الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، سبتمبر 13، 2026

من التصميم إلى محمود درويش: أجندة ثقافية حافلة في معهد العالم العربي بباريس: عبده حقي


يبدو برنامج معهد العالم العربي في باريس خلال شتنبر 2026 أقرب إلى خريطة مكثفة للتحولات التي يعرفها العالم العربي نفسه: ذاكرة استعمارية لم تغلق ملفاتها بعد، تصميم عربي جديد يحاول الانفصال عن الصورة الفولكلورية، فلسطين تستعيد حضورها من خلال الصورة والشعر والسينما، الموسيقى المغاربية تعيد تركيب التراث، ليبيا تعود عبر آثارها المهددة، الجزائر تظهر في تقاطع الفن والذاكرة والتاريخ، فيما تتجه السينما والأدب والنشر إلى مساءلة الهوية والهجرة والمنفى والحداثة.

الأجندة الرسمية للمعهد تعكس حجم هذه الكثافة؛ فالمؤسسة تشير إلى تنظيم نحو 1500 حدث ونشاط ثقافي سنوياً بين المعارض والحفلات والسينما والندوات واللقاءات والأدب. وما يميز برنامج شتنبر الجاري أن فعالياته لا تتحرك كجزر منفصلة، بل تتقاطع موضوعياً حول أسئلة الذاكرة والهوية والتراث والتحولات الاجتماعية في العالم العربي. 

التصميم العربي يخرج من الزخرفة إلى أسئلة المجتمع والبيئة

يتصدر معرض جائزة التصميم لمعهد العالم العربي 2026 جزءاً مهماً من برنامج هذه الأيام، إذ يستمر من 10 إلى 20 شتنبر. ويعرض أعمال المصممين المتأهلين للدورة الرابعة من الجائزة ضمن خمس فئات، تشمل المواهب الصاعدة، والحرف المعاصرة، وجائزة الأثر، والجائزة الكبرى، إضافة إلى جائزة الجمهور التي استحدثت في هذه الدورة. 

الأهم في هذه الجائزة أنها تحاول تغيير النظرة إلى التصميم العربي. فبدلاً من اختزاله في الزخارف الهندسية والخط العربي والرموز التراثية، تركز الجائزة على علاقة التصميم بالمشكلات الحقيقية للمجتمع: البيئة والاستدامة والإنتاج المحلي والتعليم والحفاظ على المناطق المهددة وخلق فرص العمل وتطوير مواد منخفضة الانبعاثات الكربونية.

إنها نقلة مهمة في الخطاب الثقافي العربي؛ فالتصميم هنا لا يعود مجرد ترف جمالي، بل يتحول إلى ممارسة اجتماعية واقتصادية وبيئية.

ويعزز المعهد هذه الفكرة من خلال لقاء بعنوان «العروبة والتصميم المعاصر» يوم 13 شتنبر، يطرح سؤالاً بالغ الحساسية: كيف يمكن ترجمة الهوية العربية إلى تصميم معاصر بعيداً عن النظرة الاستشراقية والصور الجاهزة؟

اللقاء ينطلق من أن «العروبة» ليست هوية جامدة، وإنما فضاء متعدد يمتد بين المغرب والمشرق والخليج، ويتقاطع فيه المحلي بالعالمي والحرفة بالتكنولوجيا والتراث بالحداثة. 

وهذا السؤال يتجاوز التصميم بكثير. إنه السؤال نفسه الذي يواجه الرواية والسينما والموسيقى والفنون التشكيلية العربية: كيف يمكن أن نكون معاصرين من دون أن نصبح نسخاً من الآخرين؟ وكيف نستفيد من التراث من دون تحويله إلى قفص؟

العلا: الصحراء تتحول إلى مختبر للتصميم المستدام

بالتوازي مع جائزة التصميم، يحتضن المعهد بين 10 و20 شتنبر معرض «العلا، تصميم أرض حية»، وهو مشروع يطرح الصحراء السعودية باعتبارها مختبراً معاصراً للتصميم والعمارة والحرف.

المعرض ينطلق من أسئلة عملية: كيف يمكن البناء في بيئة صحراوية من دون الإضرار بخصائصها؟ كيف يصنع التصميم الراحة والجمال ويحترم في الوقت نفسه هشاشة النظام البيئي؟ وكيف يمكن للمشروع المعماري أو التصميمي أن ينتمي فعلاً إلى المكان الذي نشأ فيه؟ 

ومنذ سنة 2021، تستضيف العلا سنوياً فنانين ومصممين في إقامات بحثية وتجريبية تمتد ثلاثة أشهر، قبل الانتقال إلى مرحلة الإنتاج. ويستفيد المشاركون من الحرف التقليدية والمواد المحلية وطبيعة المكان وتاريخه.

وتقدم المعروضات نماذج تجمع خشب النخيل والطين والجلد والتطريز والخزف والمواد الحيوية الجديدة. بعض القطع تحاول تحويل النخلة من مجرد عنصر طبيعي إلى مادة تصميمية قابلة لإعادة الاستخدام، فيما تستعيد أعمال أخرى تضاريس الصحراء وتكويناتها الجيولوجية داخل أثاث وأغراض معاصرة. 

وتبرز هنا دلالة ثقافية مهمة: التراث العربي لم يعد يُعرض باعتباره شيئاً «انتهى»، وإنما باعتباره معرفة قابلة للتحويل إلى صناعة معاصرة.

ليبيا: الآثار تقاوم النسيان والتهريب

يستمر حتى 20 أكتوبر معرض «ليبيا، تراث مكشوف»، وهو من أهم المعارض القائمة حالياً في متحف معهد العالم العربي.

يستند المعرض إلى الصور والفيديوهات لتوثيق ما يقارب نصف قرن من عمل البعثة الأثرية الفرنسية في ليبيا بالتعاون مع السلطات الليبية. ويغطي مواقع وفترات تاريخية شديدة التنوع، من عصور ما قبل التاريخ إلى الحقبة الإسلامية، مروراً بالحضارات الفينيقية واليونانية والرومانية. 

وتشمل المواقع التي يبرزها المعرض لبدة الكبرى وأبولونيا وبو نجيم وسرت ومناطق من برقة والصحراء الليبية، إضافة إلى عمليات التنقيب تحت الماء في الموانئ القديمة.

لكن المعرض لا يقدم ليبيا بوصفها مخزناً للآثار فقط. إنه يثير أيضاً قضية شديدة الخطورة هي تهريب الممتلكات الأثرية، الذي تفاقم منذ 2011 نتيجة الاضطرابات السياسية والطلب الدولي على القطع القديمة. 

وهكذا يصبح التراث جزءاً من النقاش السياسي نفسه: عندما تضعف الدولة لا تصبح حياة الناس فقط معرضة للخطر، بل ذاكرتهم أيضاً.

الجزائر وفانون: الفن يدخل مستشفى الأمراض النفسية

ومن بين المعارض الأكثر خصوصية في المعهد معرض «محاولة العلاج بالفن: في مستشفى البليدة-جوانفيل للأمراض النفسية خلال الستينيات»، المستمر حتى 3 يناير 2027.

يرتكز المعرض على أرشيف وأعمال خزفية ورسومات منفذة بالغواش أنجزها مرضى مستشفى البليدة في نهاية ستينيات القرن الماضي ضمن ورش للعلاج الاجتماعي. 

ويحضر اسم المفكر والطبيب فرانز فانون بقوة في خلفية المعرض. فقد عمل فانون رئيساً لقسم في مستشفى البليدة بين 1953 و1956، وحاول كسر النموذج الاستعماري للطب النفسي من خلال الانتباه إلى البيئة الثقافية والاجتماعية للمرضى وإدخال أنشطة يدوية وموسيقية ورياضية تساعدهم على التعبير وإعادة الاندماج. 

الأعمال المعروضة ليست مهمة من الناحية الفنية فقط، بل لأنها تعيد إلى أصحابها إنسانيتهم بعد أن كانوا يُختزلون في وصف «مرضى نفسيين». الرسم يصبح هنا وثيقة ذاتية وصوتاً لمن لم يكن يُسمح لهم بالكلام.

وبهذا يفتح المعرض نقاشاً يتجاوز الطب والفن إلى سؤال استعماري أعمق: من يملك حق تعريف «السوي» و«المريض»؟ وكيف يمكن للمؤسسة الطبية أن تتحول من أداة ضبط إلى فضاء للإنصات؟

«الجزء الجزائري من فرنسا»: التاريخ الذي لم ينته

في 15 شتنبر يستضيف المعهد الكاتب والدبلوماسي الفرنسي الجزائري كريم أملال لتقديم كتابه La part algérienne de la France – Contribution au récit national.

الكتاب يعيد قراءة العلاقة التاريخية بين فرنسا والجزائر من خلال تقاطع التاريخ والسياسة والذاكرة الشخصية، ويتناول الصور النمطية المرتبطة بالجزائر داخل المجتمع الفرنسي، وعلاقتها بالهجرة والهوية والذاكرة والسرد الوطني الفرنسي.

اللقاء مهم لأنه يأتي في سياق ما تزال فيه العلاقة الفرنسية الجزائرية محكومة إلى حد كبير بذاكرة استعمارية لم تحسم بعد.

إن الحديث عن «الجزء الجزائري من فرنسا» يحمل في ذاته تحدياً لفكرة التاريخ الفرنسي الخالص والمنغلق. فملايين الفرنسيين مرتبطون بالجزائر عبر الهجرة أو الاستعمار أو الحرب أو الذاكرة الأسرية، وبالتالي يصعب كتابة التاريخ الفرنسي الحديث من دون هذه الصفحة.

ومن هنا لا يعود النقاش حول الجزائر شأناً دبلوماسياً خارجياً فقط، بل جزءاً من سؤال الهوية الفرنسية نفسها.

دعم البحث العلمي: جوائز للشباب الباحثين في العالم العربي والإسلامي

يوم 16 شتنبر، يحتضن المعهد حفل تسليم جوائز أطروحات IMOMM وMichel Seurat لسنة 2026.

وتهدف الجوائز إلى تكريم الباحثين الشباب الذين تقدم أعمالهم معرفة جديدة بمجتمعات وثقافات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. كما يستهدف «جائزة ميشيل سورا» الباحثين المنتمين إلى دول أوروبية أو بلدان المشرق والمغرب، في محاولة لدعم المعرفة المتبادلة بين فرنسا والعالم العربي. 

أهمية مثل هذه المبادرات تكمن في أنها تعيد الثقافة إلى علاقتها بالبحث العلمي. ففهم المجتمعات العربية لا يمكن أن يعتمد فقط على التحليلات الإعلامية السريعة؛ هناك حاجة إلى التاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية والفلسفة والآداب.

وفي زمن تتكاثر فيه الأحكام الجاهزة حول العالم العربي، يصبح دعم الباحثين الشباب إحدى أهم وسائل مقاومة الاختزال.

موسيقى الأعراس المغاربية تدخل المختبر المعاصر

وفي الليلة نفسها، 16 شتنبر، تتحول أجواء المتحف إلى فضاء موسيقي مع «محطات موسيقية: أغاني الزواج في المغرب العربي كما تراها الموسيقى المعاصرة».

يدعو الموسيقي قيس السعدي الجمهور إلى رحلة تربط الأشكال الموسيقية التقليدية المرتبطة بالزواج في بلدان المغرب العربي بلغات موسيقية أكثر حداثة. ويأتي الحدث تمهيداً للمعرض الكبير «تحيا العروس!» المرتقب افتتاحه في نهاية الشهر. 

هذه الفعالية مهمة لأنها تتعامل مع التراث باعتباره مادة حية لا محفوظة.

أغاني الأعراس في المغرب والجزائر وتونس ليست مجرد ألحان احتفالية؛ إنها أرشيف اجتماعي كامل. تحمل في داخلها صورة المرأة والعائلة والحب والجسد والانتقال من مرحلة اجتماعية إلى أخرى، كما تعكس التراتب الاجتماعي والعادات المحلية.

وعندما يعاد تقديم هذه الأغاني عبر موسيقى معاصرة، يصبح السؤال: هل نستطيع تحديث الشكل من دون فقدان الذاكرة؟

فلسطين بالصورة: معرض لجوس دراي وذاكرة ليلى شهيد

من 19 شتنبر إلى فاتح نونبر، تستضيف مكتبة المعهد معرض «فلسطين بعدسة جوس دراي»، وهو مجموعة من الصور التقطتها المصورة بين 1987 و2001، بينها صور لم تعرض سابقاً.

يركز المعرض على الحياة اليومية الفلسطينية: الأشخاص والأمكنة والذاكرة وتفاصيل الوجود العادي، بعيداً عن الصورة الإخبارية التي تختزل فلسطين غالباً في الحرب والعنف. 

ويحمل الحدث بعداً إضافياً لأن المكتبة أعيدت تسميتها باسم ليلى شهيد، الدبلوماسية الفلسطينية وأحد أبرز الأصوات الفلسطينية في فرنسا وأوروبا، التي رحلت في فبراير الماضي. 

وهذه مفارقة ذات دلالة: فلسطين تظهر هنا في صورتين، صورة الدبلوماسية التي دافعت عنها في المؤسسات الأوروبية، وصورة المصورة التي وثقت حياتها اليومية.

الصورة في هذه الحالة لا «تشرح» فلسطين بقدر ما تمنح الفلسطيني حق الظهور بوصفه إنساناً يعيش ويحب ويعمل وينتظر، لا مجرد رقم داخل نشرة أخبار.

أيام التراث الأوروبية: معهد العالم العربي يفتح أبوابه

في 19 و20 شتنبر يشارك المعهد في الدورة الثالثة والأربعين من الأيام الأوروبية للتراث.

وتحمل دورة هذه السنة موضوعين رئيسيين: «تراث التصوير الفوتوغرافي»، بالتزامن مع مرور مئتي عام على اختراع التصوير، و«التراث المهدد: الإحياء والمقاومة وإعادة التخيل». 

وسيكون الدخول إلى مجموعات المتحف والمعارض والمحاضرات وورش العمل والأنشطة مجانياً، في محاولة لفتح المؤسسة على جمهور أوسع. 

ويتقاطع هذا الحدث بشكل طبيعي مع معرض فلسطين ومعرض ليبيا؛ فكلاهما يدور حول سؤال الذاكرة المهددة، سواء بفعل الاحتلال أو الحرب أو التهريب أو النسيان.

السينما التونسية: «قدر ـ أبناء الرب» في عرض أول

في 22 شتنبر، يقدم المعهد العرض الأول لفيلم «Kadar – The Sons of the Lord» للمخرجة التونسية إيمان بن حسين.

يحكي الفيلم، وهو إنتاج تونسي روائي طويل، قصة طبيب شرعي يُجبر على تزوير تقارير تشريح بأوامر من منظمة نافذة تمتد سيطرتها داخل المجتمع. 

ويكشف الاختيار عن أحد الاتجاهات التي أصبحت واضحة في السينما العربية الجديدة: الانتقال من الخطاب السياسي المباشر إلى بناء الحكاية عبر الجريمة والفساد والمؤسسة والجسد.

فالطبيب الشرعي في هذه القصة يقف عند نقطة شديدة الرمزية بين الحقيقة والسلطة. الجثة تقول شيئاً، لكن السلطة تريد من التقرير أن يقول شيئاً آخر.

ومن هنا تتحول المهنة الطبية إلى استعارة للسؤال السياسي: من يملك حق كتابة الحقيقة؟

محمود درويش يحتل نهاية شتنبر: الشعر بوصفه ذاكرة عالمية

ربما يكون أبرز محاور نهاية الشهر هو «Mahmoud Darwich Poetry Day» الذي ينظم بين 25 و27 شتنبر بالتعاون بين معهد العالم العربي ومركز بومبيدو وشركاء آخرين.

المبادرة بدأت أصلاً سنة 2020 بوصفها تظاهرة للاحتفاء كل عام بشخصية شعرية وفنية بارزة، وسبق أن خصصت دوراتها لجون جورنو وبودلير وباتي سميث ويوناس ميكاس. أما دورة 2026 فتضع محمود درويش في مركز الاحتفاء، باعتباره أحد أهم أصوات الشعر العربي الحديث وأحد الأسماء التي دخلت التراث الأدبي العالمي. 

ويفتتح البرنامج مساء 25 شتنبر بلقاء حول مسار محمود درويش وتجربة المنفى والاقتلاع الفلسطيني، مع إبراز الطريقة التي تحولت بها تجربته الشخصية إلى ذاكرة جماعية للشعب الفلسطيني. 

وفي اليوم التالي تُطرح مسألة «ورثة محمود درويش»: كيف أثرت تجربته في الشعراء والكتاب اللاحقين؟ وهل يمكن الحديث عن مدرسة شعرية ممتدة من درويش؟ 

أما يوم 27 شتنبر، فيعرض فيلم سيمون بيتون الوثائقي «محمود درويش: والأرض مثل اللغة»، الذي يتتبع تنقل الشاعر بين حيفا وقبرص وتونس وعمان وباريس والقاهرة ورام الله، محولاً جغرافيا المنفى إلى جزء من سيرته الشعرية. 

ويتضمن البرنامج أيضاً جلسة استماع إلى عمل مارسيل خليفة «وعود العاصفة» بعد مرور خمسين عاماً عليه، في تأكيد للعلاقة التاريخية التي ربطت صوت مارسيل خليفة بشعر درويش.

هنا يصبح الشعر أكثر من أدب. إنه ذاكرة وموسيقى وسينما وتاريخ سياسي في الوقت نفسه.

«تحيا العروس!»: المغرب والجزائر وتونس داخل معرض واحد

وفي 29 شتنبر يفتتح المعهد أحد أكبر معارض موسمه الجديد: «Vive la mariée! – تحيا العروس!»، الذي يستمر حتى 28 فبراير 2027 ويخصص لتقاليد الزواج في المغرب والجزائر وتونس.

يجمع المعرض أزياء وحلياً ومجوهرات وملابس احتفالية لم يسبق عرض عدد منها في فرنسا، ويضعها في حوار مع أعمال 27 فناناً معاصراً من بلدان المغرب العربي ودياسپوراتها. 

لكن المعرض لا يتوقف عند الزينة والجماليات. الزواج هنا بوابة لدراسة المجتمع: جسد المرأة، موقع العائلة، انتقال الفرد بين المراحل الاجتماعية، الجماعة، الحميمية، الطقوس، الفرح والسلطة الاجتماعية.

حتى الكلمة العربية «فرح»، التي تستخدم في بعض مناطق المشرق والمغرب للدلالة على الزواج، تكشف كيف يرتبط الحدث اجتماعياً بفكرة الفرح الجماعي. 

وبالنسبة إلى الجمهور المغربي، يكتسب المعرض أهمية خاصة لأنه يضع الثقافة المغربية إلى جانب نظيرتيها الجزائرية والتونسية داخل وحدة مغاربية تكشف التشابه والاختلاف في آن واحد.

عشرون عاماً على دار «إليزاد»: الكتاب القادم من الجنوب

في اليوم نفسه، 29 شتنبر، يحتفل معهد العالم العربي بمرور عشرين عاماً على تأسيس دار النشر التونسية المستقلة elyzad، بحضور الكتاب جاد هلال وكريم قطان ويامن مناعي. 

تأسست الدار في تونس سنة 2005 في سياق سياسي اتسم بالرقابة وضيق هامش التعبير، وكان من أهدافها منذ البداية إيصال أصوات كتاب الجنوب إلى الشمال وقلب اتجاه حركة الكتاب التي كانت تمر غالباً من باريس نحو العواصم العربية وليس العكس. 

وهذه القضية أساسية في صناعة الكتاب العربي. فالمشكلة ليست فقط أن يكتب الروائي العربي، وإنما أن يصل كتابه إلى مكتبات باريس وبروكسل ومونتريال وأن يدخل دائرة القراءة والنقد والترجمة.

لذلك فإن الاحتفال بإليزاد هو احتفال أيضاً بفكرة استقلال النشر العربي وقدرته على بناء جسور من الجنوب نحو الشمال.

معهد العالم العربي: من عرض الثقافة إلى إنتاج النقاش حولها

تكشف أجندة شتنبر في نهاية المطاف أن معهد العالم العربي لم يعد يكتفي بدور «واجهة للثقافة العربية في باريس».

فهو يضع التصميم إلى جانب الهوية، والآثار إلى جانب السياسة، والفن إلى جانب الطب النفسي، والموسيقى إلى جانب الطقوس الاجتماعية، والصورة إلى جانب الذاكرة الفلسطينية، والسينما إلى جانب أسئلة الحقيقة والسلطة، والشعر إلى جانب المنفى.

وهذه ربما هي القيمة الأساسية للبرنامج.

الثقافة العربية لا تظهر هنا في صورة واحدة ولا في خطاب احتفالي مبسط. إنها ثقافة تحمل تناقضاتها وذاكرتها وأسئلتها المفتوحة.

من ليبيا التي تحاول حماية آثارها، إلى فلسطين التي تقاوم محو الذاكرة، ومن الجزائر التي تعيد فتح سؤال الاستعمار وفانون، إلى المغرب العربي الذي يستعيد أغاني الأعراس وحلي العروس، ومن السعودية التي تجعل الصحراء مختبراً للتصميم المستدام، نرى فضاءً عربياً يحاول إعادة تعريف علاقته بالماضي.

أجندة معهد العالم العربي في باريس لهذا الخريف تقول شيئاً واضحاً: العالم العربي لا يأتي إلى باريس لكي يعرض ماضيه فقط، بل لكي يناقش حاضره ويختبر أشكال مستقبله.



0 التعليقات: