الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، يوليو 23، 2026

حَرَائِقُ الْغَابَاتِ مَأْسَاةٌ مُتَكَرِّرَةٌ وَحُلُولٌ لَا تَحْتَمِلُ التَّأْجِيلَ: عبده حقي


كلما حلّ فصل الصيف، أجدني أتابع بقلق بالغ مشاهد النيران وهي تلتهم مساحات واسعة من الغابات الجزائرية، وتحاصر القرى والمساكن، وتدفع العائلات إلى الهرب تاركة وراءها البيوت والأراضي والحيوانات والمحاصيل. لم تعد حرائق الغابات في الجزائر حادثًا موسميًّا عابرًا، بل أصبحت مأساة وطنية تتكرر بصورة تكشف حجم الخلل في الوقاية والتخطيط والاستعداد.

إن أكثر ما يثير مخاوفي ليس عدد الهكتارات المحترقة فقط، على فداحة الخسائر البيئية والاقتصادية، وإنما ذلك العدد المرتفع من الضحايا الذين يفقدون حياتهم وسط ألسنة اللهب. فمنذ حرائق سنة 2021، التي خلفت عشرات القتلى، واصلت البلاد تسجيل خسائر بشرية خلال حرائق سنتي 2022 و2023، وصولًا إلى صيف سنة 2026. وتشير الأرقام الواردة في المقال الأصلي إلى أن ما يقارب 180 شخصًا لقوا حتفهم خلال خمس سنوات بسبب هذه الحرائق، وهو رقم يجعل الجزائر من أكثر بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط تضررًا من حيث الخسائر البشرية.

وأنا أستعرض هذه الأرقام، لا أستطيع أن أتجاوز سؤال الشفافية. ماذا حدث للجان التحقيق التي أُعلن عن تشكيلها؟ وما مصير الوعود المتعلقة بتعويض المتضررين وإصلاح ما دمرته النيران؟ إن غياب التقارير الدقيقة والإحصاءات الرسمية الشاملة يجعل المواطن عاجزًا عن معرفة حجم الكارثة الحقيقي، كما يمنع المجتمع من تقييم الإجراءات التي اتُّخذت ومن استخلاص الدروس الضرورية لتفادي تكرار المأساة.

أرى أن السبب الأول في ارتفاع عدد الضحايا يرتبط بطريقة توزيع السكان والعمران. ففي مناطق عديدة، ولا سيما في المناطق الجبلية، توجد قرى ومساكن داخل الغطاء الغابوي أو بمحاذاته مباشرة. وبعض هذه القرى لا يرتبط بالعالم الخارجي إلا عبر طريق جبلية واحدة، فإذا وصلت النيران إلى ذلك الطريق أصبح الإجلاء صعبًا أو مستحيلًا.

لقد كشفت الحرائق السابقة أن النار قد تحاصر قرية كاملة خلال دقائق، خصوصًا عندما تشتد الرياح وترتفع درجات الحرارة. لذلك لا يمكنني النظر إلى هذه الكوارث باعتبارها مجرد حوادث طبيعية؛ فهي ترتبط كذلك بسوء التخطيط العمراني وبغياب مناطق فاصلة بين الغابات والمساكن. لقد أصبح من الضروري إعادة النظر في طريقة بناء القرى وتوسيع المدن، وتحديد المناطق التي لا ينبغي السماح بالبناء فيها بسبب ارتفاع خطر الحرائق.

أما العامل الثاني، فهو التغير المناخي وما يصاحبه من ارتفاع كبير في درجات الحرارة، واستمرار موجات الجفاف، وهبوب رياح قوية. فعندما تجتمع الحرارة المرتفعة مع الأعشاب اليابسة والرياح، تتحول الغابات إلى مادة سريعة الاشتعال، ويصبح الحريق أكثر سرعة وعنفًا وصعوبة في السيطرة.

إن المناخ الذي اعتاد الناس العيش وفقه يتغير بصورة متسارعة. ففصول الصيف أصبحت أشد حرارة، وموجات الحر أصبحت أطول، كما بدأت فترات الجفاف تمتد إلى أشهر إضافية. وفي ظل هذه الظروف، لا يكفي أن ننتظر اشتعال النار ثم نرسل فرق الإطفاء، بل ينبغي أن نغير طريقة تفكيرنا بالكامل، وأن نتعامل مع خطر الحرائق باعتباره تهديدًا دائمًا يحتاج إلى استعداد على مدار السنة.

ويتمثل العامل الثالث في هشاشة الغطاء الغابوي وسوء تدبيره. فالجزائر، رغم مساحتها الجغرافية الواسعة، لا تملك غطاءً غابويًّا كبيرًا مقارنة ببعض دول البحر الأبيض المتوسط. كما يتركز الجزء الأكبر من الغابات في الشمال، حيث توجد كثافة سكانية مرتفعة.

وألاحظ أن المشكلة لا تتعلق بمحدودية الغابات فقط، وإنما بحالتها أيضًا. فهناك مسالك غابوية متدهورة، ونقص في نقاط المياه، وغياب لعمليات منتظمة لإزالة الأعشاب والشجيرات اليابسة. وعندما تُترك الغابة من دون صيانة، تتحول المخلفات النباتية إلى وقود جاهز للاشتعال، فيصعب على فرق الإطفاء الوصول إلى بؤر الحريق أو محاصرتها في الوقت المناسب.

ولا يمكنني أن أتجاهل العامل البشري، الذي يُعد من أبرز أسباب اندلاع الحرائق. فبعض النيران تبدأ بسبب الإهمال، أو حرق الأراضي الزراعية، أو إلقاء أعقاب السجائر، أو انتشار المطارح العشوائية داخل المناطق الغابوية. وقد تتحول قطعة زجاج أو جمرة صغيرة أو نفايات قابلة للاشتعال إلى شرارة تقضي على آلاف الأشجار وتهدد حياة سكان قرية بأكملها.

إن تحويل الغابات القريبة من التجمعات السكانية إلى مطارح مفتوحة يمثل خطرًا بيئيًّا وأمنيًّا حقيقيًّا. ومع ارتفاع درجات الحرارة، تصبح هذه النفايات عاملًا مساعدًا على اندلاع النيران وانتشارها. ولهذا أرى أن حماية الغابات تبدأ كذلك من تغيير السلوك اليومي للمواطن، ومن فرض قوانين صارمة ضد رمي النفايات وحرق الأراضي بصورة عشوائية.

ويزداد الخطر لأن منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط تُعد من المناطق شديدة التأثر بالتغير المناخي. وهذا يعني أن الجزائر قد تواجه موجات حر أكثر تبكيرًا وأطول مدة وأشد قوة، وأن موسم الحرائق قد يبدأ منذ شهر يونيو ويمتد إلى أكتوبر. وإذا بقيت طرق الوقاية والتدخل على حالها، فمن المرجح أن تتكرر الكوارث وتتضاعف الخسائر البشرية والمادية.

ومن وجهة نظري، تبدأ الحلول بالوقاية قبل الإطفاء. يجب تنظيف محيط القرى والمساكن من الأعشاب اليابسة، وإنشاء ممرات عازلة تمنع انتقال النار، وإصلاح المسالك الغابوية، وشق طرق جديدة تسمح لفرق الإنقاذ بالوصول السريع، فضلًا عن إنشاء نقاط مياه وخزانات داخل المناطق الأكثر عرضة للخطر.

كما ينبغي القضاء على المطارح العشوائية، ومراقبة عمليات حرق الأراضي الزراعية، وتوعية الفلاحين بمخاطر بعض الممارسات التقليدية التي ربما كانت مقبولة في ظروف مناخية سابقة، لكنها أصبحت اليوم شديدة الخطورة.

وأرى أيضًا أن الجزائر تحتاج إلى نظام فعال للإنذار المبكر، يستفيد من الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة ووسائل المراقبة الحديثة للكشف عن الحرائق منذ بدايتها. فالدقائق الأولى حاسمة، وكلما كان التدخل أسرع، زادت إمكانية السيطرة على النار قبل أن تتحول إلى كارثة واسعة.

ولا بد من توفير وسائل إطفاء متخصصة، تشمل طائرات قاذفة للمياه ومروحيات ومركبات مناسبة للمناطق الجبلية. كما يجب تكوين فرق محترفة ومدربة على مواجهة حرائق الغابات، بدل إرسال أفراد لا يملكون التدريب والتجهيز الضروريين. فحرائق الغابات لا تُواجَه بالوسائل العسكرية التقليدية، وإنما بالخبرة العلمية والتكوين والعتاد المناسب وخطط الإجلاء المدروسة.

إلى جانب ذلك، أؤمن بضرورة إطلاق برنامج وطني للتشجير الذكي، لا يقوم على غرس النوع نفسه من الأشجار في مساحات متصلة، بل يعتمد تنويع الأصناف واختيار الأشجار الأقل قابلية للاشتعال والأكثر قدرة على مقاومة الحرارة والجفاف. كما يجب تعويض المتضررين بسرعة، لأن ترك المزارع والأراضي المحترقة مهجورة يجعلها عرضة للإهمال، وقد يحولها في الصيف التالي إلى بؤر جديدة للاشتعال.

إن الجزائر، مثل بقية دول العالم، لا تستطيع إيقاف موجات الحر بمفردها، ولا تستطيع إنهاء التغير المناخي في وقت قصير. لكنها تستطيع تقليص عدد الضحايا، وحماية القرى، والحد من مساحة الأراضي المحترقة. والفرق بين كارثة تخلف عشرات القتلى وحريق تتم السيطرة عليه من دون خسائر بشرية يكمن في الاستعداد والوقاية وسرعة التدخل.

لهذا أرى أن الوقت لم يعد يسمح بالمزيد من الوعود المؤجلة. المطلوب هو سياسة وطنية واضحة تتعامل مع حرائق الغابات بوصفها خطرًا دائمًا، وتجمع بين التخطيط العمراني، وحماية البيئة، والتوعية، والتقنيات الحديثة، والتكوين المتخصص. فالنار قد تكون ظاهرة طبيعية في بعض الأحيان، لكن تحولها إلى مأساة بشرية متكررة ليس قدرًا محتومًا.



0 التعليقات: