الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، سبتمبر 17، 2026

أسباب تشديد مراقبة دخول الجزائريين إلى المغرب ؟ عبده حقي


بضعة منشورات على «فيسبوك»، مقطع فيديو لمسافر غاضب، عنوان مثير في موقع إلكتروني، ثم فجأة يصبح المغرب، في الرواية المتداولة، قد أغلق أبوابه في وجه الجزائريين وشرع في إعادتهم جماعيًا من المطارات. هكذا تُصنع اليوم أزمات كاملة خارج المؤسسات، وهكذا يستطيع خبر لم تتضح وثيقته الأصلية أن يعبر الحدود أسرع من المسافر نفسه، وأن يتحول خلال ساعات إلى مادة جديدة في حرب إعلامية أنهكت المغاربة والجزائريين معًا.

بالنسبة إلي، السؤال الذي يستحق النقاش ليس: هل يحب المغرب الجزائريين أم لا؟ فهذا اختزال ساذج لمسألة سيادية وأمنية معقدة. السؤال هو: هل يملك المغرب الحق في التدقيق في شروط دخول الأجانب إلى أراضيه عندما تتزايد ضغوط الهجرة غير النظامية وتتحول بعض مسارات السفر إلى منافذ للوصول إلى أوروبا؟ جوابي أن هذا الحق جزء طبيعي من ممارسة الدولة لسيادتها، ما دام يتم داخل القانون ومن دون تحويل الجنسية في حد ذاتها إلى تهمة.

إلى حدود المعطيات المتاحة، لا أجد قرارًا مغربيًا رسميًا معلنًا يفرض حظرًا عامًا على دخول المواطنين الجزائريين إلى المملكة. وما يجري تداوله أساسًا يتعلق بتشديد عمليات المراقبة، مثل التحقق من تذكرة العودة والحجز الفندقي والموارد المالية وغرض الزيارة. وهذه شروط لا تخص المغرب وحده، بل تعتمدها سلطات حدودية في دول كثيرة عندما تريد التأكد من أن الشخص يدخل بصفته سائحًا فعلًا وليس لأغراض مخالفة لشروط إقامته.

المشكلة تبدأ عندما تتحول عملية تدقيق حدودي إلى عنوان سياسي من قبيل «المغرب يطرد الجزائريين». بين الأمرين فرق شاسع. رفض دخول مسافر لا يستوفي شروطًا محددة شيء، واتخاذ قرار بمنع شعب كامل من الدخول شيء آخر تمامًا. والصحافة الجادة لا يجوز لها أن تمحو هذا الفرق بحثًا عن الإثارة.

السياق الأمني بدوره لا يمكن تجاهله. سبتة شهدت في نهاية يوليوز 2026 موجة دخول جماعية كبيرة، ولا تزال تداعياتها موضوع إجراءات أمنية وقضائية وإدارية داخل المدينة. وفي 16 شتنبر، أفادت وسائل إعلام محلية في سبتة بأن الشرطة الإسبانية باشرت إجراءات ترحيل بحق نحو خمسين مهاجرًا يحملون الجنسية الجزائرية، بعد دخولهم المدينة خلال موجة 30 يوليوز.

هذه الواقعة لا تسمح لي بتعميم الشبهة على كل جزائري يزور المغرب، لكنها في المقابل تمنعني من التعامل مع مخاوف السلطات المغربية كما لو كانت وهمًا كاملًا. فوجود جزائريين ضمن مسارات الهجرة غير النظامية عبر شمال المغرب أصبح معطى موثقًا، مثلما توجد جنسيات أخرى كثيرة في هذه المسارات. ومن الطبيعي، في تقديري، أن تدفع مثل هذه التطورات أجهزة الحدود إلى رفع درجة التدقيق.

ما أرفضه في الوقت نفسه هو القفز من هذه الوقائع إلى اتهامات أكبر لا تسندها أدلة منشورة. الكلام المتداول عن تورط أجهزة جزائرية في تحريك مهاجرين، أو عن عمليات منظمة تستهدف المغرب، يجب أن يبقى في خانة الادعاء ما لم تظهر وثائق قابلة للتحقق. الدفاع عن الطرح المغربي لا يحتاج إلى صناعة حقائق إضافية. بل أرى أن قوة الموقف المغربي تكمن تحديدًا في أنه يستطيع الدفاع عن حقه في حماية حدوده من دون اللجوء إلى روايات غير مثبتة.

هناك أيضًا مفارقة سياسية لا يمكن تجاهلها. ففي 26 شتنبر 2024 أعلنت الجزائر رسميًا إعادة فرض التأشيرة على حاملي جوازات السفر المغربية، بعدما ظلت حرية الدخول قائمة لسنوات طويلة رغم قطع العلاقات الدبلوماسية سنة 2021. القرار الجزائري موثق في بيان رسمي لوزارة الخارجية الجزائرية.

وترافق ذلك القرار مع اتهامات جزائرية للمغرب تتعلق بالجريمة المنظمة والهجرة والتجسس، وهي اتهامات رفضتها الرباط، ولم يقدم البيان الجزائري المعلن أدلة تفصيلية مستقلة لإثباتها. وقد نقلت وكالة رويترز آنذاك إعادة فرض التأشيرة، مشيرة إلى أن الخطوة جاءت ضمن سياق التصعيد المستمر بين البلدين.

لهذا أجد من الغريب أن يصبح مجرد تشديد مغربي محتمل للمراقبة الحدودية موضوعًا يقدم أحيانًا كما لو أنه سابقة عدائية غير مفهومة، بينما يوجد منذ سنتين تقريبًا نظام تأشيرة جزائري مفروض رسميًا على الجواز المغربي.

وهنا لا أدعو المغرب إلى المعاملة بالمثل، ولا أرى أن التصعيد الآلي هو الحل؛ لكنني أرى أن من حق الرأي العام أن يضع الوقائع جنبًا إلى جنب. إذا كانت الدولة الجزائرية قد اعتبرت أمنها الوطني مبررًا لإعادة التأشيرة، فلا يمكن منطقيا نزع الشرعية عن حق المغرب في اتخاذ تدابير مراقبة يراها ضرورية لأمن حدوده، ما دامت منضبطة بالقانون.

أما الحديث المتكرر عن أن المغرب «يستهدف الجزائريين»، فيحتاج إلى أدلة أقوى بكثير من شهادات متفرقة على مواقع التواصل الاجتماعي. الحدود ليست مساحة عاطفية. شرطي المطار لا يعمل وفق قواعد المجاملة الشعبية بين المغاربة والجزائريين، بل وفق قوانين الدخول والإقامة وتعليمات مراقبة الحدود. وقد يتعرض مسافر فرنسي أو تونسي أو جزائري أو أي أجنبي آخر للمنع إذا لم يقنع السلطات بغرض إقامته أو لم يستوف شروطها.

وفي المقابل، أعتقد أن على المغرب نفسه أن يجعل قواعده واضحة قدر الإمكان. فإذا كانت هناك شروط جديدة خاصة بالمراقبة، فمن الأفضل إعلانها بوضوح حتى لا يُترك المجال للشائعات. الغموض هو الوقود المثالي للحرب الإعلامية؛ وما لا توضحه الإدارة اليوم سيشرحه غدًا «تيك توك» بطريقته، وستضيف إليه الحسابات المتصارعة ما تشاء من القصص.

وأنا أكتب من منظور مغربي، لكنني لا أريد أن يصبح الجزائري العادي ضحية خلاف سياسي عمره سنوات. الجزائري الذي يدخل المغرب باحترام للقانون يجب أن يعامل بكرامة، تمامًا كما أتمنى أن يعامل المغربي في أي بلد آخر. فالشعوب ليست وزارات خارجية، والعائلات الممتدة بين البلدين ليست مسؤولة عن قطع العلاقات، والسائح لا يحمل على كتفيه ملفات الصحراء والحدود والتوازنات الإقليمية.

لكن احترام المواطن الجزائري شيء، والتنازل عن مقتضيات السيادة المغربية شيء آخر. لا أرى تناقضًا بين أن أقول «مرحبًا بالجزائري الذي يأتي سائحًا»، وأن أقول في اللحظة نفسها «من حق الدولة المغربية أن تسأله عن الفندق وتذكرة العودة وموارد إقامته إذا اقتضت الإجراءات ذلك». هذه ليست كراهية، بل ممارسة عادية لسلطة الدولة على حدودها.

المأساة الحقيقية في هذه القضية ليست في سؤال وجّهه شرطي في مطار أو في مسافر أعيد من بوابة حدودية. المأساة أن المغرب والجزائر وصلا إلى درجة من انعدام الثقة تجعل أبسط حادث قابلًا للتحول إلى معركة هوية وسيادة وكرامة. قرار إداري يصبح استفزازًا، والتدقيق الأمني يتحول إلى «إهانة للشعب»، والشائعة تصبح بيانًا رسميًا قبل أن تبحث الصحافة أصلًا عن الوثيقة.

وقد آن الأوان، في رأيي، لأن نكف عن منح هذه الحرب الإعلامية ما تحتاج إليه من وقود.

مصلحة المغرب لا تكمن في إهانة الجزائريين، كما أن حماية حدوده لا تحتاج إلى خطاب عدائي. مصلحته أن تكون قواعده واضحة، وسيادته محترمة، وأمنه محميًا، وأن يعرف كل مسافر، مهما كانت جنسيته، أن الدخول إلى التراب المغربي ليس حقًا مطلقًا بلا شروط، كما أنه ليس امتيازًا يخضع للأهواء السياسية.

لذلك أقرأ ما يحدث من زاوية مختلفة عن الضجيج المتداول: لا توجد، وفق ما هو موثق حاليًا، حقيقة معلنة اسمها «إغلاق المغرب في وجه الجزائريين». هناك على الأرجح تشدد أكبر في المراقبة داخل سياق حدودي حساس، وهناك في المقابل آلة شائعات سريعة تحول التدقيق إلى طرد، والطرد الفردي إلى قرار جماعي، والقرار المزعوم إلى أزمة بين شعبين.

وبين السيادة والشائعة توجد مسافة اسمها الحقيقة. ومن مصلحة المغرب، قبل أي طرف آخر، أن تبقى تلك المسافة واضحة.


0 التعليقات: