تابعت الجوائز الأدبية العربية باهتمام لا ينفصل عندي عن سؤال أوسع يتعلق بمكانة الرواية في ثقافتنا المعاصرة: هل ما تزال الرواية العربية قادرة على توسيع فضائها، واكتشاف أصوات جديدة، ومساءلة تحولات الإنسان العربي العميقة، أم أننا بدأنا ندور داخل حلقة من الأسماء والموضوعات والمقاربات المألوفة؟ لهذا بدت لي الدورة الثانية عشرة لجائزة كتارا للرواية العربية، التي أعلنت نتائجها في الدوحة، أكثر من مناسبة بروتوكولية لتتويج مجموعة من الكتّاب والنقاد؛ إنها محطة تسمح بقراءة المشهد الروائي العربي ذاته، من خلال حجم المشاركة، وتنوع البلدان، وتعدد الفئات، والحضور المتزايد للنقد والترجمة ورواية الفتيان والرواية التاريخية.
ما لفتني أولاً هو الرقم الكبير للمشاركات في هذه الدورة، إذ بلغ عددها 2610 مشاركات، وهو رقم قياسي في تاريخ الجائزة. وأنا لا أنظر إلى هذا الرقم باعتباره مجرد مؤشر كمي، لأن كثافة المشاركة تخبرنا بشيء أعمق: الرواية العربية لم تفقد جاذبيتها لدى الكتاب، بل ربما أصبحت الجنس الأدبي الأكثر قدرة على استيعاب القلق الفردي والجماعي الذي يعيشه الإنسان العربي اليوم. ففي عالم تتسارع فيه الحروب والهجرات والتحولات الرقمية والانقسامات الاجتماعية وصعود الذكاء الاصطناعي وتبدل أشكال القراءة، تمنح الرواية للكاتب مساحة لا توفرها المقالة الصحفية ولا الدراسة الأكاديمية ولا حتى القصيدة في صورتها التقليدية، لأنها تسمح له بأن يبني عالمًا موازيًا، وأن يختبر داخله أسئلة الواقع من خلال الشخصيات والذاكرة واللغة والمكان والتخييل.
وتكشف خريطة المشاركات بدورها عن اتساع القاعدة التي تستند إليها الرواية العربية اليوم. فقد توزعت الأعمال بين الروايات المنشورة وغير المنشورة ورواية الفتيان والدراسات النقدية والرواية التاريخية والرواية القطرية، وهذا التنوع في حد ذاته يستحق التوقف. فالجائزة، بهذا التصنيف، لا تتعامل مع الرواية بوصفها نصًا واحدًا له قالب ثابت، وإنما باعتبارها منظومة أدبية كاملة تبدأ من الكتابة، وتمر بالنشر والنقد، وتصل إلى القارئ والترجمة وإعادة إنتاج الذاكرة التاريخية.
في فئة الروايات العربية المنشورة برزت أعمال من مصر والسعودية والسودان، وفي الروايات غير المنشورة حضرت الجزائر وفلسطين والسعودية، بينما توزعت بقية الفئات على عدد من البلدان العربية. وما يهمني في هذه الخريطة ليس فقط معرفة من فاز، وإنما ملاحظة أن مركز الرواية العربية لم يعد محتكرًا من عاصمة ثقافية واحدة، وأن الكتابة السردية أصبحت اليوم موزعة بين القاهرة والرباط والجزائر والخرطوم والرياض وبيروت وتونس والدوحة ومدن عربية كثيرة أخرى. هذه اللامركزية الثقافية، في تقديري، من أهم التحولات الإيجابية في المشهد الأدبي العربي، لأنها تمنح النصوص القادمة من الهوامش الجغرافية والاجتماعية فرصة للوصول إلى القارئ العربي.
أما مغربيًا، فقد استوقفني خصوصًا تتويج الدكتور حميد الكتاني في فئة الدراسات والنقد الروائي عن دراسته «الرواية العربية على عتبة التطور: دراسة في التحقيب من منظور المصطلح النقدي التصنيفي». وأرى أن هذا التتويج يحمل دلالة تتجاوز اسم الفائز نفسه، لأنه يذكرنا بحضور المدرسة النقدية المغربية داخل الثقافة العربية الحديثة. فالمغرب لم يكن خلال العقود الماضية مجرد منتج للنص الروائي، بل كان أيضًا مختبرًا حقيقيًا للمناهج النقدية، من البنيوية والسيميائيات إلى السرديات وتحليل الخطاب والنقد الثقافي. وقد ساهم أكاديميون وباحثون مغاربة في تحديث الأدوات التي نقرأ بها الرواية العربية، وفي وصل النقد العربي بالمناهج الأوروبية الحديثة، وفي الوقت نفسه في إعادة مساءلة هذه المناهج من داخل خصوصيات النص العربي.
هذا الحضور المغربي في النقد يجعلني أطرح سؤالًا طالما رافق علاقتي بالمشهد الثقافي: لماذا لا يحظى الناقد بالاهتمام الإعلامي نفسه الذي يحظى به الروائي؟ نحن نتحدث كثيرًا عن المؤلف ونادرًا ما نتحدث عن القارئ المتخصص الذي يفكك بنية العمل ويضعه داخل سياقه التاريخي والجمالي. والحقيقة أن الرواية من دون نقد جاد يمكن أن تتحول بسهولة إلى ظاهرة استهلاكية، تتراكم فيها الإصدارات بينما يظل النقاش حول قيمتها الفنية محدودًا. لذلك يبدو لي تكريم الدراسات النقدية داخل جائزة روائية اختيارًا مهمًا، لأنه يعيد الاعتبار إلى العلاقة الطبيعية بين الإبداع والتفكير في الإبداع.
وتطرح الدورة الثانية عشرة كذلك سؤال الرواية العربية المنشورة في مقابل الرواية غير المنشورة. وأنا أرى في تخصيص فئة مستقلة للأعمال غير المنشورة واحدًا من الجوانب المهمة في الجائزة، لأن كثيرًا من المواهب العربية تواجه صعوبة في الوصول إلى دور النشر أو لا تمتلك شبكة العلاقات التي تتيح لها الانتشار. وجود مسار يمنح المخطوط فرصة أن يُقرأ قبل أن يصبح كتابًا متداولًا يفتح الباب أمام أصوات جديدة، وقد يكون أكثر إنصافًا من الجوائز التي لا تتعامل إلا مع الكتب التي نجحت أصلًا في الوصول إلى السوق.
لكن الجوائز الأدبية تطرح دائمًا مفارقة لا يمكن تجاهلها: فهي تضيء أعمالًا محددة، لكنها تترك آلاف النصوص خارج دائرة الضوء. لذلك لا ينبغي أن تتحول الجائزة في وعينا إلى معيار وحيد للقيمة الأدبية. قد يفوز عمل بجائزة كبيرة ثم يتراجع حضوره بعد سنوات، وقد تمر رواية ممتازة خارج القوائم القصيرة ثم تصبح لاحقًا من علامات الأدب العربي. القيمة النهائية للنص لا يصنعها حفل التتويج وحده، وإنما يصنعها الزمن، والقراء، والنقد، وقدرة الرواية على البقاء وإنتاج أسئلة جديدة بعد انطفاء الأضواء الإعلامية.
ومن هنا أصل إلى مسألة أراها حاسمة: ماذا يحدث للأعمال الفائزة بعد الجائزة؟ إن اهتمام جائزة كتارا بالطباعة والنشر والترجمة إلى الإنجليزية والفرنسية يمنح المشروع بُعدًا يتجاوز المكافأة المالية. فالترجمة، بالنسبة إلي، هي المعركة الحقيقية التي ينبغي أن يخوضها الأدب العربي في السنوات المقبلة. لدينا كتّاب موهوبون، ولدينا روايات قادرة على المنافسة فنيًا، لكن وصولها إلى القارئ العالمي ما يزال محدودًا مقارنة بما تنتجه لغات أخرى. المشكلة ليست دائمًا في جودة النص العربي، بل في غياب منظومة ترجمة وتسويق وتوزيع دولية مستدامة.
وأعتقد أن مستقبل الرواية العربية سيتحدد إلى حد كبير بقدرتها على مغادرة حدود السوق العربي. نحن بحاجة إلى أن تُترجم أعمالنا لا باعتبارها وثائق إثنوغرافية عن الشرق، ولا لأنها تتحدث عن الحرب أو الإرهاب أو الهجرة فقط، بل لأنها تحمل قيمة أدبية وجمالية إنسانية. وهذا يتطلب مترجمين محترفين، وناشرين دوليين، ووكالات أدبية عربية قوية، ومشاركة أوسع في معارض الكتب العالمية، وربط الجوائز العربية بشبكات ثقافية خارج المنطقة.
ولا يمكن الحديث عن مستقبل الرواية العربية من دون التوقف عند التحول الرقمي. القارئ العربي لم يعد هو القارئ نفسه الذي كان يشتري الرواية الورقية وينتظر النقد في الملحق الثقافي الأسبوعي. نحن أمام قارئ جديد يكتشف الكتب عبر وسائل التواصل، ويتابع المقاطع القصيرة، ويقرأ إلكترونيًا، وقد يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي للبحث عن الروايات أو تلخيصها أو مناقشتها. وهذا التحول سيجبر الرواية والنقد والجوائز ودور النشر على إعادة التفكير في علاقتها بالجمهور.
ولا أخشى شخصيًا من دخول الذكاء الاصطناعي إلى المجال الأدبي بقدر ما أخشى من التعامل معه بسطحية. فالرواية ليست مجرد تركيب لغوي يمكن للآلة أن تقلده، بل هي خبرة إنسانية وذاكرة ووعي بالموت والحب والهزيمة والمنفى والجسد والزمن. لكن الذكاء الاصطناعي سيغير بالتأكيد طرق الكتابة والتحرير والترجمة والتسويق والقراءة، وسيجبرنا على إعادة تعريف مفاهيم مثل المؤلف والأصالة والملكية الفكرية والإبداع. والجوائز الأدبية العربية ستجد نفسها، عاجلًا أو آجلًا، أمام ضرورة وضع قواعد واضحة للتعامل مع النصوص التي تُنتج أو تُحرر بمساعدة الخوارزميات.
كذلك أرى أن وجود رواية الفتيان ضمن فئات الجائزة يحمل دلالة مستقبلية مهمة. فالقارئ لا يولد في سن الثلاثين. إذا أردنا أن يبقى للرواية العربية جمهور بعد عشرين عامًا، فعلينا أن نبني هذا الجمهور منذ الطفولة والمراهقة. رواية الفتيان ليست أدبًا ثانويًا ولا مرحلة أقل شأنًا من الرواية الموجهة إلى الكبار؛ إنها المجال الذي تتكون داخله أول علاقة حقيقية بين الإنسان والخيال الأدبي. وكل مجتمع يهمل أدب الفتيان سيجد نفسه بعد سنوات أمام أزمة قراءة أعمق.
كما أن تخصيص فئة للرواية التاريخية يعيد طرح العلاقة بين السرد والذاكرة. العالم العربي يعيش اليوم صراعات حادة حول التاريخ: من يكتبه؟ من يمتلك حق تأويله؟ وأين تنتهي الوثيقة ويبدأ الخيال؟ الرواية التاريخية تستطيع أن تعيد الحياة إلى الأزمنة المنسية، لكنها قادرة أيضًا على إنتاج أوهام جديدة إذا تعاملت مع الماضي بوصفه مادة جاهزة للتزيين. ولهذا تبقى المسؤولية الفنية والمعرفية للروائي كبيرة، خصوصًا عندما يتحول النص الروائي لدى بعض القراء إلى مصدر لفهم التاريخ نفسه.
وأنا أقرأ نتائج الدورة الثانية عشرة، أجدني أكثر اقتناعًا بأن الرواية العربية تمر اليوم بمرحلة وفرة كبيرة، لكن الوفرة وحدها لا تكفي. لدينا آلاف المخطوطات ومئات الإصدارات وعشرات الجوائز، لكن السؤال الحقيقي يتعلق بنوعية ما سينجو من هذا التدفق الهائل. هل ننتج روايات قادرة على تجديد اللغة والرؤية والبناء؟ هل نمنح مساحة كافية للأصوات الشابة؟ هل نقرأ الروايات القادمة من السودان واليمن وموريتانيا وفلسطين مثلما نقرأ الروايات الصادرة عن المراكز التقليدية؟ وهل يستطيع النقد أن يواكب هذا الانفجار في الإنتاج؟
إن دورة كتارا الثانية عشرة، في نظري، تقدم صورة مكثفة عن هذه المرحلة: حضور عربي واسع، تنافس كبير، تداخل بين الإبداع والنقد، اهتمام بالترجمة، وانفتاح على أنماط روائية متعددة. أما الحضور المغربي من خلال التتويج النقدي، فهو يذكرني بأن المغرب يمتلك رصيدًا معرفيًا ونقديًا يستطيع أن يلعب دورًا أكبر في النقاش العربي حول مستقبل السرد.
في النهاية، لا أرى الجائزة نقطة وصول، بل بداية رحلة جديدة للنصوص الفائزة ولأصحابها. التحدي الحقيقي يبدأ بعد التقاط الصور وتسليم الدروع: أن يجد الكتاب طريقه إلى القارئ، وأن يثير النقاش، وأن يُترجم، وأن يعبر الحدود، وأن يبقى حيًا بعد سنوات من إعلان النتائج. وحدها الرواية التي تستطيع مقاومة النسيان تستحق، في نهاية المطاف، الجائزة الكبرى التي لا تمنحها أي لجنة تحكيم: جائزة الزمن.







0 التعليقات:
إرسال تعليق