الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أغسطس 25، 2026

الأدب الرقمي من الرواية البصرية الأمريكية إلى السرد الشبكي الصيني والتفاعل الياباني: عبده حقي


تكشف متابعة الإصدارات والمنشورات التي ظهرت خلال الفترة الممتدة تقريبًا من 18 إلى 25 أغسطس 2026 أن مفهوم «الإصدار الأدبي» لم يعد ثابتًا كما كان في زمن الكتاب الورقي، وخصوصًا في مجال الأدب الرقمي؛ إذ قد يصدر العمل اليوم في صورة رواية بصرية، أو نص تفاعلي، أو رواية شبكية متسلسلة، أو تجربة سردية تمزج الفيلم بالاختيار، كما قد ينتقل النص نفسه من منصة للقراءة إلى لعبة تفاعلية أو مسلسل أو رسوم متحركة. ولهذا فإن البحث عن جديد الأدب الرقمي يستدعي التمييز بين الكتاب الإلكتروني، الذي لا يعدو في أحيان كثيرة أن يكون نسخة رقمية من نص ورقي، وبين الأدب المولود رقميًا الذي تدخل التقنية في بنائه وجمالياته وطريقة تلقيه. وهذا التمييز تؤكده «المجلة العربية» في ملفها الخاص بالأدب الرقمي في عدد أغسطس 2026، إذ تربط هذا الأدب بالترابط والوسائط المتعددة والتفاعل، لا بمجرد تحويل الكتاب إلى PDF.

العالم العربي: وفرة في التنظير وندرة في الإصدار الإبداعي الرقمي الجديد

أبرز ما استوقفني عربيًا خلال البحث ليس صدور رواية رقمية تفاعلية جديدة واسعة التداول بقدر ما هو الحضور اللافت للأدب الرقمي بوصفه قضية نقدية وبحثية أصبحت تحتل موقعًا متقدمًا في الدراسات الأدبية العربية. ففي 18 أغسطس نشرت جامعة الوصل في دبي كتاب بحوث المؤتمر الدولي الثاني للغة العربية، وهو إصدار أكاديمي واسع يضم مجموعة كبيرة من الدراسات المرتبطة مباشرة بالأدب الرقمي، من بينها «الأدب الرقمي.. إبداع بأدوات العصر»، و«الأدب الرقمي: المفهوم بين الإنتاج والتلقي»، و«الأدب الرقمي: المفهوم والإشكالية والتطبيق»، و«الأدب الرقمي: الهوية السائلة وإعادة تبيئة الكتابة»، إضافة إلى دراسات حول القصة الرقمية والنقد الأدبي الرقمي والنص الإبداعي في البرامج الرقمية. 

وتكتسب هذه المجموعة أهميتها لأنها تشير إلى أن النقاش العربي بدأ يتجاوز السؤال القديم: «هل الأدب الرقمي أدب فعلًا؟» إلى أسئلة أكثر تعقيدًا تتعلق بالهوية الرقمية للنص، وبموقع المتلقي في تشكيله، وبالأدوات التي يحتاجها النقد لمقاربة نص لا يتكون من الكلمات وحدها. كما تتضمن البحوث قراءة في «الصورة السينمائية في بناء القصة الرقمية عند محمد سناجلة»، ودراسة حول جمالية الصور وحركيتها في السرد الرقمي، وهو ما يعكس استمرار التجربة العربية التي ارتبطت مبكرًا بأعمال سناجلة ومحاولات الرواية الواقعية الرقمية. 

ويتزامن ذلك مع تخصيص العدد 599 من «المجلة العربية»، عدد أغسطس 2026، ملفًا واسعًا للأدب الرقمي، تناول تداخل المفاهيم والتعريفات والشعر الرقمي والإبداع التفاعلي وإشكالية المصطلح. ويؤكد الملف أن الأدب الرقمي مظلة تشمل الأدب التفاعلي والمترابط ومتعدد الوسائط، وأن القارئ لا يعود مجرد مستقبل للنص، بل يحصل على إمكانات للانتقال والاختيار والمشاركة في بناء مسار القراءة. 

غير أن هذه الحيوية النظرية تكشف، في المقابل، مفارقة عربية يصعب تجاهلها: الإنتاج النقدي حول الأدب الرقمي يبدو في هذه الفترة أوضح وأكثر انتظامًا من صدور أعمال إبداعية عربية رقمية خالصة يمكن توثيق تاريخ إطلاقها خلال الأيام الأخيرة. وهذه ليست بالضرورة علامة على غياب الإبداع، وإنما قد تكون نتيجة تشتته بين المدونات والمنصات الشخصية وشبكات التواصل وعدم وجود قاعدة عربية مركزية للفهرسة تشبه ما هو موجود في الخيال التفاعلي الغربي أو الأدب الشبكي الصيني.

الولايات المتحدة: «Puppergeist» والرواية التي تُقرأ بالإيقاع

في الولايات المتحدة برز يوم 20 أغسطس إصدار Puppergeist عن Serenity Forge، وهي شركة تطوير ونشر مقرها بولدر في ولاية كولورادو. العمل يصف نفسه بأنه «رواية بصرية إيقاعية»، وهي تسمية تلخص بوضوح الطريقة التي تتغير بها حدود الأدب الرقمي؛ فالقصة تتقدم من خلال تفاعل القارئ ــ اللاعب مع تحديات إيقاعية، بينما تتشكل مادتها الأساسية من لقاءات وحكايات عن الصداقة والحب والفقد والعلاقة العاطفية بالحيوانات الأليفة. 

لا تكمن أهمية Puppergeist في موضوعه وحده، بل في أنه لا يكتفي بتقديم نص سردي ترافقه الموسيقى، وإنما يجعل الإيقاع نفسه أداة من أدوات التقدم الحكائي. فالقراءة هنا لم تعد فعلًا بصريًا ساكنًا، بل عملية أداء؛ إذ ينبغي للمتلقي أن ينجح في التحديات الإيقاعية حتى يستمر السرد. وهذه الصيغة تضعنا أمام نموذج واضح لما يمكن تسميته «السرد الأدائي»، حيث تتجاور الكتابة والرسم والتحريك والموسيقى والبرمجة داخل عمل واحد. وتؤكد الصفحة الرسمية أن الحكاية تتحرك مع نجاح المستخدم في تلك التحديات، فيصبح الفعل الرقمي جزءًا من بنية النص لا مجرد زينة تكنولوجية محيطة به. 

ولا يبدو هذا الاتجاه منعزلًا عن البنية التحتية الواسعة للخيال التفاعلي في الولايات المتحدة، فالـInteractive Fiction Technology Foundation، وهي مؤسسة أمريكية غير ربحية، تدير أو تدعم مشاريع مثل IFDB وIFComp وTwine وIF Archive وNarraScope، وهي أدوات ومنصات أساسية أتاحت للخيال التفاعلي أن يستمر باعتباره حقلًا إبداعيًا مستقلًا وليس هامشًا صغيرًا من صناعة الألعاب. 

أوروبا وفضاؤها المتوسطي: «Wordless Forest» والسرد بلا كلمة واحدة

أما واحد من أكثر الإصدارات قربًا زمنيًا من تاريخ كتابة هذا المقال فهو Wordless Forest، الذي صدر في 24 أغسطس 2026. العمل من تطوير Doğuş Çağrıcı، وهو مطور تركي مستقل، وينتمي إلى صيغة الفيلم التفاعلي الحي، لكنه يقدم مفارقة لافتة: إنه سرد تفاعلي من دون أي حوار، حيث يحدد المستخدم مصير الشخصية باختياراته بينما تقوم الصور الحية والبيئة والحركة مقام اللغة المنطوقة. وتضعه منصة Steam صراحة ضمن تصنيفات «Interactive Fiction» و«Choose Your Own Adventure» و«Visual Novel» 

تبدو هذه التجربة مهمة من زاوية الأدب الرقمي لأنها تعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل الأدب يحتاج بالضرورة إلى الكلمات؟ في Wordless Forest تصبح الصورة، والمكان، والتتابع الزمني، والاختيار، والصمت عناصر سردية تعادل الجملة المكتوبة، بل إن غياب الحوار نفسه يتحول إلى استراتيجية دلالية. ويذكر المصدر التركي المتخصص أن العمل يقوم على تصوير حي في مناطق طبيعية متعددة، وأن خيارات المستخدم تقود إلى نهايات مختلفة، مما يجعل النص الحقيقي للعمل ليس سيناريو واحدًا، بل مجموعة مسارات سردية ممكنة لا تتحقق إلا بالفعل الذي يقوم به المتلقي. 

إنه مثال جيد على المسافة التي قطعها الأدب الرقمي الأوروبي والمتوسطي من «النص المترابط» الكلاسيكي إلى تجربة تتقاطع فيها السينما والأدب واللعبة، فلا يعود من السهل تحديد اللحظة التي تنتهي فيها الرواية وتبدأ اللعبة أو ينتهي الفيلم ويبدأ النص التفاعلي.

اليابان: «STEINS;GATE RE:BOOT» واستمرار قوة الرواية البصرية

في شرق آسيا، وتحديدًا اليابان، جاء يوم 19 أغسطس بإصدار STEINS;GATE RE:BOOT من شركة MAGES ونشر Spike Chunsoft. العمل إعادة بناء حديثة للرواية البصرية الشهيرة، مع تجديد الرسوم والواجهة وإضافة سيناريو جديد، لكنه يحافظ في الوقت نفسه على جوهر الرواية الرقمية التفاعلية التي تسمح للمتلقي بتغيير مصائر الشخصيات وتوليد نهايات متعددة تبعًا للقرارات التي يتخذها. 

وتشير الصفحة الرسمية إلى أن التحكم في هاتف الشخصية داخل القصة يستطيع تغيير مسار الأحداث، وأن الاختيارات تقود إلى نهايات متفرعة؛ وهنا تظهر إحدى أكثر تقنيات السرد الرقمي إثارة للاهتمام، لأن «الجهاز» الموجود داخل العالم الحكائي يصبح في الوقت نفسه واجهة تحكم خارجية بيد المستخدم. وبذلك يتطابق تقريبًا فعل الشخصية مع فعل القارئ: الشخصية تستخدم الهاتف، والقارئ يستخدم الواجهة الرقمية، وكلاهما يشارك في تغيير الزمن ومسار الحكاية. 

تكشف هذه التجربة مرة أخرى لماذا أصبحت الرواية البصرية اليابانية من أكثر الأجناس قدرة على توسيع مفهوم الأدب، فهي تجمع نصًا قد يمتد إلى عشرات الساعات مع الصوت والصورة والاختيار والتفرع، بحيث لا تعود «النهاية» قرار المؤلف وحده وإنما نتيجة تفاوض بين بنية كتبها المبدع ومسار اختاره القارئ.

الصين: الرواية الشبكية تتحول إلى منظومة سردية كاملة

لكن الصين ربما تقدم اليوم الصورة الأكثر اتساعًا لمستقبل الأدب الرقمي، لأن «الأدب الشبكي» هناك لم يعد مجرد روايات تنشر على الإنترنت، بل أصبح صناعة سردية متكاملة تنتقل فيها الشخصيات والعوالم من النص إلى التلفزيون والأنيميشن والألعاب التفاعلية.

ففي 20 أغسطس أطلقت 绍宋:还我河山، وهي تجربة تفاعلية حية مقتبسة من الرواية الشبكية 绍宋 للكاتب 榴弹怕水. ويتيح العمل للمستخدم اتخاذ قرارات سياسية وعسكرية مرتبطة بمصير أسرة سونغ الجنوبية، ويجمع التصوير الحي بالممثلين مع اختيارات الحوار والأداء الاستراتيجي. والمهم هنا أن الرواية الشبكية الأصلية لا تنتهي حياتها عند اكتمال النص، بل تصبح قاعدة بيانات سردية يمكن إعادة توليدها داخل وسيط جديد يمنح القارئ سلطة مختلفة على الحكاية. (

وقبل ذلك بأيام، في 16 أغسطس، أطلقت الكاتبة الصينية 千山茶客 روايتها الشبكية الجديدة 《来日有信》 بصورة متزامنة عبر منصات من بينها Xiaoxiang Academy وQidian Reading. وتقوم الحبكة على تواصل شخصيتين عبر الزمن بواسطة مخطوط غامض يسمح لهما بتبادل الرسائل ومحاولة تغيير مصير مأساوي متوقع. وقد أشارت شبكة الكتّاب الصينيين إلى أن العمل جذب اهتمامًا واسعًا منذ مرحلة الإعلان، ثم تصدر بعض قوائم المنصة بعد بدء نشره. 

والمثير في الحالة الصينية أن تقريرًا أسبوعيًا نشره موقع رابطة الكتاب الصينيين في 25 أغسطس يلخص تحولًا أعمق بكثير: الأدب الشبكي ينتقل من «قراءة الرواية» إلى مشاهدة الدراما القصيرة والأنيميشن والتفاعل مع الألعاب، ومن الأعمال الطويلة إلى السرد الأقصر، بحيث يصبح النص جزءًا من نظام مفتوح دائم التحول بين المنصات والوسائط. 

الأدب الرقمي لم يعد «كتابًا على شاشة»

إذا جمعت هذه المؤشرات الممتدة من العالم العربي إلى الولايات المتحدة وأوروبا واليابان والصين، فإن الخلاصة الأساسية التي أراها هي أن الأدب الرقمي في 2026 يبتعد بسرعة عن الفكرة المبسطة التي تربطه بالكتاب الإلكتروني. لقد أصبح السؤال الحقيقي ليس: «أين نقرأ النص؟ على الورق أم الشاشة؟»، بل: من يكتب النص، ومن يقرر مساره، وما الذي يدخل اليوم في تعريف الكتابة نفسها؟

في Puppergeist تصبح الموسيقى والإيقاع جزءًا من القراءة، وفي Wordless Forest تؤدي الصورة والصمت والاختيار وظيفة اللغة، وفي STEINS;GATE RE:BOOT يستطيع جهاز افتراضي داخل الحكاية تغيير مصيرها، وفي الصين تتحول الرواية الشبكية إلى لعبة تفاعلية ثم إلى فيلم ومسلسل ورسوم متحركة، بينما يكشف المشهد العربي عن توسع واضح في التفكير النقدي في هذه التحولات وإن كان لا يزال يحتاج إلى مزيد من المنصات التي تجمع وتوثق الإنتاج الإبداعي الرقمي العربي نفسه.

وهكذا يبدو أن التحول الأكبر الذي نشهده لا يتعلق بموت الكتاب الورقي، كما كان يقال قبل سنوات، بل بولادة مفهوم جديد للنص؛ نص قابل للحركة والتفرع وإعادة البناء، يعمل فيه المؤلف والقارئ والبرنامج والصورة والصوت والخوارزمية داخل فضاء واحد. وربما لهذا السبب لم يعد الأدب الرقمي جنسًا صغيرًا مضافًا إلى الأدب، بل أصبح مختبرًا يجري داخله اختبار مستقبل السرد والقراءة والكتابة نفسها.


0 التعليقات: