لا تُقاس نجاعة السياسات الكبرى بعدد الخطب التي تُلقى دفاعًا عنها، ولا بارتفاع نبرة الشعارات المحيطة بها، وإنما تُقاس بما تحققه من نتائج ملموسة، وما تحدثه من تحولات في مواقف الدول والمؤسسات الدولية. ومن هذا المنظور، أرى أن السياسة المغربية في ملف الصحراء لم تعد تكتفي بالدفاع عن موقف تاريخي وقانوني، بل أصبحت تبني، خطوة بعد أخرى، واقعًا دبلوماسيًّا وتنمويًّا جديدًا يصعب تجاهله أو تجاوزه.
لقد نجح المغرب في إخراج قضية الصحراء من دائرة الجمود التي ظلت حبيسة لها عقودًا طويلة، ونقلها إلى فضاء الحلول الواقعية. لم يعد النقاش الدولي محصورًا في إعادة إنتاج التصورات القديمة، بل أصبح يتمحور بصورة متزايدة حول مضمون مبادرة الحكم الذاتي، وضماناتها السياسية والمؤسساتية، وقدرتها على إنهاء النزاع في إطار السيادة المغربية.
هذا التحول لم يحدث بالمصادفة، ولم يكن ثمرة حملة ظرفية عابرة، بل جاء نتيجة عمل دبلوماسي طويل النفس، قام على الوضوح والاستمرارية وربط الموقف السياسي بالتعاون الاقتصادي والأمني والتنموي. فقد أدرك المغرب أن إقناع العالم لا يتحقق بترديد الحقائق الوطنية داخل الحدود فقط، وإنما بالانفتاح على الشركاء، وشرح المبادرة المغربية، وإبراز ما يمكن أن توفره من استقرار للمنطقة المغاربية والساحل الإفريقي والفضاء المتوسطي.
وجاء قرار مجلس الأمن رقم 2797، المعتمد في أكتوبر 2025، ليضع مبادرة الحكم الذاتي المغربية في قلب المسار التفاوضي، ويدعو إلى مناقشات تتخذ منها أساسًا للوصول إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه. القرار لم يحسم الوضع النهائي للإقليم بصورة أحادية، لكنه عزز بوضوح مركزية المقترح المغربي داخل الجهود الأممية، وهو ما اعتبرته وكالة أسوشيتد برس انتقالًا بالمبادرة إلى صدارة محاولات تسوية النزاع.
أما التحول الأوروبي، فهو من أبرز المؤشرات على نجاح الدبلوماسية المغربية. ففي التاسع والعشرين من يناير 2026، رحّب الاتحاد الأوروبي بالقرار الأممي الجديد، وأكد أن المفاوضات يمكن أن تنطلق على أساس مبادرة الحكم الذاتي المغربية، معتبرًا أن الحكم الذاتي الحقيقي قد يمثل واحدًا من أكثر المآلات قابلية للتطبيق. إن صدور هذا الموقف عن الاتحاد الأوروبي يمنحه وزنًا يتجاوز المواقف الثنائية المتفرقة، لأنه يعكس انتقال المبادرة المغربية إلى مستوى المرجعية السياسية المشتركة داخل الفضاء الأوروبي.
وبحسب معطيات أعلنتها وزارة الخارجية المغربية في أكتوبر 2025، تجاوز عدد الدول المؤيدة لحل يقوم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية مئة وعشرين دولة، من بينها ثلاث وعشرون دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي. ومهما اختلفت طبيعة الصيغ الدبلوماسية التي تستخدمها هذه الدول، فإن الاتجاه العام أصبح واضحًا: قاعدة التأييد تتسع، بينما تتراجع الأطروحات الجامدة التي لم تقدم خلال نصف قرن أفقًا عمليًّا لإنهاء النزاع. (
وقد تعزز هذا المسار خلال سنة 2026 بانضمام دول جديدة إلى دائرة التأييد. فالسويد أعلنت في التاسع عشر من يناير دعمها لمبادرة الحكم الذاتي بوصفها أساسًا ذا مصداقية للمفاوضات المؤدية إلى حل عادل ودائم ومتوافق عليه في إطار الأمم المتحدة. كما رحبت اليابان في مايو 2026 بإمكان قيام حكم ذاتي حقيقي تحت السيادة المغربية، مؤكدة استعدادها لترجمة موقفها على المستويين الدبلوماسي والاقتصادي.
وجاء موقف مالي ليضيف دلالة إفريقية مهمة إلى هذا المسار، بعدما سحبت اعترافها بما يسمى «الجمهورية الصحراوية» وأعلنت تأييدها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، معتبرة إياها الأساس الجدي وذا المصداقية لتسوية النزاع، وأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الأكثر واقعية. هذا القرار يكشف أن دول الساحل بدأت تنظر إلى القضية من زاوية الاستقرار الإقليمي ومحاربة الانفصال والتطرف، لا من خلال الاصطفافات الأيديولوجية الموروثة من حقبة الحرب الباردة.
ولم يتوقف التحول عند التصريحات السياسية. فقد أصبح افتتاح قنصليات دولية في مدينتي العيون والداخلة تعبيرًا مؤسساتيًّا عن الاعتراف بالدور المغربي في الإقليم، وممرًّا نحو إقامة شراكات اقتصادية وتجارية مباشرة. كما رحبت مجموعة من أربعين دولة داخل مجلس حقوق الإنسان بافتتاح عدد من القنصليات في المدينتين، وعدّتها وسيلة لتعزيز الاستثمار والتعاون الاقتصادي لفائدة السكان والتنمية الإقليمية والقارية.
إن قوة الموقف المغربي تكمن في أنه لا يقدم الحكم الذاتي بوصفه انتصارًا لطرف وهزيمة لطرف آخر، بل بوصفه صيغة تحفظ الكرامة والهوية المحلية، وتتيح لسكان الأقاليم الصحراوية تدبير شؤونهم من خلال مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية جهوية، مع بقاء السيادة والدفاع والعلاقات الخارجية والعملة ضمن اختصاص الدولة المغربية.
بهذا المعنى، يصبح الحكم الذاتي مصالحة بين الانتماء الوطني والخصوصية الجهوية، لا إلغاءً لأحدهما لفائدة الآخر. وهو يوفر للصحراويين فرصة المشاركة المباشرة في صناعة القرار، بدل إبقائهم رهائن لنزاع مفتوح، أو تحويلهم إلى مجرد أرقام داخل بيانات سياسية تصدر من خارج الإقليم.
ولا يجوز، في تقديري، اختزال الصحراويين في موقف سياسي واحد أو الادعاء بأن جهة منفردة تحتكر الحديث باسمهم جميعًا. غير أن مشاركة أعداد كبيرة منهم في المؤسسات المنتخبة، وانخراطهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية داخل المملكة، واستمرار عائلات صحراوية في العودة من مخيمات تندوف، تشكل مؤشرات على وجود إرادة واسعة في الاستقرار والعيش ضمن الوطن المغربي والاستفادة من إمكانات التنمية بدل انتظار تسوية مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
فالإنسان الصحراوي يحتاج إلى مدرسة ومستشفى وفرصة عمل وميناء وطريق ومقاولة وجامعة، أكثر مما يحتاج إلى شعارات تستهلك عمره دون أن تغير واقعه. ومن هنا أرى أن النموذج التنموي في الأقاليم الجنوبية يمثل الوجه الآخر للدبلوماسية المغربية؛ إذ لا معنى للدفاع عن الأرض إذا لم يكن الإنسان الذي يعيش فوقها محور السياسات العمومية.
لقد تحولت العيون والداخلة وبقية مدن الجنوب إلى أوراش مفتوحة في مجالات الطرق والموانئ والطاقة المتجددة والصيد البحري والسياحة والتعليم والتكوين. وهذه المشاريع لا تؤدي وظيفة اقتصادية فقط، بل تؤكد أن المغرب يتعامل مع الصحراء باعتبارها فضاءً للمستقبل ومركزًا للربط بين أوروبا وإفريقيا، وليس مجرد منطقة حدودية ينتظر حسم وضعها.
كما أن الشراكات الدولية المتزايدة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية تعكس ثقة متنامية في الاستقرار الذي يوفره المغرب. وفي يوليو 2026 أعادت فرنسا تأكيد موقفها المؤيد للسيادة المغربية، بالتزامن مع توسيع التعاون الاقتصادي والتخطيط لربط كهربائي مباشر يعتمد على إمكانات الطاقة المتجددة. وهذا يوضح أن المواقف الدبلوماسية لم تعد منفصلة عن الرهانات الاستثمارية والاستراتيجية الكبرى.
أعتقد أن المغرب كسب جزءًا مهمًّا من المعركة لأنه حافظ على ثبات الهدف ومرونة الوسائل. لم يتخل عن وحدته الترابية، لكنه لم يغلق باب التفاوض. تمسك بالسيادة، وقدم في الوقت نفسه مبادرة متقدمة لتدبير محلي واسع. واجه خطاب الانفصال، لكنه خاطب المجتمع الدولي بمنطق التسوية والاستقرار والمصالح المشتركة.
ومع ذلك، فإن اتساع التأييد الدولي لا ينبغي أن يقود إلى الاطمئنان المفرط. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى مزيد من الوضوح في شرح تفاصيل الحكم الذاتي، وتعزيز مشاركة النخب الصحراوية، وربط التنمية بالعدالة الاجتماعية، وإفساح المجال أمام الشباب والنساء والكفاءات المحلية. كما تحتاج إلى خطاب هادئ يميز بين الخلاف السياسي وبين الروابط الإنسانية والتاريخية التي تجمع سكان المنطقة.
لقد أثبتت التجربة أن السياسة الناجحة لا تصرخ أكثر من غيرها، بل تتحرك بذكاء، وتراكم المكتسبات، وتجعل الخصوم يواجهون واقعًا جديدًا لم يعودوا قادرين على إنكاره. وهذا بالضبط ما حققه المغرب: نقل مبادرة الحكم الذاتي من مقترح وطني قُدم سنة 2007 إلى مرجعية تحظى بدعم دولي متنامٍ، وفتح أمام الصحراويين أفقًا واقعيًّا للعيش في كنف المملكة المغربية، داخل دولة مستقرة ووطن يتسع لاختلاف جهاته وتعدد روافده.
إن مستقبل الصحراء لن تصنعه الخنادق ولا البيانات المتصلبة، بل ستصنعه إرادة السلام والتنمية والمصالحة. والمغرب، بما راكمه من تأييد وما أنجزه على الأرض، يبدو اليوم أكثر قدرة من أي وقت مضى على تحويل هذا المستقبل من وعد سياسي إلى واقع تاريخي.
عبده حقي








0 التعليقات:
إرسال تعليق