تبدو الذاكرة بالنسبة إليَّ أكثر غموضًا من أن تُختزل في صندوق نحفظ داخله ما مضى، وأكثر مراوغة من أن نطمئن إلى أنها تستعيد الأشياء كما حدثت فعلًا. إنني أراها مادة سردية حيّة، تعيد تشكيل نفسها كلما استدعيناها، فتحذف وتضيف، وتكبّر تفصيلًا صغيرًا، وتدفع بحدث ضخم إلى الهامش. ومن هذا التصور تنفتح أمامي تجربة The Memory Machine – «آلة الذاكرة» باعتبارها مشروعًا سرديًا رقميًا يحاول أن يجعل ما هو خفي في الوعي قابلًا للرؤية، مستعينًا بتقنيات تصوير البيانات Data Visualization لتمثيل ذكريات شخصيات مختلفة.
نحن هنا إزاء سرد لا يكتفي بأن يقول لنا ما تتذكره الشخصية، بل يحاول أن يرسم ذاكرتها.
وقد يكون هذا التحول من اللغة إلى الخريطة، ومن الجملة إلى الرسم البياني، ومن الاسترجاع السردي إلى شبكة بيانات، واحدًا من أكثر التحولات إثارة في الأدب الرقمي المعاصر؛ لأن الذاكرة التي اعتدنا قراءتها في الرواية على هيئة مونولوغ أو استرجاع أو تدفق للوعي يمكن أن تصبح في البيئة الرقمية نقطة مضيئة، أو منحنى، أو شبكة علاقات، أو كثافة لونية، أو مجموعة مسارات تتقاطع أمام أعيننا.
الذاكرة بوصفها قاعدة بيانات إنسانية
أتخيل شخصية داخل «آلة الذاكرة» تحمل آلاف اللحظات الصغيرة: وجه الأم، أول يوم في المدرسة، صوت قطار بعيد، حادثة حب، مدينة هجرتها، رسالة لم تصل، موت صديق، رائحة بيت قديم.
في الرواية التقليدية يختار الكاتب اللحظة التي ينبغي استدعاؤها، ثم يصوغها بالكلمات. أما في هذا النوع من السرد الرقمي فإن هذه الذكريات يمكن أن تتحول إلى بيانات سردية تمتلك خصائص متعددة: التاريخ، المكان، شدة الانفعال، الشخصيات المرتبطة بالحدث، درجة وضوح الذكرى، عدد مرات استعادتها، مقدار الألم أو الفرح الذي تحمله.
وبذلك يصبح لكل ذاكرة تقريبًا ملفها الرقمي.
قد تكون ذكرى طفولة واحدة ممثلة بدائرة صغيرة، لكنها تكبر كلما عادت الشخصية إليها. وقد تتضاءل ذكريات أخرى تدريجيًا حتى تكاد تختفي من الشاشة. وقد يظهر الموت، مثلًا، كمنطقة سوداء تتجمع حولها عشرات الذكريات الصغيرة، بينما يمتد الحب مثل خط أحمر يربط بين سنوات متباعدة.
إننا لا نقرأ الذاكرة فقط.
نحن نراقب بنيتها.
وهذه النقلة هي التي تجعل تصوير البيانات عنصرًا سرديًا لا مجرد زينة بصرية.
الشخصية لم تعد سيرة خطية
اعتادت الرواية أن تقدم الشخصية من خلال تاريخ يتحرك غالبًا من الماضي إلى الحاضر، حتى عندما تتدخل الاسترجاعات والاستباقات في ترتيب الأحداث. لكن «آلة الذاكرة» تستطيع أن تقدم لي شخصية مختلفة تمامًا: شخصية تتكون أمامي من سحابة ذكريات.
أدخل إلى ذاكرة الشخصية الأولى فأجد مركزها مشبعًا بذكريات الأب.
أنتقل إلى الشخصية الثانية فأجد المدينة هي مركز عالمها.
أما الثالثة فقد تهيمن على ذاكرتها حادثة واحدة وقعت قبل ثلاثين عامًا، بحيث يبدو كل ما حدث بعدها مجرد دوائر تدور حول تلك الصدمة القديمة.
هنا تستطيع الخريطة المرئية أن تقول أشياء قد تحتاج الرواية التقليدية صفحات طويلة لكي تقولها.
يكفي أن ألاحظ، مثلًا، أن اسم امرأة يظهر في عشرات المواضع داخل ذاكرة رجل، بينما لا يظهر الرجل إلا مرة أو مرتين في خريطة ذاكرة المرأة، لكي أفهم اختلالًا عاطفيًا كاملًا من دون أن يخبرني الراوي بذلك.
وهذه في نظري إحدى أجمل إمكانات الأدب القائم على البيانات: الصمت نفسه يصبح معلومة.
غياب شخص عن خريطة الذكريات قد يكون أكثر دلالة من حضوره.
هل نتذكر الأحداث أم نتذكر النسخة التي صنعناها منها؟
تثير «آلة الذاكرة» بالنسبة إليَّ سؤالًا يتجاوز التقنية إلى فلسفة الوعي: هل توجد ذاكرة موضوعية أصلًا؟
لنتخيل حدثًا واحدًا عاشته ثلاث شخصيات.
قد يكون حفل زفاف، أو شجارًا عائليًا، أو حادثة سير، أو يومًا من أيام الحرب.
داخل آلة الذاكرة يستطيع القارئ أن يرى ثلاث خرائط مختلفة للحدث نفسه.
الشخصية الأولى تتذكر الموسيقى.
الثانية تتذكر رجلًا كان يبكي في زاوية القاعة.
الثالثة لا تتذكر سوى الباب الذي خرجت منه.
ما وقع تاريخيًا واحد، لكن ما بقي منه داخل الذاكرة ثلاثة أحداث مختلفة.
هنا يتحول تصوير البيانات إلى أداة لكشف نسبية الحقيقة. فكل ذاكرة تنتقي من الواقع ما يتناسب مع الخوف والرغبة والحب والكراهية والندم.
وقد تظهر أمام القارئ مناطق مشتركة بين ذاكرات الشخصيات، ومناطق أخرى متناقضة جذريًا.
عند هذه النقطة يصبح السؤال أكثر إثارة:
من الذي يمتلك الحقيقة؟
لا أحد بالضرورة.
وربما الجميع يمتلكون شظايا منها.
القارئ يدخل غرفة الذاكرة
أهم ما يثيرني في هذا النموذج السردي هو أن القارئ لا يبقى متلقيًا سلبيًا.
أتصوره يدخل إلى واجهة تحوي خريطة ضخمة من النقاط والخطوط. يضغط على نقطة، فتفتح ذكرى. يحرك المؤشر فوق منطقة معينة، فتظهر صور أو كلمات أو أصوات. يختار سنة بعينها فتتغير الخريطة. يحدد اسم شخصية أخرى فتنكشف العلاقات التي تربط ذكرياتهما.
إن القراءة هنا تصبح نوعًا من التنقيب الأركيولوجي داخل الوعي.
لا يمنحني الكاتب الطريق كاملة، بل يمنحني فضاءً أبحث داخله.
وقد أكتشف أنا، بوصفى قارئًا، علاقة لم تكتشفها الشخصية نفسها.
ربما تكشف الخريطة أن كل ذكريات الخوف لدى شخصية معينة مرتبطة بأماكن مغلقة. وربما ألاحظ أن ذكرى الأب تظهر دائمًا بجوار البحر. وربما تكشف مقارنة خرائط الشخصيات أن حدثًا مهمًا جدًا بالنسبة إلى إحداها محذوف بالكامل من ذاكرة الأخرى.
في هذه الحالة لا أكون قارئًا للأحداث فحسب، وإنما أصبح محللًا للذاكرة.
من الصفحة إلى لوحة البيانات
تفرض «آلة الذاكرة» أيضًا إعادة النظر في مفهوم الصفحة الأدبية.
فالصفحة داخل هذا العمل قد لا تكون بيضاء تحمل سطورًا سوداء، بل قد تصبح Dashboard سردية.
في الجانب الأيسر أجد الخط الزمني.
وفي الوسط شبكة الذكريات.
وفي زاوية أخرى مؤشرًا لشدة الانفعال.
وثمة رسم يوضح الشخصيات الأكثر حضورًا في ذاكرة البطل، وخريطة جغرافية تظهر الأماكن التي تستقر فيها ذكرياته.
لو استخدمنا هذه العناصر في تقرير اقتصادي فلن نسميها أدبًا، لكن تحويل البيانات إلى تجسيد لحياة متخيلة يجعل منها جزءًا من بناء الشخصية.
وهنا يقع التحول الجوهري.
البيانات لا تشرح النص.
البيانات تصبح النص.
الرسم البياني نفسه يمكن أن يكون استعارة.
والمنحنى يمكن أن يصبح جملة.
والفراغ بين نقطتين قد يمثل عشرين سنة من الصمت.
جماليات جديدة للغياب والنسيان
النقطة التي أراها أكثر شاعرية في مشروع من هذا النوع ليست الذاكرة، بل النسيان.
فكيف نمثل رقميًا شيئًا لم يعد موجودًا؟
يمكن تخيل الذكريات وهي تفقد ألوانها مع مرور الزمن، أو تتشوش حروفها، أو تنقطع الخطوط التي تربطها ببقية الأحداث.
قد يحاول القارئ فتح إحدى الذكريات فلا يحصل إلا على صورة ضبابية وصوت متقطع وكلمات ناقصة.
«كنتُ هناك مع...»
ثم فراغ.
هذا الفراغ نفسه يتحول إلى جزء من السرد.
ولعل التقنية، على الرغم من اتهامها الدائم بالبرودة، تستطيع هنا أن تقدم استعارات مؤثرة جدًا عن الشيخوخة وفقدان الذاكرة والزهايمر والصدمة النفسية.
تخيلوا شخصية تبدأ قصتها بخريطة غنية تضم آلاف الروابط، ثم تواصل القراءة فنشاهد هذه الشبكة وهي تتفكك تدريجيًا.
تختفي الأسماء.
ثم الأماكن.
ثم الوجوه.
ثم يبقى في الشاشة عدد قليل من النقاط.
ثم نقطة واحدة.
مثل هذا المشهد قد يكون أكثر إيلامًا من صفحات كاملة من الوصف.
الذاكرة بين الإنسان والخوارزمية
لكن «آلة الذاكرة» تفتح أيضًا بابًا أكثر إرباكًا: ماذا يحدث عندما تدخل الخوارزمية إلى هذا النظام؟
إذا كانت الذكريات ممثلة في شكل بيانات، فإن الذكاء الاصطناعي يستطيع تحليلها.
قد يخبر الشخصية:
أكثر شخص يظهر في ذكرياتك هو والدك.
ثمانون في المئة من ذكريات طفولتك مرتبطة بالخوف.
ذكرياتك عن المدينة تغيرت بعد عام معين.
أنت تستعيد حدثًا معينًا أكثر من أي حدث آخر.
وهنا تنشأ علاقة غريبة بين الإنسان والآلة.
الإنسان يتذكر.
والآلة تقرأ الطريقة التي يتذكر بها الإنسان.
وقد تعرف الخوارزمية عن بنية ذاكرته شيئًا لا يعرفه هو نفسه.
إننا نقترب بذلك من صورة جديدة للمرآة. لم تعد المرآة تعكس الوجه، بل تعكس التاريخ النفسي للفرد.
الأدب بوصفه مختبرًا للمعلومات
أرى في «آلة الذاكرة» نموذجًا لما يمكن أن يصبح عليه جزء من أدب المستقبل: أدب يجمع بين الروائي والمبرمج ومصمم الواجهات وباحث البيانات والفنان البصري.
فالكاتب لم يعد مطالبًا فقط بتخيل الشخصيات والأحداث، بل قد يصبح عليه أن يتساءل:
ما شكل ذاكرة بطلي؟
أي لون يمكن أن يأخذه الحنين؟
ما المسافة البصرية بين الحب والفقد؟
كيف أمثل علاقة شخص بوالدته في رسم شبكي؟
ما الذي يجب أن يحدث للخريطة عندما ينسى شخص اسمًا؟
هذه الأسئلة تكشف عن تحوّل جذري في أدوات التخيل الأدبي.
لقد ظل الأدب طويلًا يحول العالم إلى كلمات.
أما الأدب الرقمي فيمنح الكاتب إمكانية أن يحول العالم إلى كلمات وصور وأصوات وبيانات ومسارات وتفاعلات في آن واحد.
آلة لا تستعيد الماضي بل تعيد اختراعه
أصل في النهاية إلى المفارقة التي تجعل فكرة The Memory Machine جذابة بالنسبة إليَّ: الآلة تبدو ظاهريًا أداة لحفظ الذاكرة، لكنها تكشف في العمق استحالة حفظها.
كل تمثيل للذكرى هو تأويل لها.
وكل رسم بياني هو اختيار.
وكل تصنيف هو إعادة بناء.
وحين نضع الحياة داخل قاعدة بيانات فإننا لا ننقذها من النسيان تمامًا، بل ننتج نسخة أخرى منها.
لهذا لا أرى «آلة الذاكرة» مجرد تجربة تجمع الأدب بتصوير البيانات، وإنما أراها سؤالًا سرديًا وفلسفيًا عن الإنسان ذاته في العصر الرقمي.
فالإنسان الذي كان يقول ذات يوم: «أنا مجموع ما أتذكر» قد يجد نفسه قريبًا أمام شاشة تقول له شيئًا أكثر إرباكًا:
هذه هي الأشياء التي تتذكرها.
هذه هي الأشياء التي نسيتها.
وهذه هي الروابط التي لم تنتبه أبدًا إلى أنها كانت تصنع حياتك.
هناك، في المسافة الدقيقة بين الذاكرة البشرية والخريطة التي تصنعها الآلة، قد يولد واحد من أكثر أشكال السرد الرقمي إثارة: رواية لا نقرأ فيها الماضي فقط، بل نشاهده وهو يتحول أمام أعيننا إلى بيانات، ثم نشاهد البيانات وهي تعود مرة أخرى لتصبح ذاكرة.
بقلم: عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق