الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، يوليو 23، 2026

حين تتحول السيادة إلى مشروع للمستقبل: عبده حقي


لا تُقاس نجاعة السياسات الوطنية بكثرة الشعارات التي تُرفع دفاعًا عنها، بل بقدرتها على تحويل المواقف المبدئية إلى حقائق سياسية، والمكتسبات الدبلوماسية إلى شراكات، والانتماء الوطني إلى تنمية وكرامة وأفق مفتوح أمام الأجيال. ومن هذا المنظور، أرى أن السياسة المغربية في الصحراء قد نجحت في الانتقال بالقضية من مرحلة الدفاع التقليدي عن الحقوق التاريخية والسيادية للمملكة إلى مرحلة أكثر نضجًا وفاعلية، عنوانها بناء المستقبل فوق الأرض، وتوسيع دائرة الاعتراف الدولي، وتقديم حل سياسي واقعي قابل للتنفيذ.

لقد أدرك المغرب مبكرًا أن النزاعات الطويلة لا تُحسم بالخطابات المتقابلة وحدها، وإنما تُحسم كذلك بقدرة الدولة على تقديم مشروع سياسي يتمتع بالمصداقية، ويحفظ السيادة، ويمنح السكان صلاحيات واسعة لتدبير شؤونهم المحلية. لذلك جاءت مبادرة الحكم الذاتي، التي قدمتها المملكة سنة 2007، باعتبارها عرضًا سياسيًا متقدمًا لا يلغي خصوصيات الصحراء الثقافية والاجتماعية، بل يضعها داخل إطار مؤسساتي وديمقراطي يضمن تدبيرًا واسعًا للشأن الجهوي تحت السيادة المغربية.

إن قوة هذه المبادرة تكمن، في تقديري، في أنها لا تنطلق من منطق الغالب والمغلوب، ولا تقترح استمرار النزاع بصيغ جديدة، وإنما تفتح الباب أمام مصالحة تاريخية تجمع أبناء المنطقة داخل وطن موحد. وهي تمنح سكان الصحراء إمكانية انتخاب مؤسساتهم التشريعية والتنفيذية والقضائية المحلية، وتدبير مواردهم وبرامجهم التنموية، مع الاحتفاظ للمملكة باختصاصات السيادة والوحدة الوطنية والدفاع والعلاقات الخارجية.

ولم يعد التأييد الدولي للمبادرة المغربية مقتصرًا على مواقف ثنائية متفرقة، بل صار يتخذ طابعًا متناميًا داخل القارات والمؤسسات الدولية. وكانت الحكومة المغربية قد أعلنت في سنة 2024 أن عدد الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي تجاوز 107 دول، إلى جانب افتتاح نحو ثلاثين قنصلية عامة في مدينتي العيون والداخلة، وهو ما يعكس انتقال الدعم من التصريحات السياسية إلى حضور دبلوماسي ومؤسساتي فوق أرض الصحراء. 

والأكثر دلالة أن هذه الدينامية تواصلت خلال سنتي 2025 و2026 بمواقف جديدة صدرت عن دول أوروبية وإفريقية ولاتينية. فقد أكدت ألمانيا مركزية المبادرة المغربية، واعتبرتها أساسًا جادًا وذا مصداقية، كما دعمت النمسا إمكانية قيام حكم ذاتي حقيقي تحت السيادة المغربية، وجددت سويسرا والإكوادور دعمهما للمقترح المغربي. وهذه التحولات ليست مجاملات دبلوماسية عابرة، بل نتيجة تراكم طويل من الحوار والعمل الهادئ وبناء الثقة والمصالح المشتركة. 

ويمثل الموقف الأوروبي المشترك الصادر في التاسع والعشرين من يناير 2026 تطورًا سياسيًا بارزًا؛ فقد رحب الاتحاد الأوروبي بقرار مجلس الأمن رقم 2797، وبإجراء مفاوضات تتخذ من المقترح المغربي للحكم الذاتي أساسًا لها، كما أقر بأن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق. ويكشف هذا الموقف أن المبادرة المغربية أصبحت جزءًا مركزيًا من التفكير الدولي في مستقبل التسوية، ولم تعد مجرد تصور يدافع عنه المغرب منفردًا. 

إنني أرى أن هذا التحول يعكس نجاح دبلوماسية مغربية اختارت النفس الطويل بدل الانفعال، والإقناع بدل الضجيج، والعمل داخل المؤسسات بدل الاكتفاء بردود الأفعال. لقد ربط المغرب قضية الصحراء باستقرار شمال إفريقيا والساحل، وبالأمن الأطلسي، وبالتعاون الاقتصادي مع إفريقيا، موضحًا لشركائه أن حل النزاع ليس مصلحة مغربية فقط، وإنما ضرورة إقليمية لتحرير المنطقة من أحد أقدم أسباب التوتر وتعطيل الاندماج المغاربي.

غير أن السياسة المغربية لم تبنِ قوتها على الدبلوماسية الخارجية وحدها. فالمعركة الحقيقية تجري أيضًا على أرض التنمية والحياة اليومية. لقد تحولت مدن الصحراء إلى فضاءات عمرانية واقتصادية صاعدة، وشهدت الطرق والموانئ والمطارات والتعليم والصحة والطاقات المتجددة والصيد البحري والاستثمار تحولات واضحة. وأصبح ميناء الداخلة الأطلسي، والربط الطرقي مع باقي جهات المملكة، والمشروعات الفلاحية والطاقية والسياحية، عناصر في رؤية تجعل الصحراء حلقة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي.

السيادة التي لا تتحول إلى تعليم وشغل وطرق ومستشفيات وعدالة اجتماعية تظل ناقصة الأثر، أما السيادة التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية فتغدو انتماءً حيًا لا مجرد نص قانوني. ومن هنا تتجلى قيمة النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، ليس فقط بوصفه برنامجًا للبناء، بل باعتباره تعبيرًا عمليًا عن مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها في العيون والداخلة والسمارة وبوجدور وطرفاية وغيرها.

أما الحديث عن رغبة الشعب الصحراوي في العيش داخل المملكة المغربية، فينبغي أن يستند إلى المؤشرات الواقعية، بعيدًا عن التعميم أو المصادرة. فلا يستطيع طرف واحد أن يحتكر تمثيل جميع الصحراويين، كما لا يجوز اختزالهم في سكان المخيمات أو في تنظيم سياسي بعينه. إن أبناء الصحراء يعيشون داخل مدنهم وقبائلهم وأسرهم، ويشاركون في الانتخابات، ويترشحون للمؤسسات المنتخبة، ويديرون مجالس الجهات والجماعات، ويمثلون السكان في البرلمان وفي المحافل الدولية.

وقد شارك منتخبون عن جهتي العيون–الساقية الحمراء والداخلة–وادي الذهب في اجتماعات لجنة تصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة، ودافعوا عن الحكم الذاتي باعتباره مسارًا يحفظ الكرامة ويمنح سكان المنطقة صلاحيات واسعة داخل المملكة. كما أن المشاركة السياسية والانتخابية في الأقاليم الجنوبية تُقدَّم مغربيًا بوصفها مؤشرًا على انخراط قطاعات واسعة من السكان في المؤسسات الوطنية واختيارها العمل من داخل الدولة المغربية. 

ولا تعني هذه المعطيات أن جميع الصحراويين يحملون الرأي نفسه، فالنزاع ما زال موضوع عملية سياسية تشرف عليها الأمم المتحدة، وهناك مواقف متعارضة لا يمكن إنكار وجودها. غير أن قوة الطرح المغربي تظهر في كونه لا يدعو إلى الإقصاء أو الانتقام، بل يفتح أبواب العودة والمشاركة أمام سكان مخيمات تندوف، ويعرض عليهم الاندماج في مشروع حكم ذاتي يصون الخصوصية الحسانية ويضمن المساهمة في تدبير المؤسسات والثروات المحلية.

إن المغرب لا يدعو أبناء الصحراء إلى التخلي عن هويتهم، بل يعتبر الثقافة الحسانية مكونًا من مكونات الهوية الوطنية المغربية. كما أن الحكم الذاتي لا يطلب منهم الذوبان داخل مركز إداري بعيد، وإنما يمنحهم فرصة قيادة شؤونهم المحلية وربط هويتهم الجهوية بوطن قوي ومستقر ومتعدد الروافد.

وأعتقد أن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي بصيغتها العامة إلى تقديم تفاصيلها المؤسسية والقانونية بصورة أوضح: طبيعة البرلمان الجهوي، وصلاحيات الحكومة المحلية، وآليات توزيع الموارد، وضمانات التمثيل والمحاسبة، ومكانة اللغة والثقافة الحسانيتين، وحدود العلاقة بين المؤسسات الجهوية والدولة المركزية. فكلما ازدادت المبادرة وضوحًا، أصبحت أكثر قدرة على إقناع المترددين واستقطاب أبناء المخيمات وتعزيز الثقة الدولية.

كما ينبغي أن تترافق المكاسب الدبلوماسية مع مزيد من العدالة المجالية، ومحاربة الريع، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء، وضمان استفادة السكان المحليين من الثروات وفرص الاستثمار. فنجاح السياسة الوطنية في الصحراء لا يكتمل بكسب اعتراف الدول فحسب، بل يكتمل بكسب ثقة المواطن وصيانة كرامته وإشراكه في القرار.

لقد صنعت المملكة خلال السنوات الأخيرة تحولًا هادئًا وعميقًا: دول جديدة تقترب من الموقف المغربي، وقوى دولية تعتبر الحكم الذاتي أساسًا جادًا وواقعيًا، وقنصليات تُفتح في العيون والداخلة، ومشروعات استراتيجية تعيد تشكيل المجال الصحراوي، ومنتخبون صحراويون يدافعون عن انتمائهم الوطني داخل المؤسسات الدولية.

إنها سياسة تستحق الإشادة والتنويه والتثمين لأنها لم تجعل الصحراء مجرد ملف دبلوماسي، بل حولتها إلى مشروع سيادي وتنموي وإنساني. وقد أثبت المغرب أن الدفاع الأقوى عن الأرض هو إعمارها، وأن أفضل حجة أمام العالم هي بناء نموذج ناجح فوقها، وأن الوحدة الوطنية تصبح أكثر رسوخًا عندما تقترن بالحرية والمشاركة والعدالة والازدهار.

الصحراء المغربية اليوم ليست هامشًا جغرافيًا ينتظر تسوية غامضة، بل فضاء أطلسي صاعد، وبوابة استراتيجية نحو إفريقيا، ومختبر لنموذج جهوي متقدم. ومن يراقب اتجاه المواقف الدولية يدرك أن المغرب لا يراكم التأييد بالصدفة، بل يحصد نتائج سياسة متماسكة جعلت من الحكم الذاتي طريقًا واقعيًا نحو السلام، ومن السيادة مسؤولية في التنمية، ومن الانتماء الوطني اختيارًا يتجدد بالمشاركة والعمل والأمل.


0 التعليقات: