صيف المهرجانات يعيد المدن إلى واجهة الإبداع
تدخل الأجندة الثقافية والفنية خلال الأسابيع المقبلة مرحلة شديدة الحيوية، إذ تتوزع المهرجانات بين الساحات الساحلية المغربية، والمسارح الأثرية العربية، والعواصم الأوروبية التي تتحول في الصيف إلى فضاءات مفتوحة للموسيقى والسينما والمسرح والفنون البصرية.
ولا تبدو هذه التظاهرات مجرد برامج للترفيه الموسمي، بل تحمل في كثير من الحالات رهانات مرتبطة بحماية التراث، وإنعاش السياحة، وتوسيع جمهور الفنون، وإعادة وصل الثقافة بالفضاء العام.أولًا: المواعيد الثقافية والفنية في المغرب
مهرجان الشواطئ ينطلق في ست مدن مغربية
الموعد: من 20 يوليو إلى 21 أغسطس 2026
أعلنت اتصالات المغرب تنظيم الدورة الثانية والعشرين من مهرجان الشواطئ، الذي يمتد من 20 يوليو إلى 21 أغسطس 2026، ويقدم حفلات موسيقية مجانية في عدد من المدن الساحلية المغربية، من بينها المضيق والحسيمة ومرتيل وطنجة والسعيدية والناظور. ويستند المهرجان إلى صيغة تقوم على تقريب الحفلات من الجمهور خارج القاعات المغلقة، واستثمار فضاءات الاصطياف في تنشيط المشهد الموسيقي الوطني.
تنبع أهمية هذه التظاهرة من قدرتها على دمج الثقافة في الحياة اليومية للمواطنين، إذ لا يُشترط على الجمهور السفر إلى المراكز الثقافية الكبرى أو اقتناء تذاكر مرتفعة الثمن. كما يتيح انتشار الحفلات في مدن متعددة توزيع الحركة السياحية والثقافية جغرافيًا، بدل تركيزها في الرباط والدار البيضاء ومراكش.
ويحمل المهرجان أيضًا بعدًا اقتصاديًا محليًا، لأن الحفلات الصيفية تنعش حركة المقاهي والمطاعم ووسائل النقل والتجارة الصغيرة. غير أن نجاح هذه الصيغة يظل مرتبطًا بجودة البرمجة، وبإشراك الفنانين الشباب والموسيقى الأمازيغية والحسانية والكناوية، حتى لا يتحول الحدث إلى مجرد سلسلة من الحفلات التجارية المتشابهة.
موسم مولاي عبد الله أمغار يجمع التبوريدة والذاكرة الشعبية
الموعد: من 7 إلى 15 أغسطس 2026
المكان: جماعة مولاي عبد الله، إقليم الجديدة
تستعد جماعة مولاي عبد الله، القريبة من مدينة الجديدة، لاحتضان دورة سنة 2026 من موسم مولاي عبد الله أمغار، خلال الفترة الممتدة من 7 إلى 15 أغسطس. ويُعد الموسم من أكبر التجمعات التراثية في المغرب، إذ يرتبط بعروض التبوريدة والفروسية التقليدية، إلى جانب الأنشطة الدينية والفنية والتجارية والاجتماعية التي تستقطب الزوار من مناطق مختلفة.
لا تكمن قيمة الموسم في ضخامة الحضور الجماهيري فقط، بل في كونه فضاءً حيًا لنقل مهارات الفروسية وطقوسها بين الأجيال. فالتبوريدة ليست استعراضًا بصريًا فحسب، وإنما منظومة ثقافية تجمع بين تربية الخيل وصناعة السروج والملابس التقليدية والانضباط الجماعي داخل كل «سربة».
ويطرح الموسم، في الوقت نفسه، تحديًا يتعلق بالتوفيق بين المحافظة على طابعه الروحي والشعبي وبين متطلبات التنظيم الحديث. فالازدحام الكبير وما يصاحبه من ضغط على البنية التحتية يفرضان تعزيز شروط السلامة والنظافة وتدبير النقل، حتى يبقى الحدث نموذجًا للتثمين المسؤول للتراث المغربي.
ثانيًا: المواعيد الثقافية والفنية في العالم العربي
مهرجان جرش يحتفل بأربعين دورة من الثقافة والفنون
الموعد: من 23 يوليو إلى 2 أغسطس 2026
المكان: مدينة جرش الأثرية في الأردن
تنطلق الدورة الأربعون من مهرجان جرش للثقافة والفنون يوم 23 يوليو، وتتواصل إلى غاية 2 أغسطس 2026. ويجمع المهرجان بين الغناء والموسيقى والمسرح والشعر والرقصات التراثية والصناعات اليدوية، داخل فضاء أثري يمنح العروض بعدًا بصريًا وتاريخيًا استثنائيًا.
وتضم البرمجة المعلنة أسماء عربية بارزة، من بينها ماجدة الرومي في حفل الافتتاح يوم 23 يوليو، ومسرح كركلا في عرض «ألف ليلة وليلة» يوم 24 يوليو، وجورج وسوف يوم 25 يوليو، وأحمد سعد يوم 26 يوليو، وعبادي الجوهر يوم 29 يوليو، وإليسا ودرصاف الحمداني يوم 30 يوليو.
تمثل الدورة الأربعون لحظة لمراجعة مسار مهرجان استطاع الاستمرار وسط التحولات السياسية والاقتصادية التي عرفتها المنطقة. كما أن إقامة العروض بين الأعمدة والمسارح الرومانية تعيد دمج الموقع الأثري في الحياة المعاصرة، بدل التعامل معه بوصفه مكانًا جامدًا للزيارة السياحية.
لكن القيمة الحقيقية للمهرجان ستتوقف على التوازن بين حفلات النجوم الجماهيرية وبين الشعر والمسرح والفنون الأردنية المحلية. فالمهرجان الثقافي لا يُقاس فقط بعدد التذاكر المباعة، وإنما بقدرته على اكتشاف أصوات جديدة وتعزيز حضور الإبداع العربي المتنوع.
مهرجان قرطاج يواصل لياليه في المسرح الروماني
الموعد: فعاليات متواصلة حتى 19 أغسطس 2026
المكان: المسرح الروماني بقرطاج، تونس
يواصل مهرجان قرطاج الدولي دورته الستين ببرنامج يمتد خلال شهري يوليو وأغسطس. ومن أبرز المواعيد القريبة: الفنان التونسي نوردو يوم 21 يوليو، وحفل «ستون سنة من الموسيقى التونسية» يوم 22 يوليو، والفنانة أنجيليك كيدجو يوم 23 يوليو، ثم سهرة تونسية يوم 25 يوليو، وعرض «القهرمانة» يوم 26 يوليو، ويسرا محنوش يوم 28 يوليو.
وتتواصل البرمجة في أغسطس مع سامي يوسف يوم 1 أغسطس، وروندو فينيزيانو يوم 4 أغسطس، وميادة الحناوي ومحمد خيري يوم 6 أغسطس، وثامر عاشور يوم 8 أغسطس، ثم إليسا يوم 15 أغسطس، وأمينة فاخت يوم 17 أغسطس، قبل الحفل الختامي لماجدة الرومي يوم 19 أغسطس.
تتميز هذه الدورة بمزجها بين الأصوات التونسية والعربية والعالمية، وهو اختيار يعكس موقع قرطاج بوصفه نقطة التقاء متوسطية وإفريقية. ويكتسب حفل «ستون سنة من الموسيقى التونسية» دلالة خاصة، لأنه يحول ذكرى تأسيس المهرجان إلى مناسبة للاحتفاء بالذاكرة الموسيقية الوطنية.
كما يكشف حضور أنجيليك كيدجو والفولكلور العالمي عن رغبة في توسيع الأفق الإفريقي للمهرجان. وفي المقابل، يضمن حضور أسماء عربية جماهيرية مثل ميادة الحناوي وإليسا وماجدة الرومي استمرار الصلة بين المهرجان وذائقة الجمهور الواسع.
بعلبك تحتفل بسبعين عامًا من الفن
الموعد الافتتاحي: 24 يوليو 2026
المكان: هياكل بعلبك الأثرية، لبنان
يفتتح مهرجان بعلبك الدولي موسمه الفني لسنة 2026 يوم 24 يوليو بحفل سينمائي موسيقي يكرم المؤلف اللبناني العالمي غبريال يارد، بالتزامن مع الاحتفال بالذكرى السبعين لتأسيس المهرجان. ويقدم الحفل مختارات من موسيقى الأفلام التي ألّفها يارد، المعروف بحصوله على جائزة الأوسكار وجوائز سينمائية دولية أخرى.
ويحمل تكريم غبريال يارد رسالة تتجاوز الاحتفاء بفنان لبناني ناجح، لأنه يبرز قدرة الموسيقيين العرب على الحضور داخل الصناعة السينمائية العالمية. كما أن تحويل موسيقى الأفلام إلى حفل حي يعيد الاعتبار للمؤلف الموسيقي الذي يبقى غالبًا خلف الصورة وأسماء المخرجين والممثلين.
أما إقامة العرض بين المعابد الرومانية في بعلبك فتعيد التأكيد على العلاقة التي أقامها المهرجان، منذ تأسيسه، بين التراث المعماري والإبداع المعاصر. ويبدو استمرار المهرجان، رغم الصعوبات الاقتصادية والأمنية التي مر بها لبنان، شكلًا من أشكال المقاومة الثقافية وحماية صورة البلاد بوصفها مركزًا فنيًا عربيًا.
ثالثًا: المواعيد الثقافية والفنية في أوروبا
بينالي البندقية للرقص يستكشف علاقة الجسد بالزمن
الموعد: من 17 يوليو إلى 1 أغسطس 2026
المكان: البندقية، إيطاليا
تتواصل الدورة العشرون من المهرجان الدولي للرقص المعاصر التابع لبينالي البندقية إلى غاية 1 أغسطس 2026، تحت عنوان «الزمن غير موجود». وتضم أجندة البينالي عروضًا يومية خلال الأسبوع الأخير من يوليو، بالتوازي مع المعرض الدولي للفنون البصرية المقام في المدينة.
يحمل عنوان الدورة سؤالًا فلسفيًا حول الزمن كما يختبره الجسد فوق الخشبة: هل الزمن مجرد تعاقب ميكانيكي، أم أنه تجربة يمكن للرقص أن يمددها أو يضغطها أو يعيد تشكيلها؟ وتمنح هذه المقاربة المهرجان طابعًا يتجاوز الاستعراض الحركي إلى مساءلة الذاكرة والشيخوخة والإيقاع والتكنولوجيا.
كما يعكس تنظيم مهرجان الرقص داخل مؤسسة البينالي رغبة في إزالة الحدود بين الأجناس الفنية. فالجسد الراقص يلتقي بالفيديو والتركيب الفني والصوت والعمارة، ما يجعل البندقية خلال هذه الفترة مختبرًا للفنون العابرة للتخصصات.
مهرجان سالزبورغ يجمع الأوبرا والمسرح والموسيقى الكلاسيكية
الموعد: فعاليات متواصلة خلال يوليو وأغسطس 2026
المكان: سالزبورغ، النمسا
يقدم مهرجان سالزبورغ خلال صيف 2026 برنامجًا كبيرًا يجمع الأوبرا والمسرح والحفلات السيمفونية وموسيقى الحجرة. ومن الأعمال المدرجة في البرنامج «كارمن»، و«أريادني في ناكسوس»، و«رحلة إلى ريمس»، وأوبرا «القديس فرنسيس الأسيزي»، إلى جانب المسرحية الشهيرة «يديرمان» التي تُعرض في نسخ متعددة بين 20 يوليو و25 أغسطس.
تكمن قوة مهرجان سالزبورغ في قدرته على المحافظة على مركزية التراث الموسيقي الأوروبي مع إخضاعه لقراءات إخراجية معاصرة. فالأوبرا هنا لا تُقدَّم بوصفها قطعة متحفية، بل باعتبارها مادة قابلة لإعادة التفكير في قضايا السلطة والرغبة والدين والهوية.
ويمنح تنوع البرنامج بين المسرح والغناء والأوركسترا الجمهور إمكانية بناء تجربة ثقافية متكاملة. إلا أن المهرجان يواجه، مثل كثير من المؤسسات الكلاسيكية الكبرى، سؤال الوصول الاجتماعي، بسبب ارتفاع أسعار بعض العروض وهيمنة الجمهور القادر على تحمل تكاليف السفر والإقامة والتذاكر.
لوكارنو يعيد السينما إلى الساحة العامة
الموعد: من 5 إلى 15 أغسطس 2026
المكان: لوكارنو، سويسرا
تقام الدورة التاسعة والسبعون من مهرجان لوكارنو السينمائي خلال الفترة الممتدة من 5 إلى 15 أغسطس 2026. ويتميز المهرجان بعروضه الجماهيرية في ساحة «بيازا غراندي»، إلى جانب مسابقاته المخصصة للسينما العالمية والأفلام التجريبية والمخرجين الصاعدين.
يحتفظ لوكارنو بمكانة خاصة لأنه يوازن بين الاحتفاء بالسينمائيين المعروفين واكتشاف أصوات جديدة لا تجد بسهولة طريقها إلى التوزيع التجاري. كما تمثل عروض الساحة الكبرى نموذجًا لتحويل مشاهدة الفيلم من تجربة فردية داخل قاعة صغيرة إلى طقس جماعي يجمع آلاف المتفرجين.
وتكتسب مبادرة «الأبواب المفتوحة»، التي تنظم أنشطتها الحضورية بين 5 و12 أغسطس، أهمية إضافية في دعم المخرجين والمنتجين القادمين من مناطق لا تحظى صناعاتها السينمائية بتمويل كافٍ. وهكذا لا يكتفي لوكارنو بعرض الأفلام، بل يسهم في تشكيل مستقبلها المهني والتوزيعي.
مهرجان إدنبرة الهامشي يحول المدينة إلى مسرح عالمي
الموعد: من 7 إلى 31 أغسطس 2026
المكان: إدنبرة، إسكتلندا
يعود مهرجان إدنبرة الهامشي خلال الفترة من 7 إلى 31 أغسطس 2026، بأكثر من 3600 عرض قادم من 71 دولة. وتتوزع البرمجة بين المسرح والكوميديا والرقص والسيرك والكباريه والموسيقى والعروض الموجهة للأطفال والكلمة المنطوقة.
ينفرد المهرجان بفلسفته القائمة على الانفتاح النسبي أمام الفنانين، إذ لا تُبنى برمجته على الانتقاء المركزي الصارم المعمول به في المهرجانات التقليدية. وهذا ما يحوله إلى فضاء للتجريب، تستطيع فيه الفرق الصغيرة والفنانون المغمورون اختبار أعمالهم أمام الجمهور والمنتجين والنقاد.
غير أن العدد الهائل للعروض يخلق منافسة قاسية، إذ قد تختفي أعمال مهمة وسط ضجيج الدعاية وكثافة البرنامج. ومع ذلك، يظل المهرجان واحدًا من أهم المختبرات العالمية لاكتشاف المواهب الجديدة، كما يشكل سوقًا دولية لانتقال العروض من إدنبرة إلى المسارح والمنصات الرقمية في دول أخرى.
بينالي البندقية للفنون يفتح نافذة على «النغمات الصغرى»
الموعد: مستمر إلى 22 نوفمبر 2026
المكان: حدائق البينالي، الأرسينالي ومواقع أخرى في البندقية
تتواصل الدورة الحادية والستون من المعرض الدولي للفنون في بينالي البندقية، المقامة تحت عنوان «في النغمات الصغرى»، إلى غاية 22 نوفمبر 2026. ويضم المعرض 110 مشاركين، بين فنانين أفراد وثنائيات ومجموعات ومؤسسات فنية، وتقام أعماله في حدائق البينالي والأرسينالي وفورتي مارغيرا ومواقع أخرى في المدينة.
يقترح عنوان المعرض الإنصات إلى الأصوات الخافتة والهامشية في عالم تهيمن عليه الخطابات الصاخبة. وتبدو هذه الرؤية محاولة لإعطاء مساحة للتجارب القادمة من إفريقيا والجنوب العالمي والمجتمعات التي لم تكن ممثلة بما يكفي في تاريخ المعارض الأوروبية الكبرى.
ويكتسب المعرض بعدًا رمزيًا إضافيًا من استمرار المؤسسة في تنفيذ التصور الذي وضعته القيّمة الراحلة كويو كوه، بما يحفظ مشروعها الفكري والفني. ومن هذا المنظور، يتحول المعرض إلى مساحة للتأمل في الفقدان والذاكرة والأمل، وليس مجرد سباق بين الأجنحة الوطنية والأسماء الفنية.
خلاصة الأجندة
تكشف هذه المواعيد أن صيف 2026 لا يقوم على نموذج ثقافي واحد. ففي المغرب تحضر المهرجانات القريبة من الجمهور والمرتبطة بالشاطئ والفروسية والتراث الشعبي، بينما تستعيد المهرجانات العربية المسارح الأثرية الكبرى في جرش وقرطاج وبعلبك. أما أوروبا فتقدم نموذجًا شديد التنوع، يجمع السينما الجماهيرية في لوكارنو، والتجريب المسرحي في إدنبرة، والموسيقى الكلاسيكية في سالزبورغ، والفن والرقص المعاصر في البندقية.
وتؤكد هذه الخريطة أن الثقافة أصبحت عنصرًا رئيسيًا في التنافس بين المدن، وفي بناء صورتها السياحية والدبلوماسية. لكن الرهان الأهم يظل في ألا تتحول المهرجانات إلى واجهات موسمية عابرة، بل إلى مؤسسات تكتشف الفنانين، وتحفظ الذاكرة، وتنتج المعرفة، وتضمن حق الجمهور الواسع في الوصول إلى الفنون.
تظل المواعيد والبرامج التفصيلية قابلة للتعديل من الجهات المنظمة، لذلك يُستحسن مراجعة المواقع الرسمية قبل السفر أو اقتناء التذاكر.







0 التعليقات:
إرسال تعليق