الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أغسطس 24، 2026

بَيْنَ الرِّبَاطِ وَالْجَزَائِرِ ومَا يَسْتَطِيعُ الصَّحَفِيُّ أَنْ يَقُولَهُ؟ بقلم: عبده حقي


كلما تابعتُ المشهدين الإعلاميين المغربي والجزائري، ازددتُ اقتناعًا بأن المقارنة الحقيقية بينهما لا ينبغي أن تبدأ بعدد القنوات التلفزيونية، ولا بحجم الاستوديوهات، ولا حتى بعدد المواقع الإلكترونية التي تتسابق على الأخبار، وإنما بسؤال أكثر جوهرية: ما المساحة التي يملكها الصحفي لكي يناقش مجتمعه ودولته دون أن يتحول الاختلاف معه إلى معركة وجود؟

لا أدعي أن الإعلام المغربي بلغ النموذج المثالي، ولا أريد أن أكتب مديحًا مجانيًا للمشهد الذي أنتمي إليه. فالإعلام المغربي ما زال يعاني مشكلات بنيوية حقيقية تتصل بالاستقلالية الاقتصادية، وهشاشة بعض المقاولات الصحفية، وضعف موارد الصحافة الجادة، والتفاوت الكبير بين صحافة مهنية وأخرى بنت نموذجها على الإثارة والعنوان الصادم. كما أن النقاش حول علاقة الصحافة بالسياسة والسلطة والمال لم ينته بعد، ولا ينبغي له أن ينتهي ما دام الإعلام نفسه مؤسسة تستمد مشروعيتها من النقد والمساءلة.

لكنني، في المقابل، أرى أن وضع المغرب والجزائر داخل الكفة نفسها لا يقدم صورة دقيقة عن الاتجاه الذي يتحرك فيه كل مشهد.

ففي مؤشر حرية الصحافة العالمي لسنة 2026 لمنظمة مراسلون بلا حدود، احتل المغرب المرتبة 105 من أصل 180 دولة، بعدما كان في المرتبة 120 سنة 2025، بينما جاءت الجزائر في المرتبة 145 بعد أن كانت في المرتبة 126 خلال السنة السابقة. وتشير المنظمة إلى أن الصحفيين المغاربة ما زالوا عرضة لضغوط قانونية ومالية، لكنها سجلت في الوقت نفسه تحسنًا في التصنيف المغربي وعدم صدور أحكام سجن جديدة ضد صحفيين خلال الفترة التي شملها التقييم. أما توصيفها للوضع الجزائري فجاء أكثر قتامة، إذ تحدثت عن ضغوط متواصلة على الإعلام المستقل وعن ملاحقات وسجن صحفيين وحجب عدد من المواقع الإلكترونية. (RSF)

وهذه الأرقام لا أتعامل معها باعتبارها شهادة براءة لهذا الطرف أو وثيقة إدانة نهائية للطرف الآخر؛ فالمؤشرات الدولية نفسها قابلة للنقاش، لكن الاتجاه الذي ترسمه يستحق الانتباه: المغرب يتحرك، ببطء وبكثير من التناقضات، نحو فضاء إعلامي أكثر تعددًا، بينما تبدو الجزائر في السنوات الأخيرة وكأنها تضيق المساحة أمام الأصوات المستقلة.

في المغرب... لم تعد الدولة وحدها تحدد موضوع النقاش

ما يلفت انتباهي في الإعلام المغربي اليوم هو أن جزءًا متزايدًا من النقاش العمومي خرج من القبضة التقليدية للقنوات والصحف واتجه إلى يوتيوب وفيسبوك وتيك توك ومنصات البودكاست ومواقع الأخبار الرقمية.

ويؤكد تقرير الأخبار الرقمية لسنة 2026 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة أن البيئة الإخبارية المغربية أصبحت أكثر تأثرًا بالمنصات والفيديو وصناع المحتوى، وأن الإعلام الرسمي والتقليدي ما زال يحتفظ بأهميته لكنه لم يعد قادرًا بمفرده على التحكم في سرعة النقاش العام ونبرته. ويشير التقرير إلى أن نسبة الثقة العامة في الأخبار في المغرب تبلغ 28 في المائة، بينما يشعر 54 في المائة من المستجوبين بالقلق من المعلومات المضللة. 

وأنا أعتبر الرقمين معًا مهمين.

انخفاض الثقة ليس أمرًا محمودًا بالطبع، لكنه يكشف في الوقت نفسه أن المغربي لم يعد مستهلكًا سلبيًا ينتظر نشرة الثامنة كي تخبره بما جرى. صار المواطن يقارن، ويشاهد، ويعلق، ويشكك، ويبحث عن رواية ثانية وثالثة، وقد يذهب إلى صحفي مستقل أو «يوتيوبر» أو محلل رقمي قبل أن يعود إلى التلفزيون.

هذا التحول يحمل مخاطر الأخبار الزائفة بالتأكيد، لكنه يكسر أيضًا احتكار صناعة الرأي العام.

وأرى هنا فرقًا أساسيًا عن النموذج الإعلامي الجزائري الحالي.

في الجزائر... المشكلة ليست غياب القنوات بل ضيق الهامش

فالجزائر ليست بلدًا بلا صحافة، ولا أزعم أن كل صحفييها يرددون خطابًا واحدًا. هناك صحفيون مهنيون شجعان، وهناك مؤسسات لها تاريخ محترم، وهناك مواقع إلكترونية تحاول الحفاظ على هامش استقلاليتها. لكن البيئة التي يعمل داخلها هؤلاء صارت، بحسب تقارير دولية حديثة، أكثر صعوبة.

وتصف مراسلون بلا حدود المشهد الجزائري سنة 2026 بأنه يواجه خطوطًا حمراء متعددة، وتقول إن الصحفيين المستقلين يتعرضون لضغوط، وإن القضايا المرتبطة بالفساد أو الاحتجاجات يمكن أن تقود إلى تهديدات أو مساءلات أمنية وقضائية. كما وضعت المنظمة المؤشر السياسي للصحافة الجزائرية في مرتبة متأخرة جدًا، هي 157 عالميًا. 

الأكثر إثارة للقلق بالنسبة إليّ ليس ترتيب الجزائر في جدول دولي، وإنما الحالات الملموسة.

فقد قالت منظمة العفو الدولية في مايو 2026 إن السلطات الجزائرية احتجزت أو لاحقت أو أدانت، منذ نوفمبر 2025، سبعة صحفيين وإعلاميين بسبب عملهم الإعلامي أو تعبيرهم عن آرائهم، ودعت إلى الإفراج عن صحفيين قالت إنهم محتجزون تعسفيًا. 

وفي يوليو الماضي، أعلنت لجنة حماية الصحفيين أن الصحفي والمدون المستقل مراد آيت ميمو اعتُقل على خلفية منشورات وتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، وطالبت بالإفراج عنه. 

وهنا أصل إلى جوهر الفرق الذي أراه بين البلدين: إذا أصبح المنشور الرقمي نفسه قادرًا على جر الصحفي إلى الاعتقال، فإن الإعلام الرقمي لا يعود مساحة بديلة للصحافة، بل يصبح امتدادًا للرقابة عليها.

الإعلام المغربي ليس جنة... وهذه نقطة يجب قولها

ومن غير المقبول بالنسبة إليّ أن نحول المقارنة مع الجزائر إلى وسيلة للهروب من نقد أوضاعنا نحن في المغرب.

لدينا أزمة ثقة حقيقية. وتقرير رويترز الذي تحدثت عنه يؤكد أن 28 في المائة فقط من المستجوبين المغاربة يقولون إنهم يثقون في الأخبار عمومًا، وأن شريحة من الجمهور ترى أن وسائل الإعلام تتجنب بعض الموضوعات الحساسة أو تقترب كثيرًا من وجهات النظر الرسمية. 

هذا تنبيه ينبغي أن يؤخذ بجدية.

فأنا لا أريد إعلامًا مغربيًا أفضل من الإعلام الجزائري فحسب. أريده أفضل من نفسه.

أريده إعلامًا يستطيع فتح ملفات الصحة والتعليم والفساد والانتخابات والبطالة وتدبير الجماعات والصفقات العمومية بلا خوف وبلا ابتزاز وبلا حسابات خفية.

وأريده أيضًا إعلامًا لا يتحول في علاقته بالجزائر إلى نسخة معكوسة من الخطاب الذي ينتقده.

فإذا كنتُ أنتقد قناة جزائرية لأنها تقدم المغرب باعتباره أصل كل مشكلات الجزائر، فليس من المنطقي أن أجعل الجزائر بدورها أصل كل مشكلات المغرب.

