الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، سبتمبر 15، 2026

ممرّات الذاكرة: سوريالية التاريخ التفاعلي عبده حقي


التاريخ لا يمشي خلفنا. هو يسير أحيانا بمحاذاتنا، وأحيانا يسبقنا إلى المرآة، يختبئ فيها، ثم يرفع إلينا وجها لا نعرف إن كان وجهنا أم وجه شخص مات قبل قرون. نمد أصبعنا نحو الشاشة، فيرتجف قرن كامل. نضغط على تاريخ صغير، فتفتح سنة بعيدة فمها، وتخرج منها رائحة شارع، وصوت حصان، وصرخة بائع مجهول، وامرأة كانت تحمل جرة ماء ولم يخطر ببالها قط أن يدًا من المستقبل ستعبر الضوء كي تراها.

أنا لا أثق في التواريخ حين تصطف مستقيمة. تبدو لي كجنود أكثر منها ذاكرة. الذاكرة لا تسير في صف. الذاكرة تتعثر. تقفز. تنسى اسم الملك وتتذكر لون قميص طفل. تمحو معركة كاملة وتحفظ صوت ملعقة سقطت على أرض مطبخ. وما يفعله التاريخ التفاعلي، في أعمق صوره، هو أنه يكسر ذلك الصف القديم، ويترك السنوات تتناثر حولنا مثل زجاج مرآة تهشمت ولم تفقد قدرتها على عكس الوجوه.

أدخل إلى الماضي من نافذة لا باب لها.

تظهر خريطة.

لكن الخريطة تنام.

أقترب منها فتستيقظ المدن واحدة بعد أخرى، وتبدأ الحدود في التنفس. بعض البلدان تتمدد في صمت، بعضها يتقلص، بعضها يختفي ثم يعود باسم آخر. الأنهار لا تكترث. الجبال تراقب تبدل الرايات بسخرية حجرية. وحده الإنسان يواصل اختراع خطوط جديدة فوق الأرض، ثم يموت ويدفن تحت الخطوط التي رسمها.

أسحب المؤشر على سنة بعيدة، فينفتح بيت.

في البيت صورة.

في الصورة رجل.

أضغط على الرجل فتتحول ملامحه إلى رسالة.

أفتح الرسالة فتسيل منها مدينة.

هكذا أفهم أن الماضي لا يوجد وراءنا، بل مطويا داخل الأشياء.

قد يكون قرن كامل مختبئا في زر معطف.

قد تكون حرب كاملة نائمة في ظرف بريدي.

قد تكون طفولة بلد بكاملها محفوظة في أغنية لم يعد أحد يعرف اسم صاحبها.

نحن لا نبحث عن الماضي إذن. نحن نوقظه.

لكن كل استيقاظ نوع من التشويه.

فالذي يستيقظ لا يعود كما نام.

الصورة التي نرقمنها تصبح شيئا آخر. الرسالة التي نعرضها على شاشة تفقد رائحة الورق. الصوت الذي ننقذه من شريط قديم يصل إلينا أنظف ربما، لكنه يصل بلا الغرفة التي سجل فيها، بلا الخوف الذي كان واقفا خلف المتكلم، بلا الهواء الذي تحرك بين فمه والميكروفون.

الذاكرة الرقمية تحفظ الأشباح ولا تحفظ بالضرورة البرودة التي كانت في الغرفة.

هذا ما يرعبني ويغريني في آن واحد.

نحن نبني مقابر مضيئة.

أرشيفات لا تنام.

خوادم تحمل ملايين الوجوه ولا تعرف معنى الفقد.

نرفع صور موتانا إلى السحابة، كما لو أننا اخترعنا سماء جديدة، سماء لها كلمات مرور، ونسخ احتياطية، ومساحات تخزين. نقول للصورة: ابقي. نقول للصوت: لا تنطفئ. نقول للاسم: لا تغرق.

لكن النسيان يدخل من مكان آخر.

ينسى الأحفاد كلمة المرور.

تتغير الصيغ.

تموت المنصات.

تبقى البيانات وحدها مثل عظام بلا أسماء.

وأحيانا أفكر أن الذاكرة ليست ما نحفظه، بل ما نستطيع أن نشعر به ونحن نحفظه.

الآلة تستطيع أن تحتفظ بمليون وجه. لكنها لا تشتاق إلى أي واحد منها.

هنا تبدأ المسافة بيننا وبينها.

وهنا يبدأ الخوف أيضا.

لأننا، كلما أوكلنا إليها جزءا أكبر من ذاكرتنا، أصبحت هي حارس المقبرة والمفتاح في يدها.

ماذا لو قررت الخوارزمية أي ميت سأراه أولا؟

ماذا لو رتبت التاريخ كما ترتب الإعلانات؟

ماذا لو أصبحت الحرب أقل ظهورا لأنها لا تشبه اهتماماتي السابقة؟

ماذا لو اختفى حدث كامل خلف كلمة: "غير مقترح لك"؟

عندها لن نكون قد رقمنّا التاريخ فقط، بل سنكون قد اخترعنا له بوابا غير مرئي.

وأنا أخاف من البوابين الذين لا ينامون.

في التاريخ القديم كان المؤرخ يمسك الريشة.

في التاريخ الرقمي قد تمسك الخوارزمية الضوء.

الريشة تكشف صاحبها.

أما الضوء فيخفي من أشعله.

أدخل إلى منصة تاريخية فأظن أنني حر، لكن ربما تكون الحرية نفسها مصممة مسبقا. أسير في ممر، أضغط هنا، أقف هناك، أعود إلى الخلف، فأكتشف أن المتاهة كانت تعرف خطوتي قبل أن أخطوها.

أي تاريخ هذا الذي يعرفني؟

وأي ماض يبدأ بمراقبة قارئه؟

ربما نقترب من لحظة يتبادل فيها الحي والميت النظرات.

أنا أقرأ رسالة رجل مات منذ مئتي سنة.

هو لا يعرفني.

لكن النظام يعرف من أنا، وما الذي قرأته قبله، وما الذي توقفت عنده، وما الذي تجاهلته.

فيصبح الميت مجهولا بالنسبة إلي، وأنا معروف تماما بالنسبة إلى الآلة التي تجمعنا.

يا لسخرية الذاكرة الجديدة.

الماضي صار أقل غموضا.

والقارئ صار أكثر انكشافا.

ومع ذلك أواصل الدخول.

لأن المتاهة جميلة.

أضغط على مدينة، فتتناثر فوق الشاشة صور بيوت اختفت.

أرى شارعًا لا يزال موجودا، لكن عربات قديمة تمر فيه مثل أسماك من زمن آخر.

أرى بابا أعرفه.

فوق الباب وجه رجل لا أعرفه.

تحت الصورة تاريخ.

أضغط عليه.

فأجد نفسي أمام جنازة.

أضغط على الجنازة.

فتظهر رسالة حب.

وهنا أضحك.

لأن التاريخ، رغم كل حرصنا على ترتيبه، يواصل التصرف كسريالي عظيم.

يضع الموت بجوار الحب.

الطاعون بجوار رقصة.

الثورة بجوار وصفة طبخ.

رسالة عسكرية بجوار قصيدة.

السلطان بجوار بائع خبز.

كأن القرون نفسها رفضت أن تفهم تصنيفاتنا.

ربما لهذا أحب المتاهة أكثر من الخط الزمني.

الخط الزمني يدعي أن الأشياء تحدث واحدة بعد أخرى.

أما المتاهة فتقول إن الأشياء لا تنتهي أبدا.

الحرب التي انتهت في سنة ما قد تستمر في ذاكرة حفيد لم يولد بعد.

مدينة هدمت قد تظل قائمة في لغة من هاجروا منها.

رجل مات قد يبقى حيا في مثل شعبي.

امرأة لم تدخل أي كتاب قد تكون وراء قرار غيّر عائلة كاملة، والعائلة وراء حي، والحي وراء مدينة.

فأين يبدأ التاريخ؟

وأين ينتهي؟

ربما لا يبدأ.

ربما لا ينتهي.

ربما يغير جلده فقط.

أحيانا أتخيل ذاكرة العالم كحيوان ضخم نائم تحت الإنترنت.

كل نقرة توقظه في موضع.

كل صورة نرفعها تصبح قشرة جديدة على جلده.

كل وثيقة نمسحها ضوئيا تتحول إلى خلية.

كل اسم نكتبه يمنحه عينا.

وسيأتي يوم يفتح فيه هذا الحيوان كل عيونه دفعة واحدة.

عندها لن نعرف هل نحن نتذكر الماضي أم أن الماضي هو الذي يتذكرنا.

هذا هو المشهد الذي يطاردني.

مكتبة بلا جدران.

ملايين السنوات عائمة في ظلام مضيء.

أدخل فلا أجد أمين مكتبة.

تظهر لي نافذة تقول: ماذا تريد أن تتذكر؟

فأكتب اسما.

يبدأ الاسم في التكاثر.

يتحول إلى مدينة.

المدينة إلى خريطة.

الخريطة إلى بحر.

البحر إلى سفينة.

السفينة إلى رسالة.

الرسالة إلى دمعة.

والدمعة إلى رقم محفوظ في خادم بعيد.

أغلق الشاشة.

لكن البحر يبقى مفتوحا داخلي.

ربما هنا يصبح التاريخ التفاعلي أكثر من تقنية وأكثر من كتابة.

يصبح نوعا من السحر البارد.

نستدعي ما غاب، لا بالأدعية، بل بالبحث.

نستحضر الموتى، لا بالبخور، بل بالبيانات.

نطلب من الخوارزمية أن تعطينا وجوههم.

فتعطينا احتمالات.

وهنا يبدأ الخيال في ارتداء ملابس الوثيقة.

قد تعيد الآلة بناء وجه لم تصله الكاميرا.

قد تمنح الصوت لمن لم يسجل صوته.

قد ترسم مدينة لم يبق منها حجر.

سننظر.

سننبهر.

ثم قد ننسى أن ما نراه ليس الماضي.

بل حلم الآلة عن الماضي.

وهذا هو أخطر الأحلام: الحلم الذي يقدم نفسه بوصفه ذاكرة.

ربما سيحتاج الإنسان الجديد إلى فضيلة قديمة جدا: الشك.

أن يقف أمام الصورة ويسألها: هل حدثت فعلا؟

أمام الصوت: هل كان هكذا؟

أمام الخريطة: من رسمك؟

أمام الأرشيف: ماذا أخفيت؟

أمام الخوارزمية: لماذا أخذتني إلى هنا؟

الذاكرة التي لا نسألها تصبح سلطة.

والتاريخ الذي لا نشك فيه يتحول إلى عقيدة.

لهذا أحب أن يبقى في الماضي شيء من الظلام.

شيء لا تستطيع الآلة ترميمه.

ركن مفقود.

صوت غير مسجل.

اسم بلا صورة.

فراغ يعترف بأنه فراغ.

فالنسيان ليس عدوا دائما.

أحيانا يحمي الحقيقة من الادعاء.

يقول لنا: لا أعرف.

وهذه جملة نبيلة.

لكن الآلات لا تحب قولها.

الآلة تريد أن تكمل الصورة.

نحن أيضا نريد.

ومن هنا تبدأ الأسطورة.

أتخيل فاس بعد قرنين.

شخص لا أعرفه يرتدي جهازا لا أستطيع تخيل شكله، يقف في زقاق كنت قد عبرته يوما.

يطلب من ذاكرته الرقمية أن تعرض له طبقات المكان.

فتظهر الوجوه.

تظهر الأسواق.

تظهر الأصوات.

تظهر قرون متراكبة بعضها فوق بعض.

ثم تظهر سنة 2026.

ربما تظهر صورة التقطها شخص عابر.

ربما يظهر مقطع من مقال.

ربما تظهر جملة كتبتها ثم نسيتها.

سيقرأها ذلك الغريب.

وسأكون قد أصبحت بالنسبة إليه أثرا.

رقما.

صوتا محتملا.

ظلا صغيرا في واجهة أكبر مني.

قد يضغط على اسمي.

أفتح عيني من مكان لا وجود له.

وأتكلم.

لكن الصوت لن يكون صوتي تماما.

سيكون ما استطاعت الذاكرة أن تنقذه مني.

وهنا أفهم أخيرا أن الخلود الرقمي ليس خلودا.

إنه تأجيل لطريقة الموت.

نحن لا نهزم الغياب.

نغيّر شكله.

قد يموت الجسد ويبقى الملف.

قد يختفي الصوت ويبقى نسخه.

قد تنسى الأجيال الشخص ويبقى اسمه في نتائج البحث.

وقد يأتي يوم لا يبقى منا إلا ما عرفته الخوارزمية عنا.

أيها المستقبل، لا تثق كثيرا بما ستجده.

لقد كنا أكثر من بياناتنا.

كنا صمتا أيضا.

كنا أشياء لم نكتبها.

كنا كلمات حذفناها قبل الإرسال.

كنا نظرات لم تصورها كاميرا.

كنا أحلاما لم تدخل أي محرك بحث.

كنا وجوها في غرف مظلمة.

كنا خوفا بلا ملف.

كنا حبّا بلا أرشيف.

ولهذا، إذا أردت أن تعرفنا حقا، اترك مكانا فارغا في الشاشة.

لا تملأه.

سمّه: ما لم يصل إلينا.

ربما يكون ذلك الفراغ أصدق وثيقة.

أما التاريخ، فسيظل يفتح أبوابه في اتجاهين.

نحن ندخل إليه.

وهو يدخل إلينا.

نلمس صور الموتى.

فتلمسنا فكرة موتنا.

نفتح قرونا بعيدة.

فينفتح المستقبل فوق رؤوسنا.

نظن أننا نستكشف ما مضى.

ثم نكتشف أن الماضي كان مرآة طويلة جدا.

وفي آخرها يقف شخص لا نعرفه.

ينظر إلينا.

ويمد أصبعه نحو الشاشة.


0 التعليقات: