الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أكتوبر 17، 2026

قطار يسافر إلى الأعمار المنسية : عبده حقي


استيقظت هذا الصباح فوجدت لساني معلّقًا على مسمار قرب النافذة، يتأرجح في الهواء مثل سمكة ماتت وهي تحاول أن تتذكر البحر، أما فمي فكان مفتوحًا في الجدار المقابل، بابًا صغيرًا يؤدي إلى درج ينزل ولا يصعد، وكلما اقتربت منه سمعت كلمات تتدحرج في الأسفل مثل علب معدنية فارغة، كلمات كنت قد قلتها منذ عشرين عامًا لرجل لم يولد بعد، وأخرى سأقولها بعد موتي لامرأة تسكن الآن داخل ساعة الحائط ولا تعرف أن الزمن يستهلك قدميها ببطء. حاولت أن أعيد لساني إلى مكانه، لكنه عض إصبعي وقال لي إن عقد العمل انتهى، وإنه تعب من ترجمة الأشياء التي لا تريد أن تُقال، ثم طالبني بأجر السنوات الماضية، وحين سألته عن مقدار الأجر فتح فمه هو الآخر وخرجت منه جنازة طويلة تتقدمها دجاجة سوداء ترتدي نظارات طبيب أسنان.

في المطبخ كان الحزن جالسًا إلى طاولتي يشرب القهوة من حذائي الأيسر، وقد حلق نصف شاربه وترك النصف الآخر ينمو حتى وصل إلى سقف البيت والتف حول المصباح. لم يلتفت إليّ. كان يقرأ جريدة مكتوبة بلغة الأبواب المغلقة، يقلب صفحاتها بأصابع مصنوعة من دخان، وحين جلست أمامه وضع على الطاولة فاتورة وقال إن عليّ أن أدفع ثمن كل الكلمات التي استعملتها لأخفيه. كانت الفاتورة طويلة جدًا، تمتد من المطبخ إلى الشارع، ثم تعبر الحي، ثم المدينة، ثم تختفي في جهة لا أعرف إن كانت شرقًا أم طفولة. قرأت في أعلاها: ثمن جملة قلتها لأمي ولم أقصدها، ثمن اعتذار تأخر سبعة أعوام، ثمن ضحكة استعملتها في جنازة داخلية، ثمن صمت ارتديته أمام امرأة كانت تنتظر كلمة واحدة، وثمن ألف كلمة زائدة قلتها لأن الكلمة الوحيدة الصحيحة كانت تخيفني.

فتحت الخزانة لأبحث عن بعض النقود، فوجدت طفولتي مطوية بين قميصين قديمين. كانت صغيرة جدًا، بحجم منديل، تفوح منها رائحة الطباشير والتراب المبتل، وحين لمستها فتحت عينيها وقالت: أعدني إلى مكان كنتَ فيه قبل أن تتعلم أسماء الأشياء. لم أعرف ماذا تقصد، لكنني وضعتها في جيبي، فتحولت فجأة إلى حصان أبيض أخذ يركض تحت جلدي. شعرت بحوافره تضرب أضلعي، ثم رأيته يخرج من كتفي ويجري عبر الصالون، يخترق الباب دون أن يفتحه، ويختفي في الدرج. بعد دقائق عاد يحمل بين أسنانه رأس معلمي الأول، لكن الرأس كان يضحك ويشرح له قواعد النحو، والحصان يهز رأسه اعتراضًا لأن الأفعال عنده لا تحتاج إلى فاعل؛ يكفي أن تحدث الكارثة لكي تصبح الجملة صحيحة.

خرجت إلى الشارع لأهرب من الحزن، فوجدت المدينة قد غيرت وظائفها أثناء نومي. الصيدلية تبيع الذكريات بالتقسيط، والمخبزة تخبز رسائل الاعتذار، والبنك يمنح قروضًا طويلة الأمد للراغبين في شراء ماضٍ جديد، وعلى باب البلدية كان الموظفون يختمون وجوه المارة بختم أزرق كتب عليه: «صالح للاستمرار حتى إشعار آخر». الناس يسيرون إلى الخلف كي يصلوا إلى أعمالهم، والسيارات متوقفة بينما الطرق نفسها تجري تحتها، والسماء منخفضة إلى درجة أن رجلاً طويل القامة اصطدم رأسه بسحابة فسقط منها مطر قديم يعود إلى سنة لم أعشها.

في الساحة الكبرى وجدت بائعًا ينادي: كلمات طازجة، كلمات غير مستعملة، كلمات تصلح للحب والجنازات وخطب السياسيين. اقتربت منه وسألته إن كان يملك كلمة لا تكذب. حدق في وجهي طويلًا، ثم أغلق دكانه وقال بصوت خافت إن هذا النوع ممنوع منذ قرون. عرض عليّ بدلًا منها كلمة شفافة، قال إنك حين تقولها يراك الآخرون عاريًا من الداخل. اشتريتها رغم تحذيره ووضعتها تحت لساني المفقود، وفورًا بدأت المدينة تنظر إليّ. الجدران عرفت ما أخفيه، الأرصفة عرفت أسماء الذين خذلتهم، النوافذ عرفت الرسائل التي كتبتها ولم أرسلها، حتى الكلاب الضالة توقفت عن النباح ونظرت إليّ بشفقة مهينة، بينما أخذت تماثيل الساحة تغطي وجوهها بأيديها الحجرية.

هربت إلى محطة القطار، لكن القطارات لم تكن تسافر إلى المدن بل إلى الأعمار. فوق الرصيف الأول قطار متجه إلى السابعة عشرة، وعلى الثاني قطار إلى الخامسة والثلاثين، أما الثالث فكان مكتوبًا عليه: «الطفولة – رحلة بلا عودة». اشتريت تذكرة بلا تردد، وعندما صعدت وجدت المقاعد مشغولة بأشخاص يشبهونني في أعمار مختلفة. أنا في العاشرة كان يبكي لأنه أضاع كرة زجاجية، وأنا في العشرين يكتب رسالة حب على ظهر خريطة، وأنا في الأربعين ينظر من النافذة ولا يرى شيئًا، وأنا العجوز يجلس في آخر العربة ويحمل حقيبة مليئة بمفاتيح لأبواب هُدمت منذ زمن. حاولت أن أحدثهم، لكن كل نسخة مني كانت تتكلم بزمن نحوي مختلف، فلم نستطع الاتفاق على فعل واحد.

تحرك القطار إلى الخلف بسرعة رهيبة. المدن تراجعت، الأشجار عادت بذورًا، البيوت انكمشت إلى حجارة، الوجوه عادت صورًا، الصور تحولت إلى ضوء، والضوء انكمش حتى صار نقطة سوداء في عين امرأة لا أعرفها. فجأة دخل المراقب وطلب التذاكر. كان له وجه أبي وصوت ابني ويدان لا تخصان أحدًا. ناولته تذكرتي، فنظر إليها وقال: هذه ليست تذكرة سفر، هذه شهادة وفاة لكلمة. ثم ثقبها بثقب صغير، ومن الثقب خرج سرب من الحروف، طار داخل العربة وبدأ يلتصق بأجساد الركاب. التصقت بي ألف، ثم لام، ثم ميم، فصرت «ألمًا» واقفًا على قدمين. حاولت نزع الحروف عن جسدي، لكنها كانت قد دخلت اللحم وصارت عظامًا.

عند المحطة التالية نزل الحزن. نعم، الحزن نفسه الذي تركته في مطبخي. كان يحمل حقيبة صغيرة ويضع قبعة حمراء سخيفة. اقترب مني وقال إنه سئم مني ويريد أن يبدأ حياة جديدة. شعرت بإهانة غريبة؛ طوال عمري كنت أحاول التخلص منه، فلما قرر الرحيل خفت. سألته إلى أين سيذهب، فقال إلى رجل يولد الآن في غرفة بيضاء في مدينة بعيدة، يحتاج إلى شيء يملأ به المسافة بين أول صرخة وآخر سؤال. مددت يدي لأوقفه، لكنه تحول إلى باب. فتحت الباب فوجدت خلفه البحر واقفًا عموديًا مثل جدار أزرق، والأسماك تمشي فوقه بأحذية سوداء، وفي عمقه كرسي وحيد تجلس عليه امرأة عجوز تحيك من خيوط الماء وجوهًا بشرية ثم تفكها قبل أن تكتمل.

دخلت البحر من الباب ولم أبتل. مشيت فوق القاع بينما الماء يمر من خلال جسدي كأنني فكرة. هناك وجدت الكلمات التي قلتها طوال حياتي مدفونة في الرمل. بعضها كان قد صدئ، بعضها أنبت جذورًا، وبعضها تحوّل إلى مخلوقات صغيرة تزحف مبتعدة عني. رأيت كلمة «أحبك» مكسورة الجناح، وكلمة «غدًا» عجوزًا بلا أسنان، وكلمة «آسف» نائمة داخل صدفة مغلقة، أما كلمة «أنا» فكانت ضخمة إلى درجة أنها حجبت قاع البحر كله. اقتربت منها وضربتها بيدي، فتشققت، وخرج منها آلاف الأشخاص الذين ظننت طوال حياتي أنهم أنا.

ركضوا في كل الاتجاهات. واحد منهم كان يرتدي معطفي، آخر يحمل اسمي، ثالث يملك ذكرياتي، رابع يعرف أسراري، خامس أقسم أنه الأصل وأنني مجرد نسخة سيئة منه. بدأت أصرخ فيهم: من أنا إذن؟ فضحك البحر، وتراجعت الأسماك، وانطفأت الشمس فوق السطح. جاء صوت من مكان غير موجود وقال: أنت المسافة التي تركتها الكلمات بين شيء شعرت به وشيء استطعت قوله.

عندها عاد لساني طائرًا من بعيد، لكنه لم يعد لسانًا بل طائرًا أحمر له منقار من زجاج. حط على كتفي وهمس في أذني: لا تحاول أن تقول ما بك. الأشياء التي تُقال تصغر. ثم نقر رأسي فانفتح مثل نافذة، وخرجت منه غرف كثيرة، ومن كل غرفة شخص نائم يحلم بي.

رأيت نفسي في حلم أحدهم أمشي فوق شارع طويل مصنوع من صفحات الكتب. كلما خطوت على كلمة اختفت، وكلما اختفت كلمة نقص شيء من العالم. اختفت «شجرة» فسقطت الأشجار كلها بلا اسم. اختفت «نافذة» فأصبحت البيوت عمياء. اختفت «أم» فارتج الكون لحظة ثم تظاهر بأنه لم يشعر بشيء. خفت أن أخطو على كلمة «موت»، فحاولت القفز فوقها، لكن قدمي وقعت على كلمة أخرى لم أقرأها، وفجأة صار لكل إنسان في المدينة رأسان: رأس يعيش، ورأس يتذكر حياته بعد أن تنتهي.

عدت إلى بيتي، أو إلى شيء يشبه بيتي بعد أن نسي شكله. كان الحزن قد رحل فعلًا، لكنه ترك معطفه على الكرسي وفاتورته على الطاولة. جلست أمامها طويلًا. لم يعد لساني على المسمار، ولم يعد فمي في الجدار، ولم تعد الخزانة تعرف طفولتي. كان كل شيء هادئًا إلى درجة مخيفة. أخذت قلمًا لأكتب شيئًا، فلم يخرج الحبر. شققت القلم فوجدت داخله شارعًا ضيقًا يمشي فيه رجل وحيد يحمل على ظهره تابوتًا صغيرًا. سألته من الميت، فتوقف وقال: الكلام الذي كان يمكن أن ينقذك.

ثم واصل سيره.

فتحت النافذة.

في الخارج كانت السماء تكنس النجوم بمكنسة طويلة، والقمر واقفًا عند زاوية الشارع يبيع أقراصًا للنسيان، والناس يصطفون أمامه في هدوء، كل واحد يحمل ذاكرته في كيس شفاف. فكرت أن أنزل وأقف معهم، لكن شيئًا ما تحرك في صدري.

ربما كان الحصان.

ربما طفولتي.

ربما كلمة لم أقلها بعد.

فأغلقت النافذة، وجلست أمام الصفحة البيضاء، وبدل أن أكتب، وضعت أذني عليها.

سمعت من الجهة الأخرى شخصًا يكتبني.


0 التعليقات: