ثمة سؤال واحد يكفي، في تقديري، لخلخلة جبل كامل من الخطب والشعارات والبيانات الرسمية: ماذا غيّر قيس سعيّد فعلًا في حياة المواطن التونسي اليومية؟ لا أريد جوابًا عن الدستور، ولا عن البرلمان، ولا عن إعادة هندسة النظام السياسي، ولا عن المؤامرات، ولا عن اللوبيات، ولا عن «تطهير الدولة». أريد جوابًا يستطيع التونسي أن يراه في جيبه، في فاتورته، في السوق، في الحافلة، في المستشفى، في المدرسة، وفي فرصة ابنه في الحصول على عمل.
ذلك هو السؤال الذي يحرج نظام 25 يوليو أكثر من كل الأسئلة الأخرى، لأن هذا النظام لم يعد يستطيع أن يقدم نفسه باعتباره مجرد مرحلة انتقالية عابرة. لقد مرت خمس سنوات منذ 25 يوليو 2021، وهي فترة طويلة بما يكفي كي يتحول الحكم من وعد إلى حصيلة، ومن خطاب إلى نتائج، ومن اتهام للآخرين إلى مساءلة الذات.
قيس سعيّد بدأ مشروعه السياسي على أنقاض غضب شعبي حقيقي من فساد الأحزاب، وعجز الحكومات، وصراع المؤسسات، وانهيار الثقة في البرلمان، وتعطل الإصلاح الاقتصادي. وكانت شرائح واسعة من التونسيين مستعدة لمنحه فرصة استثنائية لأنها سئمت الاستثناء التونسي الذي تحول في نظر كثيرين من قصة نجاح ديمقراطي إلى قصة شلل مؤسساتي.
لكن المشكلة أن الاستثناء الذي جاء ليعالج الشلل انتهى إلى تركيز هائل للسلطة.
في 25 يوليو 2021 أقال سعيّد رئيس الحكومة، وجمّد البرلمان، ورفع الحصانة عن النواب، ثم جرى لاحقًا حل البرلمان وتغيير المنظومة الدستورية. دستور 2022 منح الرئاسة نفوذًا أوسع بكثير، بينما حذرت منظمات حقوقية من إضعاف آليات التوازن والرقابة واستقلال القضاء. هذه ليست مجرد رواية حزبية للمعارضة؛ هي خلاصة وثقتها منظمات مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية على امتداد السنوات الأخيرة.
وهنا أصل إلى المفارقة الثقيلة: إذا كانت معظم مفاتيح السلطة قد تجمعت في يد الرئيس، فمن يتحمل المسؤولية عن بطء الإنجاز؟
لا يمكن المطالبة بسلطة استثنائية ثم توزيع مسؤولية الفشل على الجميع.
ولا يمكن تفكيك المنظومة القديمة، ثم بعد خمس سنوات الاستمرار في تفسير أزمة الحاضر بالمنظومة القديمة وحدها.
ولا يمكن القول إن البرلمان كان يعطل الإصلاح، ثم بعد غيابه سنوات يبقى الإصلاح بطيئًا.
هذه هي المعضلة التي يواجهها مشروع قيس سعيّد اليوم.
السلطة تستطيع أن تضع أمامنا أرقامًا اقتصادية تقول إن بعض المؤشرات تحسنت: نمو، تضخم أكثر انضباطًا، احتياطي عملة، انتظام في سداد الديون، وبعض برامج الرقمنة والإصلاح الإداري. وأنا لا أرى فائدة في إنكار أي تحسن موثق لمجرد الاختلاف السياسي مع الرئيس. لكن السؤال ليس: هل تحسن رقم هنا أو مؤشر هناك؟ السؤال هو: هل تحسنت حياة التونسي؟
السياسة لا تعيش في الجداول وحدها.
قد يكون الاحتياطي النقدي أفضل، لكن المواطن لا يذهب إلى السوق ليشتري بالاحتياطي النقدي.
وقد يتراجع التضخم، لكن تراجع التضخم لا يعني تلقائيًا أن الأسعار رجعت إلى الوراء.
وقد تتحسن مؤشرات الدولة المالية، بينما يبقى المواطن يشعر بأن دخله أضعف من حاجياته، وأن الخدمات العمومية ليست في المستوى الذي ينتظره.
وفي أغسطس 2026 خرج محتجون في تونس ضد قيس سعيّد، في سياق ارتبط أيضًا بالسخط على الأوضاع الاقتصادية والخدمات العمومية، بينما تحدثت تقارير عن نقص بعض المواد والخدمات وضغوط متزايدة على الحياة اليومية. وفي المقابل يصر الرئيس على أن سياساته تستهدف مكافحة الفساد وحماية الدولة وإصلاح ما أفسدته المنظومة السابقة.
لكنني أعود إلى نقطة أكثر جوهرية: كم سنة يحتاج المواطن قبل أن يبدأ في لمس ثمار «الإصلاح»؟
خمس سنوات ليست خمسة أسابيع.
المواطن لا يعيش داخل الخطاب السياسي. هو يعيش داخل راتبه.
لا يسأل كل صباح من كتب الدستور، بل يسأل كم بقي في جيبه حتى نهاية الشهر.
ولا يقيس قوة الدولة بعدد الخطب ضد المحتكرين، وإنما بقدرته على شراء حاجياته دون أن يشعر بالإذلال الاقتصادي.
ولا يقيس العدالة الاجتماعية بعدد المرات التي ترد فيها العبارة في الخطابات، بل بمدى حصول ابنه على فرصة شغل دون واسطة، ومدى حصوله هو على العلاج دون انتظار طويل.
هناك أيضًا ملف الحريات، وهو ملف يصعب اليوم عزله عن تقييم نظام 25 يوليو. تقارير حقوقية حديثة تتحدث عن تضييق متزايد على معارضين ومحامين وصحفيين ومنظمات مجتمع مدني، بينما شهد سبتمبر 2026 احتجاج صحفيين إثر اعتقال الصحفي محمد اليوسفي، واعتبرت جهات حقوقية ذلك جزءًا من مناخ أوسع من الضغط على الإعلام. في المقابل تؤكد السلطة أن الإجراءات القضائية تتم في إطار القانون وأن الحريات محفوظة.
وهنا يصبح السؤال أكثر حدة: إذا كانت السلطة قد ضيقت هامش التعدد السياسي وأضعفت مراكز القوة المنافسة باسم الكفاءة والإصلاح، فأين هي القفزة في الكفاءة؟
السلطة القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على إسكات خصومها، بل بقدرتها على إصلاح المستشفى.
ولا تُقاس بعدد الذين تُفتح ضدهم التحقيقات، بل بعدد الوظائف التي تُخلق.
ولا تُقاس بحدة خطاب الرئيس، بل بمدى تحسن المدرسة والنقل والاستثمار والقدرة الشرائية.
هذه هي المقارنة التي يجب أن يخضع لها أي نظام يقول لشعبه: أعطوني سلطة أكبر كي أنجز أكثر.
ما حدث في تونس منذ 2021 هو أن السياسة تحركت بسرعة هائلة، بينما الاقتصاد والمجتمع تحركا بسرعة أبطأ بكثير.
الدستور تغير.
البرلمان تغير.
موازين السلطة تغيرت.
الهندسة المؤسساتية تغيرت.
لكن المواطن لا يستطيع أكل الهندسة المؤسساتية.
إذا كان هدف 25 يوليو هو إخراج تونس من دولة العجز، فيجب أن تكون النتيجة دولة أكثر قدرة على حل مشاكل الناس. أما إذا ظل المواطن يسمع في 2026 تقريبًا اللغة نفسها التي سمعها قبل سنوات عن المحتكرين والفاسدين والمتآمرين وضرورة التطهير، فمن حقه أن يسأل: متى تنتهي مرحلة التشخيص وتبدأ مرحلة العلاج؟
الدولة ليست نشرة اتهام يومية.
الرئيس لا يُنتخب ليشرح للشعب إلى الأبد لماذا البلد في أزمة، بل ليغير شروط الأزمة.
وأخطر ما قد يحدث لأي نظام سياسي هو أن يصبح خطاب تبرير الصعوبات أقوى من قدرته على إنتاج الحلول.
أنا لا أقول إن قيس سعيّد هو من صنع كل مشكلات تونس. ذلك تبسيط مخل. تونس دخلت عهده مثقلة بديون واختلالات اقتصادية وبطالة وإدارة ثقيلة وتفاوت جهوي وطبقة سياسية فقد جزء كبير منها صدقيته. لكن هذه الحقيقة لا تمنح أي حاكم حصانة زمنية مفتوحة.
كلما طالت فترة الحكم، تقل صلاحية جملة «لقد ورثنا الأزمة».
بعد سنة قد تكون حجة.
بعد سنتين قد تكون تفسيرًا.
بعد خمس سنوات تصبح السؤال نفسه: ماذا فعلت بالميراث؟
بل إن نظام 25 يوليو يحتاج إلى إجابة أكثر إقناعًا من الحكومات التي سبقته، لأنه بنى شرعيته على فكرة أن المشكلة لم تكن فقط في ضعف الاقتصاد وإنما في النظام السياسي نفسه. فإذا تغير النظام السياسي جذريًا ولم يتحسن الاقتصاد الاجتماعي بالقدر نفسه، يصبح من المشروع أن نتساءل: هل كان أصل الداء فعلًا في شكل النظام وحده؟
الأشد إثارة للقلق هو أن كلفة التغيير السياسي أصبحت واضحة، بينما عائد التغيير الاقتصادي ما يزال موضع نقاش.
منظمات حقوقية تتحدث عن تراجع مساحة العمل المدني والسياسي واستهداف المعارضين والصحفيين والمحامين، ومنظمة العفو الدولية قالت في سبتمبر 2026 إن ملاحقة المعارضة السياسية أصبحت نمطًا مستمرًا منذ 2021.
فإذا كان المواطن مطلوبًا منه أن يقبل تقلص جزء من فضاء الحريات السياسية مقابل دولة أكثر قوة وفاعلية، فمن حقه أن يسأل عن المقابل.
أين هذه الفاعلية في حياته؟
أين هي في المستشفى؟
أين هي في الشغل؟
أين هي في النقل؟
أين هي في المدرسة؟
أين هي في القدرة الشرائية؟
وأين هو الإنجاز الكبير الذي يستطيع أن يقوله في جملة واحدة دون الاستعانة ببيان حكومي؟
هذه ليست أسئلة «تآمرية». إنها جوهر السياسة.
الحكم لا يُقاس بمدى حب الرئيس للشعب، ولا بعدد المرات التي يعلن فيها الحرب على الفساد، بل بقدرته على تحسين شروط حياة ذلك الشعب.
والسلطة التي تجمع بين يديها مساحات واسعة من القرار لا تحصل فقط على قوة أكبر؛ تحصل أيضًا على مسؤولية أكبر.
لهذا أرى أن أصعب خصم لقيس سعيّد اليوم ليس حزبًا ولا معارضًا ولا صحفيًا ولا منظمة حقوقية.
أصعب خصم له هو الحياة اليومية للتونسي.
لأن المواطن قد يختلف مع المعارضة، وقد يكره الأحزاب القديمة، وقد يصدق أن هناك لوبيات ومحتكرين، وقد يمنح الرئيس مزيدًا من الوقت، لكنه في النهاية سيعود كل مساء إلى الواقع نفسه: راتبه، أسعار السوق، مستشفى مدينته، مدرسة أبنائه، مستقبلهم وفرصهم.
هناك تُجرى الانتخابات الحقيقية كل يوم.
وفي ذلك الصندوق الصامت، لا تصوّت الخطب.
تصوّت النتائج.
بقلم: الكاتب المغربي عبده حقي








0 التعليقات:
إرسال تعليق