في العقود الأخيرة، تحوّل الأدب من فضاء ورقي تقليدي إلى مختبر تجريبي تتقاطع فيه الخوارزميات مع الخيال الإنساني. ومع صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، برز مفهوم جديد في حقل السرد المعاصر يمكن تسميته بـ“الرواية المدفوعة بالبيانات”، أي ذلك النمط من الكتابة الذي يعتمد على الخوارزميات لتوليد البنية السردية والشخصيات والحبكات استناداً إلى قواعد مستخلصة من مجموعات ضخمة من النصوص. هنا لا تختفي يد الكاتب تماماً، لكنها تصبح أقرب إلى دور المهندس أو المخرج الذي يصمم النظام السردي ثم يراقب انبثاق النص داخله، مثل بستاني يزرع شجرة رقمية ويتركها تنمو وفق قوانينها الخاصة.
لقد مهّد الطريق لهذا التحول ظهور ما يسمى بالأدب الإلكتروني، وهو الحقل الذي تناولته دراسات عديدة منذ نهاية القرن العشرين. ففي كتابه الشهير Electronic Literature: New Horizons for the Literary يوضح الباحث الأمريكي ن. كاثرين هايلز (N. Katherine Hayles) أن الأدب الرقمي لا يقتصر على تحويل النصوص إلى صيغ إلكترونية، بل يشمل أيضاً أشكالاً سردية جديدة تولد داخل البيئة الحاسوبية نفسها. هذا التحول يفتح المجال أمام تقنيات الخوارزميات والذكاء الاصطناعي كي تصبح شريكاً في إنتاج المعنى.
في السياق نفسه، يشير الباحث البريطاني ليف مانوفيتش في كتابه The Language of New Media إلى أن الثقافة الرقمية تتشكل من خلال عمليات حسابية يمكن تحليلها وتوليدها برمجياً. وإذا كانت السينما الرقمية قد استثمرت هذه الإمكانيات في المؤثرات البصرية، فإن الرواية الرقمية بدأت بدورها تستكشف إمكانات الخوارزميات في بناء الحكاية. وهنا يظهر السؤال الجوهري: هل يمكن للبيانات أن تصبح مادة خام للسرد، تماماً كما كانت الذاكرة والتجربة الشخصية مادة الرواية التقليدية؟
لفهم هذه الفكرة ينبغي النظر إلى طريقة عمل الخوارزميات السردية. فهذه الأنظمة تعتمد غالباً على تحليل ملايين الجمل والنصوص الروائية، ثم استخراج أنماط متكررة في بناء الشخصيات والحبكات. بعد ذلك يتم تدريب نموذج حاسوبي قادر على توليد نصوص جديدة تستند إلى تلك الأنماط. في هذه العملية تصبح الرواية أشبه بنهر تغذيه روافد متعددة من البيانات، بينما تقوم الخوارزمية بدور المهندس الذي ينظم مجرى الماء.
وقد شهدت السنوات الأخيرة تجارب متعددة في هذا المجال. ففي عام 2016 شارك برنامج ذكاء اصطناعي ياباني في مسابقة أدبية وطنية برواية قصيرة كتبت جزئياً بواسطة خوارزمية، وقد وصلت الرواية إلى المرحلة النهائية من المسابقة، وهو حدث أثار جدلاً واسعاً حول مستقبل الكتابة الإبداعية. كما ظهرت مشاريع بحثية في جامعات مثل ستانفورد ومعهد MIT تهدف إلى استخدام التعلم الآلي في تحليل البنية السردية للأعمال الأدبية، وهو ما قد يسمح مستقبلاً بتوليد روايات كاملة اعتماداً على نماذج إحصائية معقدة.
غير أن الرواية المدفوعة بالبيانات لا تقتصر على إنتاج النصوص آلياً، بل تتضمن أيضاً مفهوماً أعمق يتعلق بإعادة تعريف دور القارئ. ففي بعض المشاريع الرقمية، يتم جمع بيانات عن تفضيلات القراء وسلوكهم أثناء القراءة، ثم تستخدم هذه البيانات لتعديل مسار السرد في الزمن الحقيقي. وهكذا تتحول الرواية إلى كائن حي يتغير باستمرار، مثل مرآة تعكس مزاج الجمهور وتعيد تشكيل الحكاية وفقاً له.
وقد تناول الباحث هنري جينكنز هذه الظاهرة ضمن مفهوم “الثقافة التقاربية” في كتابه Convergence Culture. فهو يرى أن الحدود بين المؤلف والمتلقي أصبحت أكثر سيولة في البيئة الرقمية، وأن السرد المعاصر يتجه نحو أشكال تفاعلية تسمح للجمهور بالمشاركة في إنتاج المعنى. وإذا أضفنا إلى ذلك دور الخوارزميات، فإننا نجد أنفسنا أمام نموذج ثلاثي الأطراف: الكاتب، والآلة، والقارئ.
لكن هذا التحول يطرح أيضاً أسئلة فلسفية عميقة حول طبيعة الإبداع نفسه. فإذا كانت الخوارزمية قادرة على توليد شخصيات وأحداث مقنعة، فهل يمكن اعتبار النص الناتج عملاً أدبياً بالمعنى الكامل للكلمة؟ أم أن الأدب يظل مرتبطاً بالتجربة الإنسانية التي لا يمكن اختزالها في بيانات رقمية؟
يرى بعض النقاد أن الخوارزميات لا تستطيع إنتاج الإبداع الحقيقي لأنها تعتمد أساساً على إعادة تركيب أنماط موجودة مسبقاً. في هذا السياق يشير الفيلسوف جون سيرل إلى أن الأنظمة الحاسوبية قد تحاكي اللغة لكنها لا تفهمها فعلياً. ومع ذلك، فإن تاريخ الأدب نفسه يظهر أن الإبداع غالباً ما ينشأ من إعادة تركيب عناصر سابقة. فالرواية الحديثة، منذ دون كيخوته لميغيل دي ثيربانتس وصولاً إلى أعمال إيتالو كالفينو التجريبية، كانت دائماً فضاءً لتجريب أشكال سردية جديدة.
ومن المفارقات أن بعض الكتّاب المعاصرين بدأوا ينظرون إلى الخوارزميات بوصفها أداة إبداعية لا تهديداً للكتابة. فالرواية المدفوعة بالبيانات قد تساعد الكاتب على اكتشاف مسارات سردية غير متوقعة، تماماً كما يفعل الشاعر الذي يستخدم تقنيات الكتابة التلقائية. وفي هذا السياق يمكن مقارنة دور الخوارزمية بدور الريح في تحريك أشرعة السفينة؛ فهي لا تحدد وجهة الرحلة، لكنها تمنح الحركة طاقة إضافية.
كما أن هذه الظاهرة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعصر البيانات الذي نعيشه اليوم. فالعالم الرقمي ينتج يومياً كميات هائلة من المعلومات، من منشورات وسائل التواصل الاجتماعي إلى سجلات البحث والمراسلات الإلكترونية. هذه البيانات تمثل أرشيفاً ضخماً للحياة البشرية المعاصرة، ويمكن أن تصبح مادة خاماً للرواية الجديدة. تخيل مثلاً رواية تُبنى شخصياتها اعتماداً على تحليل ملايين التغريدات أو الرسائل، بحيث تعكس الأنماط النفسية والاجتماعية للمجتمع في زمن معين.
وقد بدأت بعض المشاريع الفنية بالفعل في استكشاف هذا الاتجاه. فهناك روايات رقمية تعتمد على تحليل الأخبار اليومية لتوليد فصول جديدة باستمرار، مما يجعل النص أشبه بمرآة حية للعالم. وفي هذا السياق يمكن القول إن الرواية المدفوعة بالبيانات تتحول إلى نوع من “الأنثروبولوجيا الرقمية”، حيث تصبح الخوارزميات أدوات لرصد التحولات الثقافية والاجتماعية.
مع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على البعد الإنساني للسرد. فالرواية ليست مجرد سلسلة من الأحداث، بل هي أيضاً تجربة وجدانية تنقل القارئ إلى عوالم داخلية معقدة. وإذا كانت الخوارزميات قادرة على محاكاة البنية السردية، فإنها ما زالت تواجه صعوبة في إنتاج العمق العاطفي الذي يميز الأعمال الأدبية الكبرى.