الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، سبتمبر 13، 2026

المغرب في أسبوع: انتخابات على الأبواب وأسئلة المجتمع أقوى من ضجيج الوعود: عبده قي


أتابع الصحف والمواقع الإخبارية المغربية في الأيام الأخيرة فأشعر أن البلاد دخلت أسبوعاً مختلفاً عن الأسابيع العادية. لم تكن الأخبار تتحرك منفصلة، كل واحدة في جزيرتها الخاصة، بل كانت تتقاطع جميعها تقريباً عند سؤال واحد: أي مغرب نريد بعد الانتخابات المقبلة؟ السياسة تتقدم إلى الواجهة، الأحزاب ترفع سقف الوعود، الحكومة تعرض حصيلتها وأرقامها، المواطن يحسب ما بقي في جيبه، والمقاولة تفكر في قدرتها على البقاء، بينما تستمر أوراش الصحة والصناعة والطاقة والرياضة والثقافة في رسم وجه آخر للمملكة، وجه يريد أن يبرهن أن المغرب لا ينتظر الانتخابات حتى يتحرك.

بالنسبة إليّ، كان الحدث السياسي الأبرز هو البداية الرسمية للحملة الانتخابية للانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر. ابتداء من منتصف ليلة 10 شتنبر صار المغرب فعلياً داخل سوق انتخابية مفتوحة: تجمعات، جولات، خطب، صور، شعارات، برامج ووعود، وسباق على 395 مقعداً في مجلس النواب. لكن السؤال الذي يلح عليّ ليس من سيتصدر فقط، وإنما ماذا تغير في مضمون الخطاب السياسي المغربي؟ وهل نحن أمام تنافس حقيقي حول نماذج المجتمع والاقتصاد، أم أمام منافسة في الأرقام الكبيرة والوعود الجذابة؟

ما شد انتباهي في هذا السياق هو أن برامج الأحزاب أصبحت أكثر جرأة في استعمال لغة الحساب. ملايين فرص الشغل، نسب نمو مرتفعة، رفع الأجور، زيادات في المعاشات، تخفيض الضرائب، دعم المقاولات، توسيع الحماية الاجتماعية وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية. لقد أصبحت السياسة الانتخابية المغربية تتحدث بلغة الأرقام كما لم تكن تفعل سابقاً، وهذا تطور إيجابي من حيث المبدأ، لأنه يسمح للمواطن بأن يسأل لاحقاً: ماذا أنجزتم مما وعدتم به؟

لكن الأرقام قد تكون أيضاً فخاً انتخابياً إذا لم تقترن بشرح واضح لمصادر تمويلها. وأنا عندما أقرأ وعداً برفع الحد الأدنى للأجر أو زيادة الأجور والمعاشات أو خلق مئات الآلاف من الوظائف لا أرفض الحلم الاجتماعي، بل أسأل ببساطة: من أين ستأتي الأموال؟ ما حجم الكلفة؟ وماذا سيحدث للميزانية وللمقاولات الصغيرة والمتوسطة؟ وهل تستطيع الدولة في الوقت نفسه تمويل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والبنية التحتية والماء والتحول الطاقي ومونديال 2030؟

هذا السؤال ازداد وضوحاً خلال الأسبوع بعدما تحول موضوع الأجر إلى إحدى ساحات التنافس الحزبي. الأرقام المتداولة حول رفع الحد الأدنى للأجر إلى مستويات جديدة أصبحت مادة سياسية بامتياز. البعض يقدمها باعتبارها خطوة اجتماعية ضرورية، والبعض الآخر يعتبرها مزاداً انتخابياً، فيما دخلت أحزاب أخرى السوق بمقترحات لرفع الأجور والمعاشات بنسب مهمة. بالنسبة إليّ، القضية لا تختزل في رقم 5000 درهم أو غيره، وإنما في السؤال الأكبر: هل نريد تحسين دخل الأجير عبر قرار فوقي فقط أم من خلال اقتصاد ينتج قيمة أكبر تسمح فعلاً برفع الأجور بصورة مستدامة؟

وبينما كانت الأحزاب تتسابق في الداخل، اختار رئيس الحكومة عزيز أخنوش أن يقدم في باريس أمام منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية صورة عن المغرب الذي تحقق خلال السنوات الأخيرة. الأرقام التي عرضها رسمت مشهداً إيجابياً: نمو بلغ 4,9 في المائة سنة 2025، واستثمارات تمت الموافقة عليها بمئات مليارات الدراهم، وتدفقات قياسية للاستثمارات الأجنبية المباشرة، واتساع الحماية الاجتماعية، إلى جانب توسع مدارس الريادة وإصلاح المؤسسات الصحية.

أقرأ هذه الأرقام باعتبارها وجهاً حقيقياً من وجوه المغرب، لكنني لا أرى فيها الصورة كاملة. فنجاح الاقتصاد لا يقاس فقط بما يقوله الناتج الداخلي الإجمالي أو الاستثمار الأجنبي، وإنما بما يشعر به المواطن في السوق والمستشفى والمدرسة والحافلة والراتب الشهري. وهذه المسافة بين المؤشر الاقتصادي والإحساس الاجتماعي هي في نظري واحدة من أكبر تحديات السياسة المغربية المقبلة. قد تحقق الدولة نمواً جيداً، لكن المواطن الذي يدفع ثمن الكراء والغذاء والنقل والدواء لا يسأل أولاً عن نسبة النمو، بل يسأل ماذا أضاف هذا النمو إلى حياته.

الصحة كانت بدورها حاضرة بقوة في أخبار الأسبوع. دخول خمسة عشر مرفقاً للرعاية الصحية الأولية حيز الخدمة في ست جهات، بعد إعادة تأهيلها وتجهيزها، خطوة لا يمكن التقليل من أهميتها، خصوصاً أنها تستهدف تقريب العلاج من مئات الآلاف من السكان. هذه الأخبار بالنسبة إليّ أكثر أهمية من كثير من الخطب السياسية، لأن المواطن عندما يجد طبيباً أو ممرضاً أو مركزاً صحياً قريباً منه يشعر مباشرة بوجود الدولة.

لكنني أظل مقتنعاً بأن إصلاح الصحة ليس إسمنتاً وتجهيزات فقط. يمكن أن نبني مركزاً صحياً جميلاً، لكن إذا غاب الطبيب أو الدواء أو موعد الفحص أو حسن الاستقبال بقي البناء نصف إصلاح. الرهان الحقيقي هو الموارد البشرية والحكامة والاستمرارية وجودة الخدمة. لذلك أقرأ افتتاح المراكز الجديدة كخطوة في الاتجاه الصحيح، لكنني أنتظر دائماً السؤال الأصعب: ماذا سيجد المواطن داخل هذه الجدران بعد ستة أشهر أو سنة؟

وفي الاتجاه نفسه، عاد مجلس الحكومة إلى الاجتماع يوم 10 شتنبر، وهو اليوم نفسه الذي انطلقت فيه الحملة الانتخابية، وصادق على نصوص تتعلق بدعم السكن والتعليم العالي والمناطق الصناعية، إلى جانب ملفات قانونية أخرى. وأرى في هذا التزامن مفارقة مهمة: المغرب الانتخابي كان يرفع الشعارات خارج المؤسسات، بينما المغرب الإداري كان يواصل الاشتغال داخلها.

ملف دعم السكن يستحق المتابعة بصورة خاصة، لأن المسكن بالنسبة إلى ملايين الأسر ليس مجرد عقار، بل هو أحد أكبر أحلام الطبقة الوسطى والفئات الشابة. وكل تعديل يوسع الاستفادة أو يسهل الإجراءات يمكن أن تكون له آثار اجتماعية مهمة، شريطة ألا يذهب الدعم بصورة غير مباشرة إلى المضاربين أو يتحول إلى فرصة لرفع الأسعار. الدولة عندما تدعم المواطن لشراء بيت يجب أن تضمن أيضاً ألا يلتهم السوق هذا الدعم من الجهة الأخرى.

ومن الأخبار الاقتصادية التي استوقفتني مشروع مصنع للوقود الاصطناعي في إقليم طانطان، بعد توقيع مذكرة تفاهم بين الحكومة المغربية ومجموعة سويسرية متخصصة، مع حديث عن قدرة إنتاجية مستهدفة تصل إلى مئة ألف طن سنوياً. هذا النوع من المشاريع يجعلني أنظر إلى الجنوب المغربي بطريقة مختلفة: ليس باعتباره مجالاً ينتظر التنمية فقط، بل باعتباره فضاءً يمكن أن يصبح جزءاً من الصناعات الطاقية الجديدة.

إذا نجح المغرب في الانتقال من تصدير الطاقة النظيفة إلى تصنيع الوقود الأخضر والتكنولوجيات المرتبطة به، فسوف تتغير طبيعة الاقتصاد الوطني. الرهان هنا ليس على بيع الشمس والرياح فحسب، بل على تحويلهما إلى صناعة ومعرفة ووظائف وسلاسل إنتاج محلية. وهذا هو الاختبار الحقيقي لكل مشروع استثماري كبير: كم وظيفة سيخلق؟ كم مهندساً وتقنياً مغربياً سيكوّن؟ وما نسبة القيمة التي ستبقى داخل الاقتصاد الوطني؟

ومن السياسة والاقتصاد انتقلت الصحافة أيضاً إلى أزمة مهنية وقضائية مهمة، بعد إعلان هيئات المحامين استمرار الإضراب الوطني احتجاجاً على مشروع إصلاح المهنة. الإضراب امتد لأسابيع طويلة، وأصبح يتجاوز كونه خلافاً تقنياً بين الوزارة والمحامين، لأنه يمس بصورة مباشرة عمل المحاكم ومصالح المتقاضين.

أنا لا أتعامل مع هذا الملف بمنطق تحديد منتصر ومهزوم. استقلال مهنة المحاماة ضرورة من ضرورات العدالة، لكن استمرار توقف الخدمات المهنية يضع المواطن أيضاً أمام كلفة ثقيلة. لذلك أرى أن المشكلة الحقيقية ليست في وجود الخلاف، بل في عجز الحوار عن إنتاج صيغة مقبولة طوال هذه المدة. العدالة لا تتحمل صراعات طويلة، لأن الزمن القضائي بالنسبة إلى المواطن قد يعني حريته أو رزقه أو أسرته أو ممتلكاته.

حتى الطقس تحول خلال الأسبوع إلى خبر وطني. موجات الحرارة القوية عادت في شتنبر، بالتزامن مع زخات رعدية ورياح قوية في مناطق مختلفة. درجات حرارة تجاوزت في بعض المناطق الأربعين درجة، وهو أمر يجعلني أقرأ النشرات الجوية اليوم باعتبارها أخباراً اقتصادية واجتماعية أيضاً. الحرارة لم تعد مجرد موضوع نتحدث عنه في المصعد أو المقهى؛ إنها تؤثر في الماء والفلاحة والكهرباء والصحة والإنتاج.

المغرب يعيش في الصف الأمامي للمواجهة مع التحول المناخي، ولذلك أصبح على السياسة العمومية أن تتعامل مع الماء والحرارة والجفاف كقضايا أمن وطني بعيدة المدى. ليس معقولاً أن نستمر في اعتبار كل موجة حر حدثاً استثنائياً إذا كانت الاستثناءات نفسها تتكرر كل عام. المطلوب أن تتغير المدن والفلاحة والبناء والنقل والاستهلاك وفق واقع مناخي جديد.

وفي الرياضة، واصل المغرب العيش على إيقاع حلم 2030. تصريح فوزي لقجع بأن ملعب الحسن الثاني ببنسليمان سيحتضن نهائي كأس العالم أعاد قضية المونديال إلى قلب النقاش. المشروع بالنسبة إليّ ليس مجرد مباراة نهائية، بل اختبار لقدرة المغرب على تحويل المناسبة الرياضية إلى قاطرة تحديث حقيقية.

لا أريد مونديالاً ينتهي بانطفاء الأضواء، بل أريده أن يترك قطارات أفضل، وطرقا أفضل، ومطارات أكثر كفاءة، ومدنا أنظف، ونقلاً حضرياً أكثر إنسانية وفرص عمل مستدامة. إذا فعلنا ذلك سيكون المغرب قد ربح المونديال قبل أن تنطلق المباراة الأولى. أما إذا تحولت البطولة إلى ملاعب جميلة وسط خدمات يومية متعثرة، فسوف نكون قد فهمنا الحدث بطريقة ناقصة.

كما حمل الأسبوع خبراً رياضياً له رمزيته، مع حضور أشرف حكيمي في قائمة المرشحين للكرة الذهبية، وهو حضور يؤكد أن كرة القدم المغربية لم تعد تعيش فقط على لحظة مونديال قطر، بل بدأت تنتج حضوراً دولياً متواصلاً. حكيمي هنا ليس فرداً فقط، بل صورة لجيل مغربي جديد يريد أن يوجد في قمة المنافسة العالمية.

ثقافياً، بقي المغرب بدوره نابضاً. الرباط احتضنت مهرجان الفادو في دورته الجديدة، بينما كانت الدار البيضاء تستعد لدورة أخرى من مهرجان «البولفار»، إحدى أهم منصات الموسيقى الحضرية والثقافات الشبابية. كما لفتت تظاهرات سينمائية محلية الانتباه إلى إمكانية أن تصبح الثقافة أداة لإنعاش المناطق وإعادة تقديمها سياحياً واقتصادياً.

وأنا أرى في هذه الأحداث الثقافية شيئاً يتجاوز الترفيه. المغرب الذي يستثمر في الطرق والمصانع والموانئ يحتاج بالقدر نفسه إلى الاستثمار في خيال شبابه. الثقافة ليست زينة فوق جسد التنمية، بل جزء من التنمية نفسها. الموسيقى والمسرح والسينما والكتاب قادرة أيضاً على خلق الوظائف وجلب السياح وبناء صورة البلد في الخارج.

وعندما أجمع أحداث هذا الأسبوع في صورة واحدة أجد أمامي مغرباً يتحرك بسرعة لكنه يعيش توترات الانتقال. دولة تريد أن تكون قوة اقتصادية إقليمية، ومجتمع يريد أن يشعر بنتائج هذا الطموح في حياته اليومية. أحزاب تعد بالكثير، ومواطن أصبح أكثر قدرة على مقارنة الكلام بالواقع. مشاريع كبرى للمونديال والطاقة والصناعة، يقابلها إصرار يومي على تحسين الصحة والتعليم والأجور والعدالة.

أرى كذلك مفارقة سياسية لافتة: كلما اقترب موعد الانتخابات يتذكر الجميع فجأة المواطن بتفاصيل حياته الدقيقة. يصبح الأجير مركز الاهتمام، والمتقاعد أولوية، والشاب مشروعاً، والمقاولة الصغيرة ركيزة، والقرية قلباً للوطن. أتمنى فقط أن يستمر هذا الشغف بالمواطن بعد إغلاق صناديق الاقتراع.

الانتخابات التي يتهيأ لها المغرب لن تكون بالنسبة إليّ مجرد منافسة على عدد المقاعد. إنها اختبار جديد للثقة. الناخب المغربي تغيّر، ووسائل التواصل جعلت الذاكرة السياسية أطول مما كانت عليه. الخطاب الذي يقال اليوم يمكن استعادته بعد سنوات بثوانٍ. والوعد الذي يعلن في مهرجان انتخابي قد يعود لاحقاً كوثيقة اتهام سياسية.

لذلك فإن أهم ما خرجت به من قراءتي للصحافة المغربية هذا الأسبوع هو أن البلاد لا تفتقر إلى المشاريع ولا إلى الطموح ولا إلى الأرقام الكبيرة. ما تحتاجه أكثر هو تقليص المسافة بين الإعلان والإنجاز، وبين الاقتصاد الكلي والحياة الصغيرة للناس، وبين المغرب الذي يظهر في المؤشرات الدولية والمغرب الذي يستيقظ فيه المواطن كل صباح.

هذا هو المغرب الذي رأيته في صحافة الأسبوع: بلد في قلب حملة انتخابية صاخبة، لكنه أكبر بكثير من الانتخابات؛ بلد يبني المستشفيات والمصانع والملاعب ويبحث عن طاقة المستقبل، فيما يطالب مواطنوه بشيء بسيط وصعب في الوقت نفسه: أن يصبح التقدم الذي يسمعون عنه تقدماً يمكنهم أن يلمسوه بأيديهم في حياتهم اليومية.



0 التعليقات: