الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، سبتمبر 13، 2026

مزاعم التعذيب داخل مراكز الاستخبارات الجزائرية: رواية خطيرة تحتاج إلى تحقيق مستقل: عبده حقي


أعاد ناشط جزائري معارض يُعرف باسم «أمير ديزاد» إلى الواجهة ملفًا شديد الحساسية يتعلق بادعاءات عن التعذيب والإهانة والانتهاكات الجنسية داخل بعض مراكز المخابرات الجزائرية، مستندًا إلى روايات قال إنها متداولة بين معتقلين سابقين وأشخاص على معرفة بما كان يجري داخل بعض المنشآت الأمنية.

وتحمل هذه الادعاءات درجة عالية من الخطورة، ليس فقط لأنها تتحدث عن تعذيب جسدي ونفسي، وإنما لأنها تتضمن أيضًا مزاعم عن ممارسات جنسية مهينة استُخدمت، بحسب رواية المتحدث، لكسر المعتقلين وإذلالهم.

غير أن خطورة هذه الشهادات تفرض في الوقت نفسه قدرًا كبيرًا من الحذر الصحفي، إذ لم يقدم المتحدث في المقطع المتداول وثائق مستقلة أو تقارير قضائية تثبت بصورة قاطعة جميع التفاصيل التي أوردها، ما يجعل التعامل معها بوصفها ادعاءات تحتاج إلى التحقيق والتوثيق، وليس باعتبارها حقائق محسومة.

يركز أمير ديزاد في حديثه على منشأة أمنية أشار إليها باسم «مركز عبلة»، ويزعم أنها شهدت في مراحل سابقة أشكالًا مختلفة من التعذيب.

وبحسب روايته، كانت بعض الممرات تحمل آثارًا تدل على استخدام العنف ضد المعتقلين، كما تحدث عن أساليب إذلال وصفها بأنها شديدة القسوة.

وتذهب الرواية إلى ما هو أبعد من الضرب أو التعذيب التقليدي، إذ يطرح المتحدث مزاعم صادمة عن استخدام الاعتداء الجنسي وسيلة لإهانة بعض المحتجزين.

وهذه تحديدًا هي النقطة الأكثر خطورة في الشهادة، لأنها تتطلب، من المنظور الصحفي والحقوقي، أكثر من رواية فردية: شهادات متطابقة، ووثائق طبية أو قضائية، وإفادات ضحايا، وتحقيقًا مستقلًا قادرًا على التحقق من المسؤوليات.

يربط صاحب الرواية جزءًا من هذه الانتهاكات بمرحلة التسعينيات، وهي الفترة التي عرفت فيها الجزائر صراعًا دمويًا داخليًا خلف جروحًا سياسية واجتماعية عميقة.

وما تزال تلك المرحلة موضوعًا شديد الحساسية في الذاكرة الجزائرية، بسبب ما رافقها من أعمال عنف واختفاءات واتهامات متبادلة بارتكاب تجاوزات خطيرة.

ويشير المتحدث إلى أن بعض آليات القمع التي تبلورت في تلك المرحلة لم تختفِ كليًا بعد انتهائها، بل يرى أنها استمرت بأشكال مختلفة داخل المنظومة الأمنية.

غير أن إثبات استمرار نمط محدد من الانتهاكات يتطلب تحقيقات أكثر اتساعًا من الشهادات المنشورة عبر منصات التواصل الاجتماعي.

لا يكتفي أمير ديزاد بالحديث عن الانتهاكات المزعومة داخل مراكز الاحتجاز، بل ينتقل إلى اتهام المؤسسة الأمنية بالتأثير العميق في الحياة السياسية الجزائرية.

ويقدم صورة للجزائر باعتبارها بلدًا يملك إمكانات بشرية واقتصادية هائلة، لكنه، بحسب تعبيره، «عملاق مقيّد».

والمقصود بهذا الوصف أن إمكانات الدولة لا تتحول، وفق رؤيته، إلى تطور سياسي واجتماعي بالمستوى المتوقع، بسبب هيمنة البنية الأمنية على مساحات واسعة من صناعة القرار.

ويذهب المتحدث إلى تحميل هذه البنية مسؤولية ما يعتبره اعتقالات سياسية وتلفيقًا لبعض الملفات القضائية وتضييقًا على معارضين ونشطاء.

ومن بين أبرز النقاط السياسية التي أثارها الخطاب اتهام أجهزة الدولة الجزائرية باستخدام الخصومة مع المغرب وسيلة لصرف الأنظار عن المشكلات الداخلية.

ويرى صاحب الرواية أن العلاقات المتوترة بين الجزائر والمغرب يجري توظيفها أحيانًا لتغذية الشعور بالخطر الخارجي وإعادة توجيه غضب المواطنين.

هذه الرؤية تعكس موقفًا سياسيًا واضحًا للمتحدث، ولا يمكن اعتبارها تفسيرًا وحيدًا لأسباب التوتر المغربي الجزائري، الذي يرتبط بملفات تاريخية وإقليمية ودبلوماسية معقدة، في مقدمتها نزاع الصحراء والعلاقات الثنائية والأمن الإقليمي.

لكن السؤال الذي تطرحه مثل هذه الخطابات يظل مشروعًا: إلى أي حد تستخدم الأنظمة السياسية التوترات الخارجية لتقوية الجبهة الداخلية أو صرف الانتباه عن أزماتها الاجتماعية والسياسية؟

يتحدث صاحب البث أيضًا عن المتابعات القضائية التي واجهها أمير ديزاد في فرنسا، مقدمًا إياها باعتبارها دليلًا على حساسية الملفات التي ينشرها.

ويشير إلى مثوله المتكرر أمام القضاء وإلى خضوعه لإجراءات قضائية، معتبرًا أن اهتمام السلطات الجزائرية بملاحقته يعود إلى طبيعة المعلومات والاتهامات التي يبثها.

لكن وجود إجراءات قضائية في حد ذاته لا يثبت صحة الادعاءات التي ينشرها أي ناشط، تمامًا كما أن توجيه اتهامات إليه لا يعني تلقائيًا بطلان كل ما يقوله. وبين الأمرين مساحة واسعة يجب أن تملأها الوثائق والتحقيقات المستقلة.

القضية الأساسية التي يثيرها هذا النوع من الشهادات تتجاوز الصراع بين السلطة ومعارضيها.

فإذا وُجدت ادعاءات جدية عن تعذيب أو اعتداءات جنسية داخل مراكز احتجاز، فإنها ينبغي ألا تتحول إلى مجرد مادة للاستقطاب السياسي أو لجلب المشاهدات على شبكات التواصل الاجتماعي.

الطريق الطبيعي هو التوثيق، والاستماع إلى الضحايا والشهود، والاحتفاظ بالسجلات الطبية، وتحديد المسؤولين المفترضين، وإتاحة الفرصة للجهات المتهمة للرد، ثم إخضاع الملف لتحقيق قضائي أو حقوقي مستقل.

أما تداول أكثر الروايات خطورة من دون توثيق، فيحمل خطرين متعاكسين: الأول أن تُستخدم اتهامات غير مثبتة في التشهير السياسي، والثاني أن تضيع شهادات حقيقية ومؤلمة وسط المبالغات والمعارك الإعلامية.

يبقى السؤال المركزي مفتوحًا: ما الذي حدث فعلًا داخل مراكز الاحتجاز التي يشير إليها المتحدث؟

الإجابة الجادة لا يمكن أن تصدر عن طرف سياسي واحد ولا عن بث مباشر مهما كان عدد مشاهديه.

ما تحتاج إليه هذه القضية هو الوصول إلى سجلات الاعتقال، والاستماع إلى معتقلين سابقين، ومقارنة شهاداتهم، وفحص أي تقارير طبية أو شكاوى قضائية أو وثائق حقوقية متاحة.

وفي الملفات المتعلقة بالتعذيب، لا تكفي الصدمة الأخلاقية ولا الخطابات السياسية. الحقيقة تحتاج إلى أدلة.

وفي المقابل، فإن غياب التحقيق لا ينبغي أن يتحول بدوره إلى وسيلة لإسكات الضحايا المحتملين أو دفن شهاداتهم.

لهذا فإن أكثر المواقف مسؤولية ليس التصديق المطلق ولا النفي المطلق، وإنما المطالبة بتحقيق مستقل وشفاف.

فالانتهاك، إذا ثبت، لا يصبح أقل خطورة لأن مرتكبه جهاز دولة، والاتهام لا يصبح حقيقة لمجرد أنه صيغ بلغة صادمة.

بين الرواية والبرهان توجد المسافة التي ينبغي أن تعمل فيها الصحافة الجادة والقضاء المستقل ومنظمات حقوق الإنسان.

وإذا كانت الشهادات المتداولة صحيحة، فنحن أمام ملف يستحق المساءلة القانونية والتاريخية. وإذا كانت أجزاء منها غير دقيقة أو مبالغًا فيها، فإن التحقيق نفسه هو الطريق الوحيد للفصل بين الوقائع والدعاية.

في النهاية، القضية ليست صراعًا بين معارض ونظام بقدر ما هي سؤال عن حق الإنسان، أيًّا كان موقفه السياسي، في ألا يتحول جسده وكرامته إلى وسيلة للعقاب والإذلال داخل أي مركز احتجاز.


0 التعليقات: