تكشف الأخبار والتقارير الصادرة خلال الأسابيع الأخيرة عن المنظمات الدولية والمؤسسات المتخصصة في الهجرة واللجوء أن حركة البشر عبر الحدود لم تعد مجرد ظاهرة ديموغرافية يمكن اختزالها في أعداد الوافدين والمغادرين، بل أصبحت مرآة كبرى تعكس اضطراب العالم واتساع الحروب والتفاوت الاقتصادي وتغير المناخ وصعود الخطابات السياسية المتشددة. ويشير تقرير الهجرة في العالم لسنة 2026 الصادر عن المنظمة الدولية للهجرة إلى أن عدد المهاجرين الدوليين بلغ نحو 304 ملايين شخص في منتصف سنة 2024، أي ما يعادل 3.7 في المائة من سكان العالم، بعدما كان العدد لا يتجاوز 84 مليونًا سنة 1970. وتعني هذه الزيادة أن الهجرة تحولت إلى مكوّن بنيوي في الاقتصاد العالمي، إذ تسهم اليد العاملة المهاجرة في استمرار قطاعات حيوية كثيرة، لكنها تظل أكثر الفئات عرضة للاستغلال والتمييز وفقدان الحماية القانونية.
ورغم أن بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سجلت تراجعًا طفيفًا في أعداد اللاجئين خلال سنة 2025، فإن حجم الأزمة ما زال بالغ الخطورة. فقد بلغ عدد اللاجئين عالميًا 41.6 مليون شخص، بينما يعيش سبعة من كل عشرة لاجئين في أوضاع نزوح طويلة الأمد قد تستمر سنوات أو عقودًا. وسجلت سنة 2025 عودة 14.7 مليون نازح ولاجئ إلى مناطقهم أو بلدانهم الأصلية، غير أن جزءًا من هذه العودة تم تحت ضغط الظروف القاسية وفي مناطق تفتقر إلى الأمن والخدمات. وفي المقابل، انخفض عدد المستفيدين من إعادة التوطين أو برامج الكفالة بأكثر من النصف، فلم يتجاوز 81 ألفًا وثمانمائة شخص، وهو رقم محدود جدًا مقارنة بملايين المحتاجين إلى مسارات قانونية وآمنة.
وتبرز المأساة البحرية قبالة السواحل الموريتانية باعتبارها أحد أكثر أخبار الهجرة إيلامًا خلال يوليو 2026. فقد أعلنت المفوضية أن 144 مهاجرًا ولاجئًا لقوا حتفهم أو أصبحوا في عداد المفقودين بعد حوادث بحرية وقعت قبالة موريتانيا. وتمكنت عمليات الإنقاذ المنفذة بين 14 و18 يوليو من إيصال 387 شخصًا إلى اليابسة، لكن إحدى القوارب لم ينج منها سوى 38 شخصًا بعد بقائهم نحو خمسة وعشرين يومًا في المحيط الأطلسي، بينما فُقد أو توفي 143 راكبًا. وكان بين الناجين طفلان فقدا جميع أفراد أسرتيهما خلال الرحلة. ويؤكد هذا الحادث أن انخفاض أعداد الوافدين إلى جزر الكناري لا يعني بالضرورة انخفاض محاولات العبور، لأن بعض القوارب تختفي في عرض المحيط من دون أن تُسجل رسميًا.
وتؤكد شبكة الهجرة المختلطة هذه المفارقة، إذ أظهر تقريرها الخاص بغرب إفريقيا أن الوصول إلى جزر الكناري تراجع بنسبة 67 في المائة خلال الربع الثاني من سنة 2026، بينما لم يتراجع عدد الوفيات وحالات الاختفاء المسجلة في المسار الأطلسي إلا بنسبة 16 في المائة. وفي الوقت نفسه، ازدادت الحركة عبر مسار غرب البحر الأبيض المتوسط بنسبة 26 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، في تحول يكشف قدرة شبكات التهريب والمهاجرين على تغيير الطرق كلما ازدادت المراقبة الأمنية. كما أشار التقرير إلى أن الجزائر أصبحت بلد الانطلاق الرئيسي عبر هذا المسار، في وقت تراجع فيه العدد الإجمالي للوافدين إلى إسبانيا بنسبة 33 في المائة.
وعلى الطرف الآخر من آسيا، أثارت تقارير غرق قاربين قبالة سواحل ميانمار مخاوف من وفاة أكثر من خمسمائة شخص، أغلبهم من الروهينغا الفارين من الاضطهاد والفقر وانعدام الجنسية. وقد دعت المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى توسيع عمليات البحث والإنقاذ، بينما طالبت منظمة اللاجئين الدولية بتجديد المساعدات الموجهة إلى الروهينغا وتوفير بدائل قانونية عن الرحلات البحرية. وتزداد خطورة الوضع مع اقتراب أزمة الروهينغا من عامها التاسع، في ظل استمرار مغادرة الأسر للمخيمات المكتظة في بنغلاديش وميانمار بحثًا عن الأمان في ماليزيا وإندونيسيا ودول أخرى.
أما في السودان، فما زالت الحرب تنتج حركة مزدوجة تجمع بين النزوح والعودة غير المستقرة. فقد سجلت الدول المجاورة زيادات جديدة في أعداد الوافدين السودانيين، خاصة جنوب السودان وتشاد وليبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى. وفي المقابل، بلغ عدد العائدين إلى مناطقهم داخل السودان أو من الدول المجاورة أكثر من 4.4 ملايين شخص حتى مايو 2026، بزيادة بلغت 21 في المائة مقارنة بمارس. وكان 83 في المائة منهم عائدين من نزوح داخلي، بينما رجع الباقون من مصر وجنوب السودان وليبيا. ولا تعني هذه العودة بالضرورة استعادة الاستقرار، فقد يرجع الناس بسبب نفاد المدخرات أو صعوبة الإقامة في بلدان اللجوء، لا بسبب زوال المخاطر. كما سجل اليمن وصول أكثر من 26 ألف مهاجر ولاجئ خلال شهري أبريل ومايو، قدم معظمهم عبر جيبوتي.
وفي أوروبا، أعلنت وكالة حرس الحدود والسواحل الأوروبية تراجع عمليات عبور الحدود الخارجية بصورة غير نظامية بنسبة 37 في المائة خلال النصف الأول من سنة 2026، مع تسجيل أكثر من 49 ألف حالة. غير أن هذا الانخفاض العددي يتزامن مع تشديد سياسي وقانوني واسع. فقد حذر المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين من أن تنفيذ الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء قد يقيّد الوصول إلى إجراءات اللجوء، ويضعف ضمانات الحقوق الأساسية، ويُبقي المحتاجين إلى الحماية عالقين عند الحدود الخارجية. كما انتقد تركيز بعض الدول على الاحتجاز والإجراءات العقابية، مقابل ضعف الاستثمار في حماية الأطفال وتقييم حالات المرض والصدمة والهشاشة.
ومع ذلك، تقدم التجربة الإسبانية صورة مختلفة نسبيًا، بعدما استقبل برنامج تسوية أوضاع المهاجرين غير الحاصلين على وثائق قانونية نحو 1.2 مليون طلب خلال سنة 2026. وتوضح الشبكة الأوروبية للتعاون الدولي بشأن المهاجرين غير الحاصلين على وثائق أن معظم دول الاتحاد الأوروبي سبق أن اعتمدت أشكالًا مختلفة من التسوية القانونية، سواء لأسباب إنسانية أو اقتصادية أو اجتماعية. وتؤدي التسوية، عندما تكون إجراءاتها واضحة ومنصفة، إلى إخراج المهاجر من اقتصاد الظل، وتمكينه من العمل القانوني ودفع الضرائب والوصول إلى الرعاية الصحية، بدل إبقائه عرضة للاستغلال والخوف الدائم من الترحيل.
غير أن الاندماج نفسه أصبح مشروطًا بقيود متزايدة في عدد من الدول الأوروبية، مثل رفع شروط اللغة، وإطالة مدة الإقامة المطلوبة للحصول على الجنسية، وتشديد قواعد لمّ شمل الأسر وربط المساعدات بالمشاركة في دورات العمل والاندماج المدني. ويحذر معهد سياسات الهجرة من أن فرض الالتزامات من دون توفير تعليم لغوي مدعوم وتكوين مهني وسكن مناسب قد يعاقب الفئات الأكثر هشاشة بدل مساعدتها. ففصل الأسر وإبقاء اللاجئ سنوات في وضع قانوني هش لا يعززان الاندماج، بل يضاعفان القلق والعزلة ويضعفان القدرة على بناء حياة مستقرة.
ولا تتوقف المخاطر عند الحدود والقوانين، فقد حذرت المفوضية من أن خطاب الكراهية والمعلومات المضللة ومقاطع التزييف العميق أصبحت تلحق أضرارًا حقيقية باللاجئين والعاملين الإنسانيين. وأفاد 93 في المائة من موظفي المفوضية المشاركين في استطلاع حديث بأنهم واجهوا معلومات زائفة أو خطابات كراهية أثرت في تنفيذ أعمال الحماية. وهكذا يتضح أن معركة الهجرة في سنة 2026 ليست معركة أرقام وحدود فقط، بل معركة من أجل حماية الحقيقة والكرامة الإنسانية، وفتح مسارات قانونية للعمل والتعليم ولمّ الشمل، حتى لا يظل البحر المقبرة البديلة لمن أغلقت السياسة أمامهم أبواب الأمل.







0 التعليقات:
إرسال تعليق