ثَمَّةَ صِبَاحَاتٌ لَا تَنْتَهي ، حَتَّى وَإِنْ غَابَتْ شَمْسُها مُنْذُ سَنَوَاتٍ . تَظَلُّ عالِقَةً فِي الذّاكِرَةِ بِكُلِّ تَفاصيلِها الصَّغيرَةِ ، كَأَنَّ الزَّمَنَ عَجَزَ عَنْ انْتِزاعِها مِنْ القَلْبِ . صَباحَ ذَلِكَ الإِثْنَيْنِ كَانَ وَاحِدًا مِنْهَا . دَخَلُتْ عَلَى أُمِّي ، فَرَأَيْتَ المَرَضَ وَقَدْ اسْتَوْلَى عَلَى جَسَدِها النَّحيلِ ، بَيْنَمَا بَقِيَ وَجْهُها يَفِيضُ بِذَلِكَ الحَنانِ اَلَّذِي لَا تَعْرِفُهُ إِلَّا الأُمَّهاتُ . جَلَسْنَا إِلَى مائِدَةِ الفُطُورِ ، لَكِنَّ الطَّعامَ كَانَ أَعْجِزَ مِنْ أَنْ يُغْرِيَهَا بِلُقْمَةٍ واحِدَةٍ ؛ فَقَدْ كَانَتْ تَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ . . . عَنْ لَحْظَةِ سُكونٍ تُطْفِئُ مَا أَثْقَلَهُ الأَلَمُ . قُبِلَتْ يَدَها ، وَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّنِي أَقْبَلُ لِلْمَرَّةِ الأَخيرَةِ اليَدَ اَلَّتِي أَمْسَكُتْ بيَدِي مُنْذُ طُفُولَتِي ، وَرَبَتُتْ عَلَى رَأْسِي فِي أَفْراحِي ، وَمَسْحُتْ دُمُوعِي فِي انْكِساراتِي . خَرَجُتْ موَدِّعًا ، وَأَنَا أَحْمِلُ يَقِينًا ساذَجًا بِأَنَّ الغَدَ سِيمَنْحَنِي فُرْصَةٌ أُخْرَى لِلْجُلُوسِ إِلَى جِوَارِهَا . غَيْرَ أَنَّ المَساءَ سَبَقَ الغَدُ ، وَحَمَلَ إِلَيَّ الخَبَرَ اَلَّذِي شَطْرَ حَيَاتِي إِلَى نِصْفَيْنِ : نِصْفُ كَانَتْ أُمِّي فِيه عَلَى قَيْدِ الحَياةِ ، وَنِصْفٌ آخَرَ أَعيشُ فِيه عَلَى ذِكْرَاهَا وَحْدَهَا . مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ ، صَارَ ذَلِكَ الصَّباحُ وَطَنًا لَا أَسْتَطيعُ مُغَادَرَتَهُ ، وَصَارَتْ قِبْلَةَ اليَدِ الأَخيرَةِ أَثْمَنَ مَا أَمْلِكُ مِنْ مِيرَاثِ الدُّنْيَا . وَهَذِهِ الرُّباعيّاتُ لَيْسَتْ سِوَى مُحاوَلَةٍ لِإِنْقَاذِ مَا تَبَقَّى مِنْ ذَلِكَ الصَّباحِ مِنْ النِّسْيانْ ،ً وَلِأَقولَ لِأُمْي ،ٍّ بَعْد رَحيلْها ،ً مَاُ عَجَز لِسَانًي عَنُ قَوْله قَبْل أَنً تُغْلَقُ عَيْنَيهَا إِلَىً الأَبَد .ِ لَقَدِ كَانَتْ أَمْنا أَكْثَرِ مِنُ أَمً ؛ً كَانَت بَيْتَّا يَجْمَعنَا ،ُ وَدُعاء يَسْبِقُ خَطًّانا ،ْ وَقَلْبًا يَتَّسِعُ لَنَا جَمِيعًا عَلَى اخْتِلافِ أَعْمارِنا وَهُمومِنا .













