الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أكتوبر 17، 2026

وجهة نظر بمناسبة 17 أكتوبر اليوم العالمي لمحاربة الفقر : عبده حقي


في السابع عشر من أكتوبر من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي للقضاء على الفقر، غير أنني لا أستطيع أن أتعامل مع هذه المناسبة كما لو كانت مجرد تاريخ أممي آخر نضعه في مفكرة الأيام العالمية، ننشر حوله بعض الأرقام والصور والعبارات التضامنية، ثم نطوي الصفحة في صباح اليوم التالي. الفقر بالنسبة إلي ليس رقمًا باردًا في تقرير اقتصادي، ولا نسبة مئوية يمكن أن ترتفع أو تنخفض من سنة إلى أخرى دون أن تترك وراءها وجوهًا وحكايات ومصائر. الفقر طفل يؤجل حلمه لأن أسرته لا تستطيع شراء كتبه، وشاب يحمل شهادة لكنه لا يجد عملًا يحفظ كرامته، وأب يحسب ما تبقى في جيبه قبل أن يدخل السوق، وأم تؤجل علاجها حتى توفر دواء ابنها، وشيخ يقضي أيامه الأخيرة وهو يقارن بين ثمن الغذاء وثمن الدواء.

ويكتسب يوم 17 أكتوبر هذه السنة دلالة إضافية، فقد وضعت الأمم المتحدة الاحتفال ضمن شعار ممتد من 2026 إلى 2028 هو «متحدون من أجل السلام وحقوق الإنسان»، بينما يركز عام 2026 بصورة خاصة على «سكن آمن للجميع». وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من 2.8 مليار إنسان حول العالم يواجهون شكلًا من أشكال عدم ملاءمة السكن، بما يؤكد أن الفقر لا يبدأ فقط من مقدار المال الموجود في الجيب، بل من المكان الذي ننام فيه، ومن المدرسة التي يستطيع أطفالنا الوصول إليها، ومن المستشفى الذي يمكننا طرق بابه، ومن الماء والنقل والطاقة والفرص المتاحة لنا.

وحين أنظر إلى العالم اليوم، أجد أن الإنسانية حققت بالفعل تقدمًا تاريخيًا في تقليص الفقر المدقع، لكنني أجد في الوقت نفسه أن الاحتفال بالنجاح سيكون سابقًا لأوانه. أحدث تحديثات البنك الدولي تضع نسبة من يعيشون في الفقر المدقع عالميًا في حدود 10.1 في المائة، أي نحو 824 مليون إنسان، وفق خط الفقر الدولي البالغ ثلاثة دولارات للفرد يوميًا بأسعار تعادل القوة الشرائية لعام 2021. إنها نسبة أقل بكثير مما عرفته البشرية قبل عقود، لكنها تعني أيضًا أن واحدًا تقريبًا من كل عشرة أشخاص ما يزال يعيش في أقصى درجات الحرمان. كما يشير البنك الدولي إلى أن التقدم أصبح أبطأ وأكثر تفاوتًا، وأن بعض المناطق، ومنها الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، تشهد مسارات أكثر صعوبة.

هذه الأرقام تفرض علي سؤالًا بسيطًا ولكنه مزعج: ماذا تعني التنمية إذا كان مئات الملايين من الناس ما يزالون عاجزين عن ضمان أبسط احتياجات الحياة؟ وماذا تعني معدلات النمو إذا كانت الثروة تتوسع في الأعلى بينما يبقى الخوف من المرض والبطالة والسكن والطعام حاضرًا بقوة في الأسفل؟

أعتقد أن الخطأ الأكبر الذي ارتكبناه طويلًا هو اختزال الفقر في الدخل. الإنسان قد لا يكون مصنفًا فقيرًا وفق عتبة نقدية معينة، لكنه قد يعيش على بعد خطوة واحدة من السقوط. عملية جراحية، فقدان وظيفة، موسم فلاحي سيئ، ارتفاع كبير في الأسعار، وفاة المعيل، أو دين مفاجئ قد تكون كافية لقلب حياة أسرة كاملة. لهذا تبدو لي كلمة الهشاشة أحيانًا أكثر تعبيرًا عن الواقع من كلمة الفقر نفسها. هناك ملايين البشر الذين لا يظهرون في خانة الفقراء، لكنهم يعيشون يوميًا فوق أرض اجتماعية قابلة للانهيار.

وفي المغرب، تكشف الأرقام الرسمية عن صورة تستحق قراءة متأنية بعيدًا عن التهويل مثلما تستحق الابتعاد عن الاطمئنان المفرط. تشير المندوبية السامية للتخطيط إلى أن معدل الفقر المطلق بلغ 3.9 في المائة سنة 2022، بينما بلغ معدل الهشاشة 12.9 في المائة. والمعنى الذي أراه أكثر أهمية هو أن دائرة الأشخاص المعرضين للخطر أكبر بكثير من دائرة من يصنفهم المؤشر المالي فقراء بالفعل.

لكن الصورة تصبح أكثر دلالة عندما ننتقل من الفقر النقدي إلى الفقر متعدد الأبعاد، أي عندما نسأل ليس فقط عن المال، بل عن التعليم والصحة والسكن وظروف العيش والخدمات الأساسية. وهذا بالضبط ما تؤكده المندوبية السامية للتخطيط في مقاربتها الجديدة، إذ تعتبر أن قياس الفقر بواسطة الإنفاق وحده يقدم صورة جزئية، لأن الإنسان قد يكون محرومًا في التعليم أو الصحة أو السكن أو التجهيزات الأساسية حتى وإن تجاوز دخله خطًا إحصائيًا معينًا.

وبحسب خريطة الفقر متعدد الأبعاد المعتمدة على معطيات إحصاء 2024، بلغ المعدل الوطني نحو 6.8 في المائة، مع تفاوتات جهوية لافتة. ففي جهة بني ملال–خنيفرة وصل المعدل إلى 9.8 في المائة، وفي جهة فاس–مكناس إلى 9 في المائة، مقابل 4.3 في المائة في الدار البيضاء–سطات، و2.4 في المائة في العيون–الساقية الحمراء. هذه الأرقام تخبرني بشيء بالغ الأهمية: المغرب لا يعيش فقرًا واحدًا، بل فقرًا متعدد الوجوه والجغرافيات. مكان الولادة والإقامة ما يزال قادرًا على تحديد جانب معتبر من فرص الإنسان في التعليم والصحة والعمل والخدمات.

وهنا أصل إلى المسألة التي أعتبرها جوهرية: لا يمكن القضاء على الفقر بسياسة اجتماعية واحدة موحدة تُسقط من الأعلى على جميع المناطق بالطريقة نفسها. الفقر في قرية جبلية ليس هو نفسه الفقر في هامش مدينة كبرى، وهشاشة العامل الموسمي تختلف عن هشاشة خريج جامعي عاطل عن العمل، ومشكلة أسرة تفتقر إلى النقل المدرسي تختلف عن مشكلة أسرة أخرى يستنزف الإيجار معظم دخلها. مكافحة الفقر تحتاج إلى جغرافيا دقيقة بقدر ما تحتاج إلى ميزانيات ضخمة.

ومع ذلك، لا أريد أن أنكر ما تحقق. المغرب قطع مسافة مهمة في توسيع البنيات الأساسية والكهرباء والماء والطرق والتمدرس والحماية الاجتماعية، وتشير المندوبية بالفعل إلى تراجع الفقر متعدد الأبعاد، خصوصًا في المناطق القروية، مع بقاء فوارق مجالية مهمة. وهذه نقطة يجب الاعتراف بها لأن النقد الجاد لا يعني إنكار التحسن، وإنما قياس المسافة المتبقية بين ما تحقق وما يستحقه المواطن.

المشكلة بالنسبة إلي تبدأ عندما يتحول النجاح الإحصائي إلى ذريعة للاطمئنان. يستطيع مؤشر الفقر أن ينخفض بينما تبقى أسر كثيرة عاجزة عن بناء ادخار يحميها من الصدمات. وقد يتحسن الناتج الداخلي الخام بينما يشعر المواطن أن الأسعار تلتهم دخله. وقد تنمو المدن بينما تكبر الهوامش حولها. الاقتصاد المغربي سجل دينامية نمو معتبرة خلال 2025 والنصف الأول من 2026، لكن البنك الدولي ما يزال يعتبر تشغيل الشباب أحد أبرز التحديات القريبة للمغرب. وهذا منطقي بالنسبة إلي، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لمجتمع شاب هو أن تتحول البطالة من مرحلة مؤقتة إلى أسلوب حياة مفروض.

أنا لا أرى مكافحة الفقر في توزيع المساعدات وحدها. المساعدة ضرورية لمن يحتاجها، والحماية الاجتماعية حق وليست صدقة، لكن المجتمع الذي يريد القضاء فعليًا على الفقر يجب أن يذهب أبعد: إلى مدرسة عمومية قادرة على منح طفل القرية وطفل الحي الشعبي فرصة حقيقية للصعود الاجتماعي، وإلى مستشفى لا يجعل المرض بوابة إلى الإفلاس، وإلى نقل عمومي يجعل السكن البعيد أقل عزلة، وإلى اقتصاد ينتج الوظائف لا المؤشرات فقط، وإلى نظام جبائي أكثر قدرة على توزيع أعباء التنمية بصورة عادلة.

وأرى أيضًا أن معركة الفقر المقبلة ستكون مرتبطة بالتكنولوجيا. الذكاء الاصطناعي والأتمتة والمنصات الرقمية قد تخلق ثروات هائلة وفرصًا جديدة، لكنها قد تعمق الفوارق إذا بقيت المعرفة الرقمية حكرًا على فئات محدودة. هناك فقر جديد يمكن أن يتشكل أمام أعيننا: فقر القدرة على الوصول إلى المعرفة والمهارات والتكنولوجيا. طفل لا يملك اتصالًا جيدًا بالإنترنت أو جهازًا مناسبًا أو مدرسة تدمج الأدوات الرقمية بذكاء قد يصبح بعد سنوات أقل قدرة على المنافسة في سوق عمل تتحول بسرعة. ولذلك فإن محاربة الأمية الرقمية ستكون قريبًا جزءًا لا يتجزأ من محاربة الفقر.

كما أنني لا أستطيع أن أفصل الفقر عن السكن، وهو ما يجعل شعار الأمم المتحدة لعام 2026 ذا معنى خاص. السكن ليس جدرانًا وسقفًا فقط؛ إنه الاستقرار النفسي، والعنوان الذي يعود إليه الطفل بعد المدرسة، والمكان الذي تحفظ فيه الأسرة خصوصيتها وكرامتها. السكن غير اللائق يعيد إنتاج الفقر من جيل إلى آخر، لأن الحي المحروم من المدرسة الجيدة والنقل والحديقة والمستشفى وفرص العمل لا ينتج فقط نقصًا في الراحة، بل ينتج تفاوتًا في المستقبل.

في 17 أكتوبر، أرفض أن أتعامل مع الفقير باعتباره موضوعًا للشفقة. الفقر ليس عيبًا أخلاقيًا في الإنسان، ولا دليلًا على نقص الاجتهاد، ولا قدرًا وراثيًا ينبغي التعايش معه. الإنسان الفقير يحتاج إلى حقه في الفرصة والكرامة والحماية، لا إلى صورة موسمية نلتقطها بجانبه.

وأعتقد أن الاختبار الحقيقي لأي نموذج تنموي لا يوجد في عدد الأبراج التي ترتفع في المدن ولا في سرعة القطارات فقط، بل في سؤال أكثر بساطة: هل يستطيع الطفل المولود في أسرة فقيرة أن يصعد اجتماعيًا بفضل المدرسة والعمل والكفاءة؟ هل يستطيع المريض أن يتعالج دون أن يغرق في الدين؟ هل يستطيع المتقاعد أن يعيش بكرامة؟ هل يستطيع الشاب أن يؤسس حياته من راتبه؟ هل تستطيع المرأة في القرية أن تصل إلى المستشفى والمدرسة والعمل بأمان؟

إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة غير مكتملة، فإن معركة القضاء على الفقر ما تزال مفتوحة.

لهذا أرى في اليوم الدولي للقضاء على الفقر مناسبة لمراجعة معنى التنمية نفسه. التنمية التي لا تقلص الخوف ليست تنمية مكتملة. والثروة التي لا توسع دائرة الكرامة تبقى ثروة ناقصة الأثر. والدولة الاجتماعية لا تقاس فقط بحجم ما تنفقه، بل بقدرتها على منع المواطن من السقوط أصلًا في دائرة الحاجة.

الفقر في النهاية ليس رقمًا في تقرير، بل حياة مؤجلة: زواج مؤجل، علاج مؤجل، دراسة مؤجلة، سفر مؤجل، بيت مؤجل، حلم مؤجل، وأحيانًا مستقبل كامل ينتظر دوره في طابور طويل. والقضاء عليه لا يبدأ في 17 أكتوبر ولا ينتهي فيه، بل يبدأ يوم تصبح فيه كرامة الإنسان هي المؤشر الأول الذي تقيس به الدول نجاحها.


0 التعليقات: