تكشف الحصيلة الثقافية والفنية في المغرب، خلال الفترة الممتدة تقريبًا من 20 إلى 25 يوليوز 2026، عن نشاط صيفي كثيف توزّع بين الجوائز الأدبية والمهرجانات الموسيقية والمعارض التشكيلية والندوات الفكرية والاحتفالات بالتراث اللامادي. وقد امتدت هذه الدينامية من الرباط والدار البيضاء إلى مكناس وآسفي وأكادير ووجدة وبركان وتندرارة، وهو ما يؤكد أن النشاط الثقافي لم يعد حكرًا على المركزين التقليديين، الرباط والدار البيضاء، بل أصبح جزءًا من التنافس الرمزي بين الجهات والمدن.
غير أن كثرة الأنشطة لا تكفي وحدها للحكم على حيوية المشهد الثقافي؛ فالسؤال الأهم يتعلق بما تتركه هذه المناسبات بعد إسدال الستار: هل تنتج أرشيفًا فنيًّا؟ وهل تمنح الشباب فرصًا حقيقية للتكوين والإنتاج؟ وهل تتحول المهرجانات من لحظات احتفالية عابرة إلى مؤسسات مستمرة؟ وفيما يلي قراءة في أبرز ثمانية أنشطة طبعت الأيام الماضية، مع تحليل دلالاتها الثقافية والفنية.
1. جائزة المغرب للكتاب وتكريس التعدد الأدبي واللغوي
شهدت الرباط، يوم 23 يوليوز، حفل تسليم جوائز الدورة السادسة والخمسين لجائزة المغرب للكتاب برسم سنة 2025، بحضور وزير الشباب والثقافة والتواصل وشخصيات من الحقل الفكري والأدبي. وبلغ عدد المؤلفات المرشحة 162 كتابًا موزعة على الشعر والسرد والعلوم الإنسانية والدراسات الأدبية والفنية والترجمة والثقافة الأمازيغية وأدب الأطفال واليافعين. وقد عرفت عدة فروع تتويج عملين مناصفة، من بينها الشعر والسرد والعلوم الإنسانية وأدب الأطفال، بينما لم تُمنح جائزة العلوم الاجتماعية خلال هذه الدورة. [رابط خبر جائزة المغرب للكتاب]
ومن أبرز المتوجين مخلص الصغير ومنير السرحاني في الشعر، وأنيس الرافعي وجمال بن دحمان في السرد، وعبد القادر ملوك وإبراهيم مجيديلة في العلوم الإنسانية، وعبد العالي الدمياني في الدراسات الأدبية والفنية واللغوية، وجمال أبرنوص في الترجمة. كما حضرت اللغة والثقافة الأمازيغيتان في الجائزة من خلال تتويج فاطمة شبلي وصلاح آيت صالح، إلى جانب تخصيص جائزة لأدب الأطفال واليافعين، وهي مؤشرات على اتساع مفهوم الأدب الوطني وتعدده اللغوي والمعرفي.
تحليليًّا، تعكس الجائزة رغبة مؤسساتية في الاعتراف بتنوع الإنتاج المغربي وعدم حصره في الرواية والشعر العربيين. كما أن تتويج كتب صادرة عن ناشرين في الدار البيضاء وبيروت وعمّان يكشف أن الكتاب المغربي يتحرك داخل سوق نشر عربية أوسع، وأن جزءًا من حضوره لم يعد مرتبطًا بالناشر المحلي وحده. غير أن تقاسم الجوائز بين أكثر من عمل قد يكون علامة على ثراء الإنتاج، وقد يُفهم كذلك بوصفه صعوبة في حسم الاختيارات النقدية وترتيب الأعمال وفق معايير واضحة.
أما حجب جائزة العلوم الاجتماعية، فينبغي ألا يُقرأ بوصفه إجراءً تقنيًّا فحسب، بل باعتباره تنبيهًا إلى وضع البحث الاجتماعي المغربي وحاجته إلى مؤلفات تستوفي شروط الجدة والمنهجية والتأثير. وتبقى قيمة الجائزة مرتبطة بما سيأتي بعدها: إعادة طباعة الكتب الفائزة، وتوزيعها في المكتبات، وترجمتها، وتنظيم لقاءات للقراءة حولها، حتى لا يظل التتويج خبرًا احتفاليًّا ينتهي بانتهاء الحفل.
2. تيميتار في أكادير: الأمازيغية تستقبل موسيقى العالم
احتضنت أكادير، من 23 إلى 25 يوليوز، الدورة الحادية والعشرين لمهرجان «تيميتار: علامات وثقافات»، موزعة بين ساحة الأمل ومسرح الهواء الطلق. وجمعت البرمجة فنانين من الموسيقى الأمازيغية والمغربية والإفريقية والعربية، من بينهم نجاة عتابو، وفاطمة تيحيحيت، وزهير بهاوي، وزينة الداودية، وعائشة كوني، وحميد القصري، وفاطمة تبعمرانت، وأودادن، وعبير نعمة وراغب علامة. [رابط البرنامج الرسمي لمهرجان تيميتار]
وقد خصصت سهرة 24 يوليوز لمزيج من أحواش قلعة مكونة والموسيقى الأمازيغية والأغنية الشبابية والشعبية المغربية، إلى جانب عروض إفريقية في مسرح الهواء الطلق. أما سهرة الاختتام فجمعت أحواش الجنوب الكبير وحميد القصري وأودادن وفاطمة تبعمرانت مع أصوات عربية معاصرة، بما ينسجم مع الشعار التاريخي للمهرجان القائم على استقبال الفنانين الأمازيغ لموسيقى العالم. وشهدت إحدى ليالي الدورة حضور زهير بهاوي وزينة الداودية ضمن البرمجة الجماهيرية في ساحة الأمل.
تكمن أهمية «تيميتار» في أنه لا يقدم الموسيقى الأمازيغية باعتبارها مادة فلكلورية محلية مغلقة، بل بوصفها ثقافة قادرة على الحوار مع الإيقاعات الإفريقية والعربية والعالمية. ويكتسب هذا الاختيار دلالة إضافية في مدينة أكادير، حيث ترتبط الثقافة الأمازيغية بالهوية اليومية للسكان وبالاقتصاد السياحي وبصورة المدينة داخل المغرب وخارجه.
لكن التوسع في استضافة نجوم الأغنية الجماهيرية يطرح سؤالًا حول المساحة التي تُمنح للإبداع الأمازيغي الجديد، وخصوصًا التجارب الشابة التي تمزج تاشلحيت بالموسيقى الإلكترونية أو الجاز أو الروك. نجاح المهرجان جماهيريًّا لا ينبغي أن يجعله مجرد منصة ضخمة للأسماء المعروفة؛ إذ يمكنه أن يتحول إلى مختبر للإنتاج والتوثيق والإقامات الفنية، وأن يتيح تسجيل أعمال مشتركة تبقى بعد انتهاء السهرات.
3. مهرجان عيساوة في مكناس: الروحي يلتقي بالجماهيري
عاشت مكناس بين 22 و25 يوليوز على إيقاع الدورة السادسة لمهرجان «عيساوة: مقامات وإيقاعات عالمية». وشهد افتتاحه في ساحة باب المنصور عرضًا قاده المايسترو أمين بودشار، بمشاركة عزيزة المكناسية وطوائف عيساوية من مكناس، إلى جانب حضور صوفي تونسي مزج بين الإيقاعات العيساوية والمالوف والحضرة. وتحوّل الجمهور خلال عرض بودشار إلى جوقة جماعية أدت روائع من الأغنية المغربية والعربية بتوزيعات حديثة.
ولم تقتصر الدورة على السهرات، بل ضمت لقاءات فكرية وورشات ومعارض تراثية ومشاركة عشرات الطوائف العيساوية وفنانين مغاربة وأجانب. وتضمنت الورقة العامة للمهرجان ملتقى حول التصوف، ومنتدى تكوينيًّا بشأن الفن والتنمية المندمجة، واحتفاليات في المواقع التاريخية لمكناس، مع مشاركة واسعة للمقدمين والمعلمين والطوائف الحاملة لهذا التراث.
يمثل المهرجان نموذجًا واضحًا لمحاولة إخراج الفن العيساوي من نطاق الزاوية والطقوس الخاصة إلى الفضاء العمومي الواسع، من دون قطع صلته بجذوره الروحية. كما أن تنظيم الأنشطة أمام باب المنصور وفي المواقع التاريخية يجعل العمارة المكناسية جزءًا من العرض، ويحوّل المدينة القديمة من خلفية جامدة إلى عنصر مسرحي وثقافي حي.
وفي المقابل، يحمل إدراج فنان جماهيري مثل أمين بودشار فرصة ومجازفة في آن واحد. فهو يجذب فئات قد لا تقصد عادة مهرجانًا صوفيًّا، لكنه قد يجعل الطوائف العيساوية تبدو فقرة مرافقة للنجم بدل أن تكون جوهر الحدث. المطلوب هو توازن يحفظ للمهرجان قدرته على الاستقطاب، مع منح المعلمين والباحثين والحرفيين حيزًا يوازي حيز العروض الكبرى، خصوصًا أن الفن العيساوي ليس إيقاعًا فقط، بل تاريخ ولباس وشعر وطقوس وصناعة آلات موسيقية.
4. مهرجان العيطة في آسفي: حماية الذاكرة وتوريثها للشباب
افتتحت آسفي مساء 22 يوليوز الدورة الرابعة والعشرين للمهرجان الوطني للعيطة، بمشاركة رواد من مدارس العيطة المغربية ومواهب شابة، وتكريم عدد من الفنانين الحاملين لهذا الموروث. وشهد الافتتاح عروضًا لسهام المسفيوية وأيوب العبدي، إلى جانب تكريم محجوب الفاطمي وسعيدة أزكيدة ومحمد الزويني وزهرة مورنان. كما استضافت منصة «الكارتينغ» عروضًا مزجت العيطة الرحمانية والعبدية والمرساوية.
وامتد البرنامج حتى 25 يوليوز، متضمنًا سهرات تمثل مدارس العيطة المختلفة، مع حضور خاص للمجموعات المحلية وشيوخ العيطة الحصباوية. ونُظمت كذلك ندوة حول العيطة بين الأصالة والتجديد، وورشة بشأن تحويل العيطة إلى مادة مسرحية، في محاولة لربط الأداء الموسيقي بالبحث الجامعي والتجريب الركحي.
تكتسب هذه الدورة أهميتها من التعامل مع العيطة باعتبارها ذاكرة اجتماعية، لا مجرد غناء شعبي للفرجة. فالعيطة حملت عبر تاريخها أخبار القبائل والمقاومة والعلاقات الاجتماعية والتحولات التي عرفها الريف والبادية، ولذلك فإن إشراك الباحثين في تحليلها يساعد على نقلها من التداول الشفهي المتفرق إلى المعرفة الموثقة.
كما تبدو ورشة «مسرحة العيطة» خطوة لافتة، لأنها تفتح أمام هذا التراث إمكانات سردية وبصرية جديدة. لكن التجديد ينبغي ألا يختزل العيطة في زينة ركحية أو في مقاطع قصيرة قابلة للتداول على الشبكات الاجتماعية. المطلوب هو حفظ النصوص وضبط رواياتها، وتسجيل أصوات الشيخات والشيوخ، وإحداث أرشيف مفتوح للباحثين، قبل ضياع المزيد من الذاكرة بموت حامليها.
5. مهرجان الفنون الشعبية الشرقية ببركان: التراث أمام الخوارزميات
انطلقت ببركان مساء 23 يوليوز الدورة الثالثة عشرة لمهرجان الفنون الشعبية الشرقية، تحت شعار «الفنون الشعبية بين ذاكرة الشعوب وخوارزميات المستقبل». وشارك في الافتتاح فن الركادة من خلال مجموعة «الرونقيات»، وفرقة الركبة من زاكورة، وفرقة فلامنكو إسبانية، إلى جانب عرض وثائقي وتكريم عدد من «الكنوز البشرية» الحاملة للتراث.
وشاركت في الدورة، التي امتدت إلى 25 يوليوز، قرابة 28 فرقة تراثية محلية وجهوية، مع تنظيم سهرات موازية في السعيدية وورشات في الحكاية الشعبية والفنون التشكيلية. كما برمجت ندوة بعنوان «الفنون الشعبية وخوارزميات المستقبل: مقاربة ثقافية ومعرفية»، وسعت التظاهرة أنشطتها إلى عدد من جماعات إقليم بركان بدل حصرها في مركز المدينة.
يعد اختيار العلاقة بين التراث والخوارزميات من أكثر العناوين إثارة في الحصيلة الثقافية الأخيرة. فهو يشير إلى إدراك متزايد بأن حماية التراث لن تتم بالاحتفال الموسمي وحده، وإنما بالرقمنة والتصنيف وبناء قواعد البيانات وتسجيل الحركات والإيقاعات والأزياء والحكايات، بما يسمح للأجيال الجديدة والباحثين بالوصول إليها.
غير أن استعمال عبارة «خوارزميات المستقبل» يظل معرضًا للتحول إلى شعار جذاب إن لم تترتب عليه مشاريع ملموسة. يمكن للمهرجان، مثلًا، إنشاء منصة رقمية لفنون جهة الشرق، وإنتاج تسجيلات عالية الجودة، وتوثيق السير الشفوية لرواد الركادة والعرفة، ووضع قواعد أخلاقية تمنع استغلال أصوات الفنانين وصورهم في أنظمة الذكاء الاصطناعي من دون موافقتهم. عندها فقط تصبح التكنولوجيا أداة لخدمة التراث لا وسيلة لتسويقه لفظيًّا.
6. مهرجان الرحل في تندرارة: الثقافة بوصفها تنمية ترابية
احتضنت تندرارة، بإقليم فجيج، الدورة السادسة لمهرجان الرحل «مجال بني كيل»، تحت شعار «تثمين تراث بني كيل، رافعة للتنمية المجالية». وامتد المهرجان خمسة أيام، جامعًا عروض التبوريدة ومعرضًا جهويًّا للصناعة التقليدية وأنشطة للأطفال ومعرضًا حول الديناصورات، إضافة إلى إبراز نمط العيش البدوي واللباس التقليدي والمطبخ والحرف المحلية.
وتضمن البرنامج «خيمة الشعر» و«حضرة بني كيل» ومحاضرات حول «أدب المناجم» والأراضي الجماعية، إلى جانب تنظيم أول جائزة كبرى للتبوريدة خاصة بالمهرجان. وقدم المنظمون الحدث بوصفه وسيلة للتعريف بمؤهلات المنطقة الطبيعية والثقافية، وجذب الزوار والاستثمارات، وربط التراث الرعوي بالتنمية المحلية.
يوضح هذا المهرجان أن الثقافة في المناطق الحدودية وشبه الصحراوية ليست ترفًا، بل أداة للدفاع عن الذاكرة وعن حق المجال في الظهور داخل الخريطة الوطنية. كما أن إدراج أدب المناجم والأراضي الجماعية يوسع مفهوم الثقافة ليشمل تاريخ العمل والملكية والتحولات الاقتصادية، بدل الاقتصار على اللباس والغناء والفروسية.
لكن ربط التراث بالاستثمار ينبغي أن يتم بحذر، حتى لا تتحول الحياة البدوية إلى مشهد سياحي مصطنع منفصل عن أوضاع السكان الفعلية. قياس نجاح المهرجان لا يكون بعدد الحاضرين فقط، وإنما بما يخلقه من دخل للحرفيين، وما يوفره من فرص للشباب، وما ينجزه من توثيق للشعر الحساني والمحلي ولأسماء الأماكن ومسارات الترحال والعادات الرعوية.
7. مهرجان طرب الآلة في الرباط: من الرواية الشفوية إلى التوثيق العلمي
نظمت الرباط بين 20 و22 يوليوز الدورة التاسعة للمهرجان الجهوي لطرب الآلة تحت شعار «طرب الآلة، تراث حي ومتجدد». وتوزعت فعالياته بين المسرح الوطني محمد الخامس وقاعة باحنيني وقاعة محمد الفاسي، بمشاركة أجواق وموسيقيين ومطربين يمثلون مدارس متعددة للموسيقى الأندلسية المغربية.
وتميزت الدورة بتنظيم ندوة علمية بعنوان «طرب الآلة: من الذاكرة الشفوية إلى تحدي التوثيق العلمي»، إضافة إلى تكريم عدد من الفنانين والباحثين الذين أسهموا في صيانة هذا الفن. وقد وضع البرنامج مسألة البحث الأكاديمي ونقل المعرفة إلى الأجيال الصاعدة ضمن الأهداف الأساسية للمهرجان.
تلامس الندوة واحدة من أعقد قضايا الموسيقى التقليدية المغربية؛ فجزء كبير من هذا التراث انتقل عبر الحفظ والتلقين المباشر داخل الأجواق، ولذلك ترتبط استمراريته بوجود الشيوخ وبقدرة التلاميذ على ملازمتهم. أما التوثيق العلمي فيتيح مقارنة الروايات وضبط الميازين والصنائع والأشعار، وحماية الاختلافات بين مدارس فاس وتطوان والرباط وغيرها.
ومع ذلك، يجب ألا يتحول التوثيق إلى تجميد لطرب الآلة داخل صيغة «صحيحة» واحدة، لأن التراث الموسيقي ظل حيًّا بفضل تعدد الأداء والتفسير. الأفضل هو إنشاء أرشيف صوتي وبصري يحفظ الروايات المختلفة، مع توفير المدونات الموسيقية والنصوص والشروح للجمهور، وتشجيع المؤلفين الشباب على تطوير أعمال تحاور هذا التراث دون إفساد بنيته.
8. معرض «الفن والراي» في وجدة: تحويل الأغنية إلى ذاكرة بصرية
افتتح مهرجان الراي للشرق في وجدة برنامجه الثقافي يوم 22 يوليوز بمعرض تشكيلي بعنوان «الفن والراي»، احتضنه رواق الفنون، وخصص لتوثيق الذاكرة الموسيقية لجهة الشرق والاحتفاء برواد الأغنية الشرقية وفن الراي. ويقدم الفنان يونس ميلودي عبر أعماله صورًا وتكوينات تستعيد وجوهًا ومحطات فنية ساهمت في تشكيل هوية المنطقة الموسيقية.
وبحسب المواد التعريفية للمعرض، تضم التظاهرة عشرين لوحة تحتفي بثلاثة وعشرين اسمًا من رواد الأغنية الشرقية والراي، في مسار بصري يوازي البرنامج الغنائي للمهرجان. وبذلك لم يعد الاحتفاء بالراي مقتصرًا على المنصة والحفل، بل أصبح موضوعًا للتشكيل والتوثيق وإعادة بناء الذاكرة بالصورة.
يمثل المعرض انتقالًا مهمًّا من استهلاك الراي بوصفه موسيقى للرقص والسهر إلى النظر إليه باعتباره تاريخًا فنيًّا واجتماعيًّا. فاللوحة تستطيع تثبيت ما يمر سريعًا في الحفل، كما يمكنها أن تعيد الاعتبار لفنانين رحلوا أو تراجع حضورهم الإعلامي، وأن تجعل وجوههم جزءًا من الذاكرة البصرية للمدينة.
لكن توثيق الراي يحتاج إلى ما يتجاوز البورتريهات الفنية، ليشمل الملصقات القديمة والتسجيلات والأشرطة والصور الشخصية وشهادات الموسيقيين وأصحاب قاعات الحفلات ومنتجي الألبومات. ويمكن أن يكون هذا المعرض نواة لمتحف أو أرشيف جهوي للموسيقى الشرقية، خصوصًا أن وجدة وجرادة وبركان وأحفير لعبت أدوارًا أساسية في تشكل هذا اللون وانتشاره المغاربي.
حصيلة عامة: وفرة في الأنشطة وحاجة إلى أثر دائم
تكشف هذه الأنشطة عن ثلاثة اتجاهات أساسية في المشهد المغربي. أولها اتساع جغرافية الثقافة، حيث نظمت مدن بعيدة نسبيًّا عن المركز، مثل تندرارة وبركان وآسفي ووجدة، تظاهرات مرتبطة بخصوصياتها المحلية. وثانيها الحضور القوي للتراث اللامادي، من العيطة والعيساوة وطرب الآلة إلى الركادة والراي وثقافة بني كيل. أما الاتجاه الثالث فهو محاولة ربط الثقافة بالتنمية والسياحة والتكنولوجيا والتوثيق الأكاديمي.
ومع ذلك، تبدو المهرجانات الموسيقية أكثر حضورًا من المسرح والسينما والفنون الرقمية والإقامات التشكيلية ومختبرات الكتابة. كما أن معظم الأنشطة تتركز في أيام الصيف والمناسبات الوطنية، الأمر الذي يعيد طرح الحاجة إلى سياسة ثقافية تعمل طوال السنة، وتمنح الأولوية للمكتبات والمسارح ودور الثقافة والتكوين الفني، بدل الاكتفاء ببرامج موسمية مكثفة.
إن الحصيلة إيجابية من حيث التنوع والحضور الجهوي والجماهيري، لكنها ستكتسب قيمتها الحقيقية عندما تتحول كل دورة إلى كتاب أو فيلم وثائقي أو أرشيف رقمي أو تسجيل موسيقي أو برنامج لتكوين الشباب. فالثقافة لا تقاس فقط بما يلمع فوق المنصات، بل بما يبقى في ذاكرة المجتمع بعد تفكيكها وانطفاء الأضواء.







0 التعليقات:
إرسال تعليق