الصحافة لا تنتصر بتبديل اتجاه الدعاية.

إنها تنتصر بالمعلومة.

أخطر شيء في الإعلام الجزائري ليس ما يقوله عن المغرب

وبالنسبة إليّ، لا تكمن المشكلة الأساسية في بعض البرامج الجزائرية التي تهاجم المغرب. يمكن للمشاهد المغربي أن يبتسم أمام مبالغة هنا أو يتجاهل خبرًا دعائيًا هناك.

الأخطر هو أن تتحول الخصومة مع المغرب إلى أداة داخلية لصناعة أجندة إعلامية بديلة عن أسئلة المواطن الجزائري نفسه.

فالجزائري يريد أن يعرف أيضًا ماذا يحدث لأسعار المواد الغذائية، ولماذا يعاني بعض الشباب البطالة، وكيف تدار الثروة النفطية والغازية، وما مستقبل الاقتصاد خارج المحروقات، وكيف تعمل المؤسسات، وما مصير الحريات والحقوق.

إذا قضى الإعلام ساعات طويلة وهو يشرح للمواطن ما يفعله المغرب، بينما منح دقائق قليلة لمساءلة مسؤوليه عن حياته اليومية، فإن وظيفة الصحافة تكون قد اختلت.

والأمر نفسه ينطبق علينا في المغرب: ينبغي ألا تصبح متابعة الجزائر مبررًا لتأجيل أسئلتنا المغربية.

معركة البلدين الحقيقية ستكون على الهاتف

وأعتقد أن المفارقة الكبرى في السنوات المقبلة ستأتي من التكنولوجيا.

في المغرب، يلاحظ معهد رويترز أن صناع المحتوى الرقمي ومعلقي يوتيوب أصبحوا وسطاء إخباريين مهمين، وأن الجمهور يجدهم أحيانًا أسرع وأقرب وأسهل فهمًا من وسائل الإعلام التقليدية. 

وهذه الظاهرة لن تتوقف عند الحدود المغربية.

الهاتف الذكي يتحدى النموذج الإعلامي التقليدي في المنطقة كلها. يمكن للدولة أن تمتلك محطة تلفزيونية، لكنها لا تمتلك إصبع المواطن وهو يمرر الشاشة من فيديو إلى آخر.

يمكنها أن تصدر بيانًا رسميًا، لكن المواطن يستطيع في اللحظة نفسها مشاهدة عشر روايات أخرى للحدث.

ولهذا أعتقد أن مستقبل الإعلام المغاربي لن تحسمه القنوات وحدها، وإنما درجة الثقة التي تستطيع كل دولة بناءها مع جمهور رقمي صار أكثر شكًا وأقل طاعة للتراتبية الإعلامية القديمة.

المغرب أمام فرصة ينبغي ألا يبددها

أتمنى أن نستفيد في المغرب من المقارنة بدل أن نحولها إلى مناسبة للشماتة.

تقدم المغرب في مؤشر حرية الصحافة لا يعني أن المهمة انتهت، بل يعني أن هناك فرصة ينبغي تثبيتها وتوسيعها.

المطلوب بالنسبة إليّ واضح: صحافة قوية اقتصاديًا، مؤسسات مهنية مستقلة، حماية حقيقية للصحفي، وصول أفضل إلى المعلومة، إعلام عمومي أكثر انفتاحًا على الاختلاف، وتكوين مستمر لمواجهة الذكاء الاصطناعي والتضليل الرقمي.

أما الجزائر، فأعتقد أن مصلحتها هي الأخرى ليست في إعلام يربح المعركة اليومية ضد المغرب على شاشة التلفزيون، بل في صحافة تستطيع أن تربح ثقة الجزائري نفسه.

فالدول القوية لا تخشى الصحافة الجيدة.

والصحفي المهني ليس خصمًا للوطن، حتى عندما يزعج الحكومة.

وبالنسبة إليّ، هذا هو الفارق الأهم الذي ينبغي أن نبني عليه أي مقارنة بين الإعلام المغربي والإعلام الجزائري: الإعلام الحقيقي لا يقاس بمدى ارتفاع صوته في الدفاع عن الدولة، بل بقدرته على أن يجعل الدولة نفسها مستعدة لسماع الأسئلة التي لا تحب سماعها.

عبده حقي


0 التعليقات: