الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، سبتمبر 13، 2026

12 شتنبر: حين يبحث الجنوب عن قوته في التعاون لا في التبعية: عبده حقي


يشكل يوم الأمم المتحدة للتعاون فيما بين بلدان الجنوب، الذي يصادف الثاني عشر من شتنبر، أكثر من مجرد مناسبة أممية تضاف إلى روزنامة الأيام الدولية. فهو يعكس تحولًا تدريجيًا في مفهوم التنمية ذاته، وفي الطريقة التي تنظر بها دول إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية إلى قدراتها وإمكاناتها وإلى موقعها داخل النظام الدولي.

لقد اعتاد العالم لعقود طويلة على نموذج يقوم على ثنائية واضحة: شمال غني ينتج المعرفة والتكنولوجيا والتمويل، وجنوب فقير أو نامٍ يتلقى المساعدات والخبرات والوصفات الاقتصادية. لكن هذا النموذج بدأ يتغير. دول كثيرة في الجنوب أصبحت اليوم تنتج تجارب تنموية وتقنيات وخبرات يمكن لدول أخرى الاستفادة منها، سواء في الزراعة أو الطاقة المتجددة أو الرقمنة أو الصحة أو التعليم أو تدبير المياه أو مواجهة الكوارث والتغيرات المناخية.

ومن هنا تأتي أهمية التعاون جنوب–جنوب. فالمقصود به ليس إنشاء جبهة سياسية مضادة للشمال، ولا استبدال تبعية بأخرى، وإنما بناء فضاء يسمح للدول النامية بتبادل ما راكمته من تجارب وحلول وخبرات وفق حاجاتها الخاصة.

وفي سنة 2026 اكتسب هذا اليوم دلالة إضافية، بعدما اختارت الأمم المتحدة شعار «تضامن متصاعد: تحالف عالمي من أجل تنمية شاملة ومبتكرة». والشعار يعكس اقتناعًا متزايدًا بأن دول الجنوب لا تحتاج فقط إلى المزيد من التمويل، وإنما تحتاج أيضًا إلى ربط تجاربها بعضها ببعض، وتحويل الابتكارات المحلية الناجحة إلى حلول قابلة للتوسع والانتقال بين الدول.

وقد أصبحت دول الجنوب تتبادل الخبرة اليوم في مجالات شديدة الحيوية، من الطاقة النظيفة والزراعة المستدامة إلى الخدمات الرقمية والصحة العمومية والتخطيط الحضري ومواجهة الجفاف والفيضانات. وما يميز هذا النوع من التعاون أن الحلول غالبًا ما تكون قد وُلدت داخل بيئات اقتصادية واجتماعية مشابهة، ولذلك تكون قابلة للتكيف أكثر من بعض النماذج الجاهزة المستوردة من دول مختلفة جذريًا في بنياتها وإمكاناتها.

غير أن الحديث عن التعاون فيما بين بلدان الجنوب لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب احتفالي يخفي المشكلات الحقيقية. فدول الجنوب ما تزال تواجه اختلالات هائلة، من الديون والفقر والبطالة وضعف أنظمة التعليم والصحة إلى الفجوة الرقمية وأزمات المناخ والغذاء والطاقة. وتفيد معطيات الأمم المتحدة بأن البلدان النامية دفعت سنة 2024 نحو 921 مليار دولار لخدمة ديونها الخارجية، فيما يعيش مليارات الأشخاص في دول تنفق على فوائد الديون أكثر مما تنفقه على بعض الخدمات الاجتماعية الأساسية.

لهذا يصبح التعاون جنوب–جنوب ضرورة عملية، وليس مجرد شعار دبلوماسي.

إن دولة إفريقية تنجح في تطوير تجربة فعالة في الطاقة الشمسية يمكن أن تنقل خبرتها إلى دولة إفريقية أخرى. ودولة آسيوية تحقق تقدمًا في الرقمنة والخدمات الحكومية يمكن أن توفر نماذج تستفيد منها بلدان عربية أو لاتينية. وتجربة ناجحة في تدبير المياه في بلد يعاني الجفاف يمكن أن تتحول إلى معرفة مشتركة تخدم عشرات المجتمعات التي تواجه المشكلة نفسها.

وفي هذا السياق جاء إطلاق التحالف العالمي للتعاون فيما بين بلدان الجنوب والتعاون الثلاثي خلال احتفالات سنة 2026، باعتباره منصة تسعى إلى الربط بين الدول التي تبحث عن حلول وبين الجهات التي تمتلك الخبرة والتمويل والمعرفة الضرورية لتوسيع تلك الحلول. والغاية الأساسية هي الانتقال من تبادل التجارب في المؤتمرات إلى تحويلها إلى مشاريع عملية.

وأرى أن إفريقيا تحديدًا تحتاج إلى هذا النوع من التعاون أكثر من أي وقت مضى.

فالقارة ليست فقيرة في الموارد ولا في الطاقات البشرية، لكنها تعاني في كثير من الأحيان من ضعف التكامل بين بلدانها ومن محدودية تبادل الخبرات بينها. وقد نجد بلدين إفريقيين يواجهان المشكلة نفسها، لكن كل واحد منهما يبحث عن حل منفرد لدى مؤسسات أو دول بعيدة، بينما يمكن أن تكون الخبرة المناسبة موجودة داخل القارة نفسها.

وهنا يمكن للمغرب أن يؤدي دورًا مهمًا.

لقد راكم المغرب خلال العقود الأخيرة خبرات في عدة مجالات يمكن إدراجها داخل منطق التعاون جنوب–جنوب، وخصوصًا في إفريقيا، سواء في الطاقة المتجددة أو الزراعة والأسمدة أو الخدمات البنكية أو التكوين المهني أو البنيات التحتية أو التعاون الديني والثقافي والأمني. كما أن الحضور الاقتصادي والدبلوماسي المغربي المتزايد في عدد من الدول الإفريقية يتيح إمكانات واسعة لتحويل العلاقات الثنائية إلى شبكات أعمق لتبادل الخبرة والمعرفة.

لكن التعاون الحقيقي لا ينبغي أن يقوم على منطق الهيمنة أو البحث عن الأسواق فقط. إذا أردنا أن يكون مفهوم جنوب–جنوب مختلفًا عن أنماط العلاقات التقليدية، فيجب أن يقوم على المنفعة المتبادلة، وعلى نقل المعرفة، وعلى احترام خصوصيات الدول والمجتمعات.

ولا يمكن كذلك اختزال التنمية في بناء الطرق والموانئ والمناطق الصناعية. التنمية الحقيقية تعني الإنسان قبل كل شيء: مدرسة أفضل، مستشفى أكثر كفاءة، فرص عمل للشباب، ماء صالح للشرب، أمن غذائي، قدرة على مواجهة الكوارث، واقتصاد قادر على إنتاج المعرفة والقيمة المضافة.

لقد قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في رسالته بمناسبة يوم 2026 إن التعاون جنوب–جنوب أصبح قادرًا على تحويل الأفكار إلى استثمارات والطموحات إلى أفعال، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعفي الدول المتقدمة من مسؤولياتها في دعم التعاون شمال–جنوب وتقليص الفوارق العالمية.

وهذه نقطة أساسية.

فالتعاون بين دول الجنوب يجب ألا يتحول إلى ذريعة لتراجع الدول الغنية عن التزاماتها المناخية والتنموية والمالية. الجنوب يمكنه أن يتعاون مع نفسه، لكنه لا يستطيع وحده إصلاح نظام اقتصادي عالمي لا يزال يعاني اختلالات كبيرة في توزيع الثروة والتمويل والتكنولوجيا.

بالنسبة إليّ، القيمة الحقيقية ليوم 12 شتنبر تكمن في السؤال الذي يضعه أمامنا: هل ستظل دول الجنوب مجرد أسواق للمنتجات ومصادر للمواد الخام، أم ستتحول إلى منتجة للمعرفة والحلول والتكنولوجيا؟

إن مستقبل الجنوب لن تصنعه الخطب حول التضامن وحدها، بل ستصنعه الجامعات ومراكز البحث والمقاولات الناشئة والمصانع والمهندسون والمزارعون والأطباء والمبرمجون والمثقفون.

حين تصبح تجربة ناجحة في الرباط قابلة للاستفادة في داكار، وتجربة في نيروبي مفيدة للقاهرة، وابتكار في نيودلهي قادرًا على خدمة المجتمعات الإفريقية، وتجربة لاتينية في الزراعة المستدامة مصدر إلهام للبلدان العربية، عندها فقط يتحول مفهوم التعاون جنوب–جنوب من شعار أممي جميل إلى قوة حقيقية لإعادة تشكيل العالم.

ولهذا أرى أن 12 شتنبر ليس يومًا للاحتفال بالجنوب بقدر ما هو يوم لمساءلته أيضًا: ماذا صنع من موارده؟ ماذا فعل بعقول شبابه؟ وكم من المعرفة ينتج؟ وهل يستطيع أن يحول تضامنه السياسي إلى تعاون اقتصادي وعلمي وتكنولوجي حقيقي؟

إن الجنوب الذي يريد موقعًا جديدًا في العالم لا يكفيه أن يطالب بالعدالة الدولية. عليه أيضًا أن يبني أسباب القوة التي تجعل صوته مسموعًا.

والطريق يبدأ من فكرة بسيطة جدًا: أن نتعلم من بعضنا بعضًا، وأن نحول المعرفة المشتركة إلى تنمية مشتركة.

ويأتي احتفال 2026 في ظرف خاص؛ فقد أكدت الأمم المتحدة أن دول الجنوب العالمي تضم نحو 134 دولة وحوالي 80% من سكان العالم، فيما يراد للتحالف الجديد أن يجمع الحكومات والمؤسسات المالية والجامعات والمجتمع المدني والقطاع الخاص لتحويل الخبرات الناجحة إلى مشاريع قابلة للتوسع.



0 التعليقات: