الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، يوليو 23، 2026

نص سردي "أَحْمِلُ بِلَادِي فِي جَيْبٍ مَخْفِيٍّ مِنَ الرُّوح" عبده حقي


خرجتُ من بلادي وأنا أجرّ خلفي بيتًا صغيرًا مربوطًا بخيط من دخان، وكانت أمي واقفة عند آخر الطريق تلوّح بيدها، لكن يدها أخذت تكبر كلما ابتعدتُ، حتى صارت غيمة سوداء تغطي السماء، ثم انهمر منها مطر مالح ظل يلاحقني في المطارات والمحطات وأرصفة المدن البعيدة، وكنتُ كلما فتحتُ حقيبتي أجد ملابسي مبللة بصوتها، وأجد مفتاح البيت قد تحوّل إلى سمكة فضية تسبح بين قمصاني، فلا أستطيع الإمساك بها ولا أستطيع إعادتها إلى الباب الذي خرجتُ منه.

كنتُ أظن أن الحدود خط مرسوم على الأرض، ثم اكتشفت أنها تنمو داخل الجسد مثل شجرة شوك، وأن كل ختم يوضع على جواز سفري يغرس مسمارًا صغيرًا في ذاكرتي، حتى صار رأسي جدارًا معلقًا عليه عشرات الأختام، وصار الموظفون يعبرون من جمجمتي بلا استئذان، يفتحون حقائب طفولتي، يقلبون صور أبي، يشمون رائحة خبز أمي، ثم يسألونني ببرود: من أين جئت؟ فأذكر اسم بلادي، فيتحول الاسم بين شفاههم إلى حجر، ويسقط في بئر عميقة لا يصل قاعها إلى أذني.

هنا، أمشي في مدينة مصنوعة من الزجاج، أرى الناس من خلف الجدران ولا أستطيع لمسهم، وأرى نفسي في كل واجهة مكسورًا إلى وجوه كثيرة، وجه يعمل، ووجه يبتسم، ووجه يتعلم اللغة الجديدة، ووجه يظل جالسًا على عتبة البيت القديم ينتظر عودة جسدي، وكلما حاولتُ جمع وجوهي تناثر بعضها في الشوارع، فالتقطها الغرباء ووضعوها أقنعة في احتفالاتهم، وبقيتُ أتنقل بينهم بوجه لا أعرف إن كان لي أم لرجل آخر مات في الطريق وتركني أكمّل حياته.

أستيقظ كل صباح فأجد لغتي نائمة إلى جواري مثل امرأة مريضة، أضع يدي على جبينها فأشعر بحرارة الكلمات، ثم أخرج إلى الشارع وأتركها وحدها، وعندما أعود في المساء أجد بعض حروفها قد سقطت على الأرض، فأجمعها وأضعها في كأس ماء، لعلها تنبت من جديد، لكنها تتحول إلى حشرات صغيرة تصعد على الجدران وتكتب أسماء القرى التي هُجّرت منها ذاكرتي، فأمحوها خوفًا من صاحب الغرفة، ثم أبكي لأنني محوت آخر طريق يقودني إليّ.

أعمل طويلًا في بناية بلا نوافذ، حيث الساعات معلقة من أرجلها مثل خفافيش، وحيث يخرج النهار من آلة معدنية ويعود إليها قبل أن ألمسه، أجمع راتبي آخر الشهر فأجده حفنة من الثلج، أحمله إلى غرفتي فيذوب قبل أن أصل، ولا يبقى في يدي سوى بلل بارد يشبه الخسارة، ومع ذلك أشتري خبزًا لا رائحة له، وسريرًا لا يتذكرني، ومصباحًا يضيء الأشياء لكنه يعجز عن إضاءة قلبي.

غرفتي ضيقة، لكن المنفى واسع، ولذلك يفيض كل ليلة من تحت الباب، يدخل مثل ماء أسود، يصعد إلى ركبتي ثم إلى صدري، فأقف فوق الكرسي وأرفع حقيبتي إلى السقف، وفي داخلها تنام قريتي كاملة: المسجد، المقهى، شجرة التوت، قبر جدي، نافذة أمي، وضحكة أبي التي ماتت قبل أبي بسنوات، وحين يعلو الماء أكثر أفتح الحقيبة، فتخرج القرية طافية حولي، ويمر أهلها في الغرفة واحدًا واحدًا، يحيونني ثم يختفون داخل الجدار، فأمد يدي إليهم، لكن أصابعي تعود محمّلة بالغبار.

أحيانًا أسمع طرقًا على الباب، فأظن أن الوطن جاء أخيرًا لزيارتي، أفتح فلا أجد أحدًا، بل أجد البحر واقفًا في الممر، يرتدي معطفًا أزرق ويحمل قائمة بأسماء الغرقى، يقول لي إنه نسي اسمًا واحدًا ويريد مني أن أتعرف إليه، فأقرأ الأسماء وأجد بينها اسمي مكتوبًا مرات كثيرة، مرة باسم الطفل الذي كنتُه، ومرة باسم الرجل الذي صرتُه، ومرة باسم الشخص الذي كان يمكن أن أكونه لو لم أغادر، فأغلق الباب في وجه البحر، لكنه يتسرب من ثقب المفتاح ويملأ وسادتي بالملح.

أنا لا أنام، أنا أغرق ببطء في سرير يتحول كل ليلة إلى قارب، أجدف بيديّ داخل العتمة، وأرى أمي على الضفة الأخرى تخبز القمر في تنور قديم، وتناديني باسمي الصحيح، ذلك الاسم الذي لم يعد أحد هنا يعرف كيف ينطقه، فأحاول الرد، لكن فمي يمتلئ بالطيور، وتخرج الكلمات من حلقي بأجنحة مكسورة، تدور فوق رأسي ثم تسقط قبل أن تبلغها.

أكتب إليها أنني بخير، فتضحك الورقة، وأكتب أنني سأعود قريبًا، فتفتح الجملة بابًا وتهرب منه، وأكتب أن البلاد تسكنني، فيظهر في صدري شرطي حدود يطلب منها وثيقة إقامة، فأمزق الرسالة وأبتلعها، وتظل حروفها تتحرك في معدتي طوال الليل مثل مسافرين عالقين في محطة لا تصلها القطارات.

كل قطار أركبه يعيدني إلى محطة مختلفة من طفولتي، لكنني لا أستطيع النزول، أرى أبي واقفًا على الرصيف يحمل كيس البرتقال، أرى أختي تركض خلف كرة حمراء، أرى نفسي الصغير يلوّح لي ولا يعرف أنني هو، أضرب زجاج النافذة وأصرخ، لكن القطار يمر من خلال أجسادهم كأنهم دخان، ثم يصل إلى مدينة أخرى لا تعرف شيئًا عنهم، فأهبط وأنا أكبر عشر سنوات في دقيقة واحدة.

تعلمتُ لغة جديدة، وحين نطقتُ أول جملة صحيحة سقطت كلمة من لغتي القديمة وماتت، ثم تعلمتُ جملة أخرى فمات مثل شعبي، وصرتُ أخشى الطلاقة لأنها مقبرة خفية، أخشى أن يأتي يوم أتكلم فيه مثل أهل هذه البلاد تمامًا، فلا تتعرف أمي إلى صوتي إذا اتصلتُ بها، ولا يتعرف قلبي إلى الدعاء إذا مرّ به في الظلام.

أنا رجل يسكن بين مرآتين، واحدة تعكس ماضيًا لا أستطيع العودة إليه، وأخرى تعكس مستقبلًا لا يعترف بي، وبينهما أقف بلا صورة، أحمل بطاقة إقامة في جيبي وقبرًا مؤجلًا في صدري، وأسأل نفسي أي أرض ستقبل جسدي في النهاية، الأرض التي ولدتُ فيها ولم تعد تعرف خطواتي، أم الأرض التي أعيش عليها ولا تعرف اسمي؟

كلما هطل المطر أفتح النافذة وأمد يدي، لعل قطرة وصلت متأخرة من سماء بلادي، أضعها على لساني، فإذا كان طعمها يشبه تراب الحي أغلق عيني وأمشي داخلها، أقطع الشوارع القديمة، أطرق باب البيت، تفتح أمي، لكن وجهها يكون وجه امرأة أخرى، والبيت يتحول إلى سفينة، والسفينة تتحول إلى نعش، والنعش يبحر بي إلى المدينة التي غادرتها منذ زمن ولم أغادرها قط.

أنا المنفي الذي يحمل وطنه في عضو لا يراه الأطباء، فإذا فحصوا قلبي وجدوا فيه شارعًا ضيقًا، وإذا فحصوا رئتي وجدوا فيهما غبار طريق، وإذا فتحوا جمجمتي خرجت منها أصوات الباعة والصلوات والخصومات وضحكات الجيران، وإذا شقوا بطني وجدوا مائدة لا يزال عليها خبز أمي دافئًا منذ عشرين عامًا.

أحيانًا أكره البلاد لأنها تركتني أرحل، وأحيانًا أكره المنفى لأنه لم يتركني أعود، فأظل بين الكراهية والحنين مثل باب يتنازعه بيتان، كل واحد منهما يريد أن يضع عليه قفله، ولا أحد منهما يسأل الباب إن كان قد تعب من الانتظار.

لقد أخذ المنفى وجهي الأول وعلّقه في متحف مهجور، وأعطاني وجهًا جديدًا يصلح للصور الرسمية، أخذ صوتي ومنحني لسانًا مطيعًا، أخذ الليل الذي كنتُ أعرف نجومه وأعطاني سقفًا أبيض لا يطل على شيء، أخذ الموت الذي كان يمكن أن أموت فيه بين أهلي وأعطاني حياة طويلة أعيشها بعيدًا عنهم.

ومع ذلك أقاومه بذاكرة صغيرة أخبئها تحت لساني، أستخرجها عندما أبقى وحدي، فأرى شجرة زيتون تنبت في الغرفة، ويتحول السرير إلى حقل، والمصباح إلى شمس، والجدار إلى أفق مفتوح، وتظهر أمي شابة كما كانت، يظهر أبي بلا تجاعيد، ويظهر اسمي نقيًا قبل أن تلوكه أفواه الغرباء.

أمشي بينهم، ألمس وجوههم، وأقول إنني عدت، لكنهم لا يسمعونني لأنني صرتُ شبحًا في ذاكرتي، ثم يطلع الصباح فتختفي الأشجار والحقول والوجوه، وأجد نفسي واقفًا وسط الغرفة ممسكًا بحفنة تراب لا أعرف من أين جاءت.

أنا لا أحمل حقيبة، أنا الحقيبة نفسها، محشوة بأشياء لا يسمح بها رجال الجمارك: بيت، أم، قبر، طفولة، شجرة، لهجة، رائحة خبز، وخوف قديم من الغياب، وكلما فتحني أحد سقطت مني بلاد كاملة، فيرتبك ويغلقني بسرعة، فأعود إلى السير في المطارات محكم الإغلاق، بينما يصرخ الوطن في داخلي طالبًا الهواء.

وسأظل أمشي، لا لأن الطريق يقود إلى مكان، بل لأن التوقف يعني أن تلحق بي الذكريات وتجلس حولي، سأظل أمشي وأنا أترك خلفي ظلالًا كثيرة، ظل الطفل، ظل المهاجر، ظل الغريب، ظل العائد الذي لم يعد، وكل ظل منها يطالبني بحياة سرقتها منه المسافات.

وحين يتعب قلبي من حمل البلاد سأضعها في قصيدة، وحين تضيق القصيدة بها سأطلقها في الهواء، لعلها تتحول إلى طائر يعرف الطريق، يطير فوق البحر والحدود والأسلاك والأسئلة، يصل إلى نافذة أمي، ينقر الزجاج، ثم يقول لها بصوتي الذي نسيته المدن: ما زلتُ هناك، وإن بدا أنني رحلت.



0 التعليقات: