رئيسية للصادرات المغربية نحو الاتحاد الأوروبي. هذه المصالح المتبادلة جعلت البلدين ينتقلان مرارًا من لحظات الأزمة إلى المصالحة والحوار، لأن الجغرافيا تفرض عليهما في النهاية نوعًا من الشراكة التي لا يستطيع أي منهما تجاهلها.

لهذا أرى أن قضية سبتة ومليلية تحتاج من الطرفين إلى شيء أكبر من تبادل الشعارات. إسبانيا لن تتخلى عن موقفها لمجرد أن المغرب يستحضر التاريخ والجغرافيا، والمغرب بدوره لن يمحو من ذاكرته الوطنية سؤال المدينتين لمجرد أن مدريد تقول إن الملف «غير قابل للنقاش». الطريق الواقعي، مهما طال، لا يمكن أن يكون إلا الحوار السياسي الهادئ والبحث في التاريخ والقانون والمصالح والسكان والحدود والاندماج الاقتصادي.

وأرفض في الوقت نفسه أي محاولة لتحويل الملف إلى مبرر للعداء بين الشعبين المغربي والإسباني. العلاقات الإنسانية بين ضفتي المضيق أعمق من الخلافات السياسية. ملايين المغاربة والإسبان يعيشون ويتنقلون ويتاجرون ويدرسون ويعملون في فضاء مترابط، وأي حل مستقبلي لأي قضية سيادية يجب أن يحفظ مصالح السكان وحقوقهم وكرامتهم قبل أي اعتبار آخر.

ما أراه إشكاليًا في خطاب فيليبي السادس ليس دفاعه عن الموقف الرسمي لبلاده، فهذا متوقع من أي رئيس دولة، بل صيغة الإغلاق النهائي التي توحي بأن التاريخ انتهى عند الحدود القائمة الآن. التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة. الدول تتغير، والقوانين الدولية تتطور، وموازين القوة تتحول، وما كان يبدو في حقبة ما ثابتًا قد يصبح موضوعًا للتفاوض في حقبة أخرى.

كما أن الاستناد إلى أوروبا لتثبيت الوضع الإسباني في سبتة يضيف طبقة جديدة إلى المسألة. الملك قال بوضوح إن «سبتة هي إسبانيا، وسبتة هي أوروبا»، وإن أي تهديد لها يمس الاتحاد الأوروبي كله. هذه العبارة تنقل القضية من إطارها الثنائي المغربي الإسباني إلى إطار أوروبي أوسع، لكنها لا تلغي السؤال المغربي. الاتحاد الأوروبي يدافع بطبيعة الحال عن الحدود الخارجية للدول الأعضاء، غير أن ذلك موقف مؤسساتي وسياسي معاصر، ولا يشكل بمفرده حكمًا نهائيًا على جميع الإشكالات التاريخية المرتبطة بتكوين تلك الحدود.

وبالنسبة إليّ، القوة الحقيقية للمغرب في هذا الملف ليست في رفع مستوى التوتر، بل في بناء دولة أقوى اقتصاديًا ودبلوماسيًا ومؤسساتيًا. التاريخ يعلمنا أن القضايا الترابية لا تحسم فقط بالخطب؛ تحسم أيضًا بموازين القوة الناعمة، بالاقتصاد، بالدبلوماسية، بالنفوذ الثقافي، بالشراكات الدولية وبقدرة الدول على جعل وجهة نظرها مفهومة ومقبولة في المحافل العالمية.

أتمنى لذلك أن تبقى سبتة ومليلية موضوعًا للحوار لا وقودًا للعداء. أريد للمغرب أن يدافع عن قراءته التاريخية والجغرافية بثقة ووضوح، وأن يرفض تحويل الوقائع الموروثة عن قرون الصراع الأوروبي في شمال إفريقيا إلى مسلمات فوق التاريخ، لكنني أريد أيضًا أن يبقى هذا الدفاع سياسيًا ودبلوماسيًا وقانونيًا وسلميًا.

خطاب فيليبي السادس في سبتة كشف مرة أخرى أن الملف لم يمت، مهما أعلنت مدريد أنه «غير قابل للتفاوض». فالملفات الميتة لا تحتاج إلى كل هذا التشديد الرمزي ولا إلى زيارة ملكية استثنائية ولا إلى تأكيدات متكررة عن السيادة. وفي تقديري، مجرد العودة القوية لهذا الخطاب تثبت أن الجغرافيا ما تزال تتحدث وأن التاريخ لم يغلق صفحته الأخيرة.

إسبانيا تملك اليوم السلطة الفعلية والإدارة والسيادة التي تعترف بها مؤسساتها على سبتة ومليلية، وهذه حقيقة سياسية وقانونية قائمة. والمغرب يحمل من جهته ذاكرة تاريخية وقراءة جغرافية وموقفًا سياسيًا مختلفًا. وبين هاتين الحقيقتين ستظل هناك مساحة خلاف لا تمحوها العبارات القطعية.

لهذا خرجت من خطاب فيليبي السادس بقناعة واحدة: يستطيع الملك الإسباني أن يقول إن سبتة «إسبانيا وأوروبا»، لكن موقع المدينة على الخريطة سيظل يطرح السؤال ذاته على كل جيل جديد: كيف يمكن بناء مستقبل عادل ومستقر في مضيق تتشابك فيه أوروبا وإفريقيا والتاريخ والسيادة والمصالح؟ هذا السؤال، في تقديري، أكبر من أن تحسمه جملة سياسية، مهما قيلت من أعلى منبر في الدولة الإسبانية.



0 التعليقات: