الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، مارس 03، 2026

عُضْوِيَّةُ النَّصِّ فِي عَصْرِ الشَّاشَةِ: عبده حقي

 


فِي الأُسْبُوعِ المَاضِي، بَدَا الأَدَبُ الرَّقْمِيُّ—فِي المَغْرِبِ وَفِي العَالَمِ العَرَبِيِّ—كأَنَّهُ يَتَحَرَّكُ عَلَى حَبْلَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ: حَبْلِ التَّقْنِيَةِ الَّتِي تُسَرِّعُ الإِنْتَاجَ وَتُغَيِّرُ شَكْلَ الحِكَايَةِ، وَحَبْلِ المَعْنَى الَّذِي يُصِرُّ عَلَى أَنْ يَظَلَّ إِنْسَانِيًّا، مُؤَلَّفًا مِنْ أَسْئِلَةٍ لَا تَشْبَعُ مِنَ الحُرِّيَّةِ وَالتَّجْرِيبِ. لَمْ يَعُدِ النَّصُّ فِي هٰذَا الحَقْلِ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ مُنْضَبِطَةٍ فِي صَفْحَةٍ، بَلْ غَدَا مَشْهَدًا يَتَشَعَّبُ، وَصَوْتًا يَتَدَاخَلُ مَعَ صُورَةٍ، وَرَابِطًا يَفْتَحُ قَاعَاتٍ سِرِّيَّةً فِي ذَاكِرَةِ القَارِئِ وَمُخَيَّلَتِهِ.

فِي المَغْرِبِ، كَانَ الخَبَرُ الأَبْرَزُ ذَاتَ صِلَةٍ مُبَاشِرَةٍ بِمُسْتَقْبَلِ الإِبْدَاعِ المُتَعَدِّدِ الوَسَائِطِ: فَتْحُ بَابِ التَّرَشُّحِ لِبَرْنَامَجٍ يَحْمِلُ رُوحَ “المَخْتَبَرِ” وَيُرَاهِنُ عَلَى جِيلٍ يَكْتُبُ بِالعَيْنِ وَالأُذُنِ وَالمَسِّ فِي آنٍ وَاحِدٍ. الفِكْرَةُ هُنَا لَا تَقِفُ عِنْدَ تَعْلِيمِ مَهَارَاتٍ تِقْنِيَّةٍ فَقَطْ، بَلْ تَذْهَبُ إِلَى صُلْبِ السُّؤَالِ: كَيْفَ نُحَوِّلُ خَيَالًا فَنِّيًّا إِلَى مُنْتَجٍ رَقْمِيٍّ نَاضِجٍ، مِمَّا يَفْتَحُ أَمَامَ القِصَّةِ وَالقَصِيدَةِ وَالسِّينَارْيُو أُفُقًا جَدِيدًا؟ وَفِي تَفَاصِيلِ هٰذَا التَّوَجُّهِ، تَظْهَرُ عُنْوَانَاتٌ مُفْتَاحِيَّةٌ: فُنُونٌ رَقْمِيَّةٌ، وَوَاقِعٌ غَامِرٌ، وَتَحْرِيكٌ، وَأَلْعَابٌ فِيدْيُو؛ أَيْ إِنَّ السَّرْدَ لَمْ يَعُدْ يَطْلُبُ وَرَقًا، بَلْ يَطْلُبُ بِيئَةَ إِنْتَاجٍ وَمُرَافَقَةً وَمُعَدَّاتٍ وَتَشْبِيكًا مِهْنِيًّا، وَهٰذَا بِحَدِّ ذَاتِهِ انْتِقَالٌ مَفْصِلِيٌّ مِنَ “النَّشْرِ” إِلَى “الصَّنْعِ” وَ“التَّجْرِيبِ”.

وَبِالقُرْبِ مِنْ هٰذَا المَسَارِ، تَتَقَدَّمُ المَشْهَدَ إِشَارَةٌ أُخْرَى لَا تَخْلُو مِنْ دَلَالَةٍ: تَزَايُدُ الحَسَاسِيَّةِ تُجَاهَ مَسْأَلَةِ الأَصَالَةِ فِي عَصْرِ التَّوْلِيدِ الآلِيِّ. فَفِي بَعْضِ المُبَادَرَاتِ الثَّقَافِيَّةِ المُعْلَنَةِ خِلَالَ أَيَّامٍ قَرِيبَةٍ، يَتَكَرَّرُ التَّشْدِيدُ عَلَى أَنْ يَكُونَ النَّصُّ أَصْلِيًّا وَغَيْرَ مَكْتُوبٍ بِالوَاسِطَةِ الآلِيَّةِ، وَكَأَنَّ الحَقْلَ يَحَاوِلُ أَنْ يُعِيدَ رَسْمَ الحُدُودِ بَيْنَ “الأَدَاةِ” وَ“المُؤَلِّفِ”. لَيْسَ ذٰلِكَ عَدَاءً لِلتِّقْنِيَةِ، بَلْ هُوَ رَغْبَةٌ فِي أَنْ تَبْقَى الرُّوحُ هِيَ المِحْوَرَ: أَنْ تَكُونَ التِّقْنِيَةُ مِصْبَاحًا لَا بَدِيلًا عَنِ القَلْبِ.

وَفِي سِيَاقٍ مُتَّصِلٍ بِالمَعْرِفَةِ النَّقْدِيَّةِ، بَرَزَ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ صُدُورُ عَدَدٍ جَدِيدٍ مِنْ مَجَلَّةٍ أَكَادِيمِيَّةٍ تَخْتَصُّ فِي السَّرْدِ وَالخِطَابَاتِ الثَّقَافِيَّةِ؛ وَهُوَ خَبَرٌ يَكْتَسِبُ قِيمَتَهُ مِنْ كَوْنِ الأَدَبِ الرَّقْمِيِّ لَا يَكْبُرُ بِالإِنْتَاجِ وَحْدَهُ، بَلْ يَكْبُرُ أَيْضًا بِالنَّقْدِ وَالمَفَاهِيمِ وَتَحْدِيثِ أَدَوَاتِ القِرَاءَةِ. فَكُلُّ نَصٍّ مُتَشَعِّبٍ يَحْتَاجُ إِلَى عُدَّةِ قَارِئٍ جَدِيدَةٍ: قَارِئٍ يَفْهَمُ الرَّابِطَ، وَيَسْمَعُ الصَّوْتَ، وَيَقْرَأُ الصُّورَةَ، وَيُدْرِكُ أَنَّ البِنْيَةَ فِي العَالَمِ الرَّقْمِيِّ تَصِيرُ جُزْءًا مِنَ المَعْنَى.

أَمَّا فِي العَالَمِ العَرَبِيِّ، فَقَدْ لَفَتَتِ الأَنْظَارَ خِلالَ الأُسْبُوعِ المَاضِي خُطْوَةٌ تَدْعَمُ المَعْرِفَةَ بِصِفَتِهَا عُمْقًا ضَرُورِيًّا لِكُلِّ تَحَوُّلٍ رَقْمِيٍّ: تَمْدِيدُ فُرْصَةِ التَّقَدُّمِ لِبَرْنَامَجِ مَنْحٍ بَحْثِيَّةٍ يَفْتَحُ مَجَالًا لِمَشْرُوعَاتٍ تَتَّصِلُ بِالأَدَبِ وَالنَّقْدِ، وَبِاللِّسَانِيَّاتِ التَّطْبِيقِيَّةِ وَالحَاسُوبِيَّةِ، وَبِمَسَائِلِ التَّعْلِيمِ وَالمَعْجَمِ. وَهُنَا يَبْدُو المَعْنَى وَاضِحًا: الأَدَبُ الرَّقْمِيُّ لَا يَعِيشُ فِي الفَرَاغِ؛ إِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى بُنْيَةٍ بَحْثِيَّةٍ تُسَاعِدُ عَلَى فَهْمِ تَحَوُّلِ اللُّغَةِ فِي البِيئَاتِ الرَّقْمِيَّةِ، وَعَلَى تَطْوِيرِ أَدَوَاتٍ تُرَافِقُ الكِتَابَةَ وَالقِرَاءَةَ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ: مِنْ مُعَالَجَةِ اللُّغَةِ آليًّا إِلَى تَحْلِيلِ الخِطَابِ فِي مَسَارِحِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ.

وَإِذَا كَانَتِ المَغْرِبُ يَتَقَدَّمُ فِي جَانِبِ “المَخَابِرِ” وَ“المُرَافَقَةِ الإِنْتَاجِيَّةِ”، فَإِنَّ بَعْضَ العَوَاصِمِ العَرَبِيَّةِ تَتَقَدَّمُ فِي جَانِبِ “السِّيَاسَاتِ المَعْرِفِيَّةِ” وَ“تَمْوِيلِ البَحْثِ”، وَبَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ تَتَكَوَّنُ صُورَةٌ أَشْمَلُ لِمَا يُسَمَّى اليَوْمَ بِالأَدَبِ الرَّقْمِيِّ: صِنَاعَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى مَنْصَّاتٍ وَإِلَى مُخْتَبَرَاتٍ وَإِلَى نُقَّادٍ وَبَاحِثِينَ، وَإِلَى قَارِئٍ جَدِيدٍ يَعْرِفُ أَنَّ النَّصَّ قَدْ يَأْتِي عَلَى شَكْلِ تَجْرِبَةٍ تَفَاعُلِيَّةٍ، لَا عَلَى شَكْلِ صَفْحَةٍ مَصْفُوفَةٍ فَقَطْ.

هٰكَذَا، يَقُولُ الأُسْبُوعُ المَاضِي شَيْئًا وَاحِدًا بِوُضُوحٍ: إِنَّ الأَدَبَ الرَّقْمِيَّ فِي المَغْرِبِ وَالعَالَمِ العَرَبِيِّ لَمْ يَعُدْ “مَوْضَةً” أَوْ “هَامِشًا”، بَلْ صَارَ مِحْوَرًا تُبْنَى حَوْلَهُ خُطَطٌ وَمَنْحٌ وَمَخَابِرُ وَمَجَلَّاتٌ. وَكُلُّ ذٰلِكَ يَعْنِي أَنَّ الحِكَايَةَ العَرَبِيَّةَ تُجَرِّبُ أَنْ تُكْمِلَ مَشْيَهَا فَوْقَ زُجَاجِ الشَّاشَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَفْقِدَ وَهَجَهَا الإِنْسَانِيَّ.


0 التعليقات: