الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، يوليو 24، 2026

الكتاب العربي الجديد بين الذاكرة والاختلاف ونقد السلطة: إعداد عبده حقي


تكشف متابعة أحدث المواد المنشورة في «الضفة الثالثة» و«القدس العربي» و«ميدل إيست أونلاين»، إلى جانب واجهات دور الساقي والآداب وتوبقال والتوحيدي، عن حركة نشر لا يمكن اختزالها في جنس أدبي واحد أو قضية بعينها. فالنافذة الأساسية لهذه المتابعة تمتد من السابع إلى الحادي والعشرين من يوليو 2026، مع إلحاق أحدث الإصدارات التي أمكن التحقق منها لدى الدور التي لا تحدّث صفحاتها يومياً أو تكتفي بذكر سنة الإصدار. وما يجمع هذه الكتب، على اختلافها، هو انشغالها بإعادة النظر في أدوات المعرفة، وبالذاكرة بوصفها مقاومة للنسيان، وبالجسد باعتباره ساحة للصراع الاجتماعي والنفسي، وبالسلطة حين تتحول إلى خطاب أو عنف أو مركز يفرض طريقته في إنتاج المعنى. 

في مقدمة هذه الموجة يبرز كتاب «علوم السرديات ما بعد الكلاسيكية» للباحثة والناقدة العراقية نادية هناوي، الصادر عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، والمعلن عنه في 21 يوليو 2026، من دون أن تحدد الصفحة يوماً مستقلاً للطبع. يقع الكتاب في 230 صفحة وستة فصول، ويتابع مشروع المؤلفة فيما تسميه «الأقلمة السردية». أهمية هذا العمل لا تكمن في جمع أسماء المناهج الجديدة، مثل السرد غير الطبيعي والسرد المعرفي والنسوي والبيئي والوسائطي، بل في اختبار صلاحيتها داخل فضاء ثقافي عربي يرفض أن يبقى مجرد مستهلك للنظرية القادمة من المركز الغربي. إن «الأقلمة» هنا ليست انغلاقاً محلياً، بل عملية نقدية تعيد مساءلة المفاهيم، وتفرّق بين المعرفة القابلة للتداول والهيمنة التي تتخفى في لغة العلم؛ ولذلك يمكن قراءة الكتاب بوصفه دعوة إلى إنتاج نظرية عربية محاورة، لا تابعة ولا مكتفية بالاعتراض. 

ويأتي كتاب هناوي الثاني «الأقلمة الشعرية في المطولات الشعرية العربية»، الصادر عن دار الحوار للنشر والتوزيع في سورية، والمعلن عنه في التاريخ نفسه، ليحوّل الفكرة من السرد إلى الشعر. يتكون العمل من أربعة فصول، ويبحث في دور التقاليد القديمة والنصوص المصدرية، كالمعلقات والقصائد المشهورة وكتب المختارات، في تشكيل أنساق المطولات العربية. الجديد في هذا الطرح أنه لا يعامل التراث بوصفه مستودعاً مغلقاً، بل شبكة من القواعد والشفرات التي يعاد تركيبها عبر العصور. ومن ثم يبدو الكتاب محاولة لفهم الأصالة باعتبارها فعلاً متحركاً: النص اللاحق لا يكرر الأصل، وإنما يؤقلمه ويعيد توزيع رموزه ووظائفه. وبذلك يلتقي الكتابان في مشروع واحد يسعى إلى تحرير الدرس الأدبي العربي من ثنائية التقليد والتبعية، ويستبدلها بعلاقة أكثر تركيباً بين المحلي والكوني. 

أما رواية «غزالة الحب والأحزان» للكاتبة الفلسطينية حزامة حبايب، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في يوليو 2026، فقد تناولتها «الضفة الثالثة» في 20 يوليو. تنتقل الرواية من مركزية المكان الفلسطيني التي طبعت جانباً من أعمال الكاتبة إلى فضاء أوسع تتجاور فيه عمّان، وملفات اللاجئين، وذكريات التعذيب في العراق وسورية، والعائلة الممزقة بين الحب والغيرة والإهمال. وتشتغل على الاعتلال النفسي بوصفه نتيجة محتملة لتاريخ طويل من العنف، لا مجرد صفة فردية معزولة. قيمة الرواية، بحسب ما توحي به بنيتها الدائرية وشخصياتها المتناقضة، أنها ترفض الفصل المريح بين الوحش والضحية؛ فهي تلاحق جذور القسوة، وتضع الذاكرة في مواجهة رغبة الشخصيات في المحو. الحب فيها ليس خلاصاً صافياً، والحزن ليس انكساراً نهائياً، بل قوتان متداخلتان تمنحان الإنسان إمكان مقاومة الخواء الذي تخلّفه الأنظمة القمعية. 

وفي «القدس العربي» ظهر في 14 يوليو 2026 كتاب «شعريات المتخيل والمختلف في النص الشعري الحديث» للشاعر والناقد العراقي علاء حمد، الصادر عن دار جبرا للنشر والتوزيع في 312 صفحة. يقرأ المؤلف تجارب عدد من الشعراء العرب من خلال فكرة الاختلاف، رافضاً تحويل النقد إلى سلّم لترتيب النصوص من الأفضل إلى الأدنى. وهو يستند إلى مفهوم «التكافؤ النصي»، ويرى أن القراءة مشاركة في إنتاج الدلالة، لا استهلاك لمعنى مكتمل. واستحضاره للفيلسوف الفرنسي بول ريكور يضع الكتاب داخل أفق التأويل، أي النظر إلى النص باعتباره فعلاً يستمر بعد انفصاله عن صاحبه. هذه المقاربة مهمة لأنها تدافع عن التعدد في الشعر العربي الحديث، وتمنح كل تجربة حقها في أن تُقرأ من داخل قوانينها، بدل إخضاعها لنموذج جمالي واحد. 

وفي السابع من يوليو قدمت الصحيفة كتابين للناقد العراقي مروان ياسين الدليمي. أولهما «مجازات سينمائية: الفيلم الروائي في أمريكا وأوروبا وأمريكا اللاتينية»، الصادر ضمن مبادرة نقابة الفنانين العراقيين وبالتعاون مع دار «بوك سايننغ»، أي «توقيع الكتب»، في 298 صفحة. يقسم الدليمي مادته وفق الجغرافيات السينمائية الثلاث، لكنه لا يحوّلها إلى حدود صلبة؛ فالسينما الأمريكية تُقرأ من زاوية الإبهار والتوتر الدرامي، والأوروبية من زاوية الفلسفة والتجريب، وسينما أمريكا اللاتينية من خلال امتزاج الواقع بالخيال والنضال. قوة الكتاب أنه يتعامل مع الصورة باعتبارها لغة عابرة للسان، قادرة على تشكيل الوعي ونقل الأسئلة بين الثقافات. غير أن تقسيم السينما جغرافياً يظل محتاجاً إلى الحذر من الصور النمطية، وهي مخاطرة يخففها المؤلف بالانتقال إلى تحليل نماذج محددة، لا الاكتفاء بأحكام عامة. 

والكتاب الثاني للدليمي هو «الفضاء التشكيلي: الانزياح الجمالي في التشكيل العراقي المعاصر»، الصادر عن دار ماشكي للنشر والتوزيع في الموصل، بدعم من جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين. يتناول تجارب سبعة وعشرين فناناً في الرسم والنحت والخزف، ويجعل من «الانزياح» مفتاحاً لفهم انتقال الفن من المألوف إلى التجريب. لا يكتفي المؤلف بوصف الأعمال، بل يسأل عن الصدق والفاعلية، وعن الحد الذي يصبح فيه التعقيد حجاباً بين العمل والمتلقي. ولهذا يبدو الكتاب مقابلاً بصرياً لكتاب «مجازات سينمائية»: كلاهما يبحث في قدرة المرئي على التفكير، لكن الأول يلاحق الصورة المتحركة داخل السرد، بينما يختبر الثاني صمت اللوحة والكتلة والخامة. 

ومن أحدث ما نشره «ميدل إيست أونلاين» خبر النسخة العربية من «مرايتي يا مرايتي... لماذا أكره جسدي؟» للمعالجة النفسية الأمريكية ديب شاكتر والمدربة ويتني أوتو، الصادر عن مؤسسة نوفل التابعة لهاشيت أنطوان، ضمن سلسلة «إشراقات» لتنمية الذات. تسجل الفهارس تاريخ نشره في 18 يونيو 2026، بينما أعيد تقديمه إعلامياً في 20 و21 يوليو، ويقع في 280 صفحة. لا يدعو الكتاب القارئ إلى حب جسده بالقوة، بل إلى فهم النفور منه، واستعمال الغيرة وعدم الرضا بوصفهما إشارتين إلى احتياجات وندوب أعمق. وتمثل هذه المقاربة تحولاً محموداً من خطاب التحفيز السطحي إلى مساءلة «صورة الجسد» وعلاقتها بالخجل واضطرابات الأكل ونظرة الآخرين. ومع ذلك تبقى قيمة الكتاب رهينة قدرة ترجمته العربية على نقل المصطلح النفسي من دون تبسيط أو تحويل المعاناة المركبة إلى وصفات جاهزة. 

وفي الموقع نفسه نُشر في 7 يوليو خبر كتاب «تجليات الدراما في القرآن الكريم: سورة يوسف أنموذجاً» للباحث والفنان المسرحي محمود صبح، الصادر عن دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر في 170 صفحة. ينطلق الكتاب من السورة التي تتميز بتماسك قصصي واضح، ليدرس الحوار، وتدرج الأحداث، والتحول، والتوتر، وبناء الشخصيات من منظور درامي. أهميته أنه يفتح ممراً بين الدراسات القرآنية وفنون العرض من دون أن يختزل النص المقدس في قالب مسرحي جاهز. فالمقاربة الدرامية، إذا حافظت على الفرق بين النص التعبدي والعمل الفني، تستطيع إضاءة الاقتصاد السردي في السورة، وطريقة توزيع المعرفة بين الشخصيات والقارئ، وتحول الرؤيا من علامة غامضة إلى بنية تنظّم الحكاية كلها. 

وفي واجهة دار الساقي يبرز كتاب «البرتغاليون في الخليج العربي: صراع الممرات البحرية وبوادر الهيمنة الأوروبية 1507-1622» للمؤرخ خالد بن محمد مبارك القاسمي. تذكر الصفحة الرسمية سنة 2026، بينما يسجل فهرس النشر تاريخ 7 مايو 2026. يقع الكتاب في 264 صفحة، ويتتبع دخول البرتغاليين إلى الخليج، ومحاولة احتكار الملاحة عبر مضيق هرمز، والصراع مع المماليك والعثمانيين، ثم نمو مقاومة عمانية وخليجية منظمة. وتنبع راهنيته من أنه يعيد التاريخ البحري إلى قلب فهم السياسة: فالممرات ليست خطوطاً على الخريطة، بل مصادر قوة وثروة، ومن يسيطر عليها يعيد ترتيب الإقليم. وهو بذلك يتيح قراءة تاريخية مبكرة لما نسميه اليوم أمن الملاحة والتنافس على سلاسل التجارة. 

وتعرض الدار أيضاً كتاب «حين يتغيّر الوالدان يتغيّر كل شيء: كيف تحقق تحولات مذهلة في سلوك طفلك» للخبير البريطاني بول ديكس، بترجمة مها بحبوح، مع تحديد يوليو 2026 موعداً للصدور. يقوم الكتاب على فكرة بسيطة لكنها جوهرية: تعديل سلوك الطفل يبدأ من مراجعة استجابات الكبار، لا من مضاعفة العقاب. وهو ينقل النقاش التربوي من سؤال «كيف نسيطر على الطفل؟» إلى سؤال «كيف ننظم سلوكنا كي نتيح له التعلم؟». وتبدو أهمية الترجمة العربية في مواجهة ثقافة تربوية ما تزال، في قطاعات واسعة، تخلط بين الحدود والعنف، وبين الطاعة والنضج. غير أن نجاح الكتاب يتطلب تكييف أمثلته مع الأسرة العربية، لأن النصائح التربوية لا تعمل خارج السياق الاجتماعي والمدرسي الذي أنتجها. 

وتضع دار الآداب في صدارة أحدث إصداراتها كتاب «الضحايا المثاليون» للشاعر والكاتب الفلسطيني محمد الكرد، بترجمة سمير سكيني، في 256 صفحة. تثبت صفحة الكتاب سنة الإصدار 2026، من دون يوم أو شهر مستقلين، فيما أدرجته الدار ضمن قائمة إصداراتها الأحدث في يوليو. يفكك الكتاب الشرط الخطابي الذي يطالب الفلسطيني بأن يكون ضحية بلا غضب ولا مقاومة، وأن يصوغ ألمه بلغة مقبولة غربياً كي يستحق التعاطف. إن قوة الكتاب في نقله المعركة من ميدان الحدث وحده إلى ميدان التمثيل: من يملك حق تعريف الضحية؟ ومن يقرر أي انفعال إنساني مشروع؟ وهو يكشف أن الإعلام لا ينقل الواقع فقط، بل ينتقي النموذج الأخلاقي الذي يسمح له بالظهور. لذلك يمثل الكتاب نقداً للاستعمار الخطابي الذي يضيف إلى العنف المادي عبء إثبات الإنسانية. 

وبجوار هذا العمل تضع الدار مجموعة «لا يلتئمان» للكاتبة العمانية هدى حمد، الصادرة سنة 2026، من دون تاريخ يومي منشور في صفحة الكتاب. تتناول القصص أجساداً وقرى أصابها التحول معاً: كهرباء ومدارس وعمالة وافدة وأم بديلة ونساء ينتظرن رجالاً يغيبون طويلاً. الجسد في هذه المجموعة ليس موضوعاً طبياً أو حسياً فقط، بل سجل للقرابة والحرمان والطبقة والهجرة. والعنوان نفسه يلمح إلى علاقة جريحين يواصل كل منهما مطاردة الآخر، كأن عدم الالتئام لا يخص الندبة الفردية، بل المجتمع الذي يدخل الحداثة المادية من دون أن يحسم أسئلته الأخلاقية. تكتب هدى حمد من الهامش الجغرافي لتكشف أن التحولات الكبرى تُقاس بتفاصيل البيت والقرية والرغبة الصامتة.

أما أحدث إصدار واضح أمكن التحقق منه لدار توبقال فهو «اغتراب الصوفي: قراءة في شعرية ابن عربي» للباحث المغربي علي كرزازي، الصادر في مايو 2026. يدرس الكتاب الاغتراب المكاني والوجودي والمعرفي في خطاب محيي الدين ابن عربي، ويربطه بجماليات اللغة الصوفية وموضوعات الأنس والوحشة والحب والوجد والتعالي. لا يتعامل كرزازي مع الاغتراب بوصفه قطيعة سلبية فقط؛ فالصوفي يغترب عن المألوف كي يعيد بناء صلته بالعالم على مستوى آخر. ومن هنا تكتسب الدراسة قيمة معاصرة، لأن تجربة ابن عربي تتيح التفكير في إنسان موزع بين أمكنة وهويات ومعارف متعددة، من دون أن يتنازل عن وحدة داخلية يبحث عنها باستمرار. 

وفي منشورات دار التوحيدي يحضر كتاب «مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس: مذكرات وشهادات» للوزير المغربي الأسبق جمال أغماني، الصادر في 13 أبريل 2026، والذي عاد إلى الواجهة مع لقاء تقديم وتوقيع أُعلن عنه في 15 يوليو. يقع الكتاب في 462 صفحة واثني عشر فصلاً، ويتتبع الطفولة، والعمل الطلابي والحزبي، والتجربة البرلمانية، ووزارة التشغيل والتكوين المهني، ثم الاستشارة الدولية. أهم ما يمنحه هذا النوع من المذكرات هو تحويل التجربة الفردية إلى وثيقة قابلة للمقارنة مع روايات أخرى عن المرحلة نفسها. لكنه يظل، كما يقر صاحبه، رواية شخصية للأحداث؛ ولذلك ينبغي قراءته لا بوصفه الحقيقة النهائية، بل مادة في أرشيف سياسي متعدد الأصوات، يكشف ما تتذكره النخبة وما تسقطه من سردها. 

تتقاطع هذه الإصدارات في اتجاهات واضحة. أولها مقاومة المركز الواحد، سواء كان مركزاً نظرياً غربياً في كتابي نادية هناوي، أو معياراً جمالياً في كتاب علاء حمد، أو نموذجاً غربياً للضحية المقبولة لدى محمد الكرد. وثانيها صعود الذاكرة بوصفها أداة مساءلة: ذاكرة التعذيب في رواية حزامة حبايب، وذاكرة الدولة والعمل السياسي عند جمال أغماني، وذاكرة الصراع البحري في كتاب القاسمي. وثالثها حضور الجسد، من صورته النفسية في «مرايتي يا مرايتي»، إلى ندوبه الاجتماعية في «لا يلتئمان»، وصولاً إلى الجسد المعذب والمهدد في «غزالة الحب والأحزان». أما الاتجاه الرابع فهو عبور الحدود بين الحقول: السرد يلتقي بالنظرية، والقرآن بالدراما، والسينما بالفلسفة، والفن التشكيلي بالتحليل الثقافي، والتربية بمراجعة سلوك الكبار. 

وهكذا لا تبدو خريطة الكتب الجديدة مجرد تراكم عناوين، بل مؤشراً إلى ثقافة عربية تحاول استعادة حقها في طرح الأسئلة من داخل تجربتها. إنها إصدارات ترفض المعنى الجاهز: تعيد قراءة التراث من دون تقديس ساكن، وتستعير المناهج من دون خضوع، وتكتب الذاكرة من دون الادعاء بأنها بريئة، وتقترب من الجسد من دون أن تحصره في المظهر. وبين النقد والرواية والمذكرات والتاريخ وعلم النفس، يتشكل قارئ مطلوب منه ألا يكتفي بالتلقي، بل أن يشارك في إنتاج المعنى، وأن يرى في الكتاب أداة لفهم ما يحدث للإنسان حين تتنازع عليه السلطة والذاكرة والمكان والصورة.



0 التعليقات: