الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أغسطس 01، 2026

الجزائر الغنية التي يزداد مواطنوها فقرًا : عبده حقي


تبدو الجزائر، عند النظر إلى أرقامها الرسمية وثرواتها الطبيعية، بلدًا مؤهلًا ليكون قوة اقتصادية واجتماعية إقليمية. فهي دولة مترامية الأطراف، تزخر باحتياطيات ضخمة من النفط والغاز والحديد والفوسفات والنحاس، ولا يتجاوز عدد سكانها خمسين مليون نسمة. غير أن هذه الصورة النظرية سرعان ما تتهاوى أمام واقع اجتماعي مثقل بالبطالة، وضعف الخدمات، وغلاء المعيشة، وتردي المستشفيات، وأزمة السكن، واستمرار الارتهان للواردات.

المعضلة الجزائرية ليست في ندرة المال، وإنما في نظام سياسي واقتصادي نجح في تبديد الثروة، وفشل في تحويلها إلى تعليم جيد، وصحة محترمة، وفرص عمل حقيقية، وحياة كريمة للمواطن.

بحسب المعطيات الواردة في النص موضوع هذا المقال، تخصص الجزائر سنويًا نحو 41 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي للاستثمار، وهي نسبة تُعد من بين الأعلى عالميًا، بل إنها تتجاوز النسب المسجلة في دول صناعية كبرى مثل فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة. ومع ذلك، لا يلمس المواطن الجزائري أثرًا اجتماعيًا واضحًا لهذه الكتلة المالية الضخمة.

وهنا تبرز المفارقة القاسية: الجزائر تنفق كما لو كانت قوة اقتصادية صاعدة، لكنها تحصد نتائج دولة تعاني اختلالات بنيوية مزمنة.

سجل الاقتصاد الجزائري سنة 2024، وفق الأرقام الواردة في النص، نموًا بنحو 3.6 في المئة، رغم تخصيص أكثر من 41 في المئة من الناتج المحلي للاستثمار. وهذا يعني أن الاقتصاد يحتاج إلى إنفاق استثماري هائل من أجل إنتاج نقطة نمو محدودة، في مؤشر صريح على ضعف المردودية وسوء توجيه الموارد.

لكن خطورة هذا الفشل لا تتجلى في الجداول الاقتصادية وحدها، بل تظهر في حياة الجزائري اليومية.

فما قيمة الحديث عن المليارات إذا كان المواطن ينتظر شهورًا للحصول على موعد طبي؟ وما معنى ارتفاع الاستثمار العمومي إذا كانت مستشفيات كثيرة تفتقر إلى التجهيزات والأدوية والأطر؟ وما جدوى تشييد المشاريع الضخمة إذا ظل الشباب يرى في الهجرة السرية أفقًا أكثر واقعية من العمل داخل بلده؟

السياسة الاجتماعية لا تُقاس بحجم البيانات الرسمية، ولا بعدد الخطب الرئاسية، ولا بقيمة الاعتمادات المعلنة في قوانين المالية. إنها تُقاس بقدرة المواطن على العلاج، والتعليم، والسكن، والعمل، والتنقل، والحصول على الماء والمواد الأساسية من دون طوابير وإهانات.

وعلى هذا المستوى تحديدًا، يبدو الإخفاق الجزائري واضحًا وفادحًا.

أنفقت السلطات الجزائرية، خلال عقود، أموالًا طائلة على بناء صورة دولة قوية وممانعة ومؤثرة إقليميًا. غير أن هذه القوة الدعائية لم تتحول إلى رفاه اجتماعي.

لقد جرى توظيف الثروة النفطية في شراء الولاءات، وتمويل المؤسسات العاجزة، وتوسيع الجهاز البيروقراطي، والمحافظة على شبكة مصالح مرتبطة بمراكز القرار. أما المواطن، فقد حصل في المقابل على نظام دعم مرتبك، وخدمات عامة متدهورة، واقتصاد مغلق، وسوق عمل لا تستوعب الشباب.

إن السلطة التي تتباهى بإنفاق عشرات المليارات مطالبة بأن تفسر للجزائريين لماذا لا تزال مدن كثيرة تعيش على منشآت تعود إلى المرحلة الاستعمارية، ولماذا لا تزال مستشفيات ومرافق أساسية قديمة وغير قادرة على الاستجابة لحاجيات السكان. وقد أشار النص الأصلي نفسه إلى استمرار وجود مدن ومستشفيات تعود بنيتها إلى الحقبة الاستعمارية، وإلى ضعف خلق الوظائف والاعتماد المتواصل على الاستيراد.

هذه ليست أزمة موارد، بل أزمة أولويات.

فعندما تملك الدولة المال ولا توفر مدرسة جيدة، يكون الخلل سياسيًا. وعندما تملك الغاز ولا تضمن الدفء والرفاه لمواطنيها، يكون الفشل تدبيريًا. وعندما تمتلك احتياطيات مالية كبيرة ولا تستطيع بناء اقتصاد منتج، فإن المشكلة تكمن في نموذج الحكم نفسه.

من أبرز نقاط الضعف في النموذج الجزائري سيطرة الدولة شبه المطلقة على النشاط الاقتصادي. فالاستثمار العمومي هو المحرك الرئيسي، بينما يظل الاستثمار الخاص والأجنبي محدودًا للغاية.

وبحسب النص، لا يمثل الاستثمار الأجنبي في الجزائر سوى نحو 0.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، خارج التركيز التقليدي على قطاعي النفط والغاز.

ويعكس هذا الرقم أزمة ثقة عميقة. فالمستثمر لا يغامر بأمواله داخل اقتصاد تحكمه البيروقراطية، وتتغير فيه القواعد، وتضيق فيه حرية المبادرة، وتسيطر عليه المؤسسات الحكومية والاحتكارات.

لا يمكن بناء اقتصاد حديث بموظفين ينتظرون تعليمات الإدارة، ولا بمؤسسات عمومية تستمر في العمل مهما بلغت خسائرها، ولا بمصارف تمنح القروض وفق القرب من السلطة بدل الجدوى الاقتصادية.

إن الدولة الجزائرية تريد أن تكون المنتج والمستثمر والمصرفي والمشغل والمراقب والموزع. وفي النهاية، لا تقوم بأي وظيفة من هذه الوظائف بالكفاءة المطلوبة.

يكشف حجم القروض المتعثرة في النظام المصرفي جانبًا آخر من الاختلال. فوفق المعطيات الواردة في النص، تمثل القروض المشكوك في تحصيلها نحو 20.7 في المئة من مجموع القروض المصرفية، أي إن قرابة خُمس الأموال المقرضة لا تحقق عائدًا اقتصاديًا فعليًا.

إنها نسبة لا تعكس مجرد أخطاء تقنية في التسيير، بل تكشف عن اقتصاد تُمنح فيه الأموال لمؤسسات غير منتجة، وشركات حكومية تعيش على الدعم، ومشاريع لا تخضع للمحاسبة الحقيقية.

وتستفيد شركات عمومية تحتكر قطاعات كاملة من التمويل المتكرر، رغم ضعف خدماتها وخسائرها. فبدل إخضاعها للإصلاح والمنافسة والشفافية، تواصل الدولة ضخ الأموال فيها، ثم ترسل الفاتورة إلى المواطن عبر الضرائب والتضخم وضعف القدرة الشرائية.

بهذا المعنى، لا يصبح المال العام أداة للتنمية، بل وسيلة لتأجيل الانهيار والمحافظة على البنية الاقتصادية نفسها.

اعتمد النظام الجزائري طويلًا على الدعم المباشر وغير المباشر لتهدئة المجتمع. فدُعمت مواد أساسية، ووُزعت مساكن، ومُنحت إعانات ظرفية، ووُسعت كتلة الأجور في القطاع العام.

لكن الدعم، عندما لا يرافقه اقتصاد منتج، يتحول إلى مسكن مؤقت لا يعالج المرض.

فالسياسة الاجتماعية الناجحة لا تعني توزيع جزء من عائدات النفط لشراء الهدوء، بل تعني بناء الإنسان وتمكينه من إنتاج الثروة. وتعني أيضًا توفير تعليم يفتح أبواب المستقبل، وتكوين مهني مرتبط بسوق العمل، ونظام صحي يحفظ الكرامة، وعدالة اجتماعية تمنع احتكار الثروة.

أما في الجزائر، فقد تحولت السياسة الاجتماعية إلى إدارة للأزمات بدل حلها، وإلى توزيع محدود للريع بدل بناء فرص مستدامة.

وتكون النتيجة مجتمعًا يعتمد على الدولة، ودولة تعتمد على المحروقات، ومحروقات تعتمد أسعارها على الأسواق الدولية. وعندما تنخفض الأسعار أو تتراجع العائدات، تظهر هشاشة النموذج كله.

الاقتصاد الناجح هو الذي يحول الدينار المنفق إلى وظيفة، ومدرسة، ومستشفى، وطريق، ونقل عمومي، ومقاولة منتجة. أما الاقتصاد الفاشل فهو الذي يعلن عن المشاريع والميزانيات، ثم يعجز عن تفسير اختفاء آثارها.

وقد لخص النص المشكلة بوضوح: النجاح لا يتحقق بكثرة الإنفاق، وإنما عندما يتحول كل دينار إلى نمو قابل للقياس، وفرصة عمل حقيقية، وخدمة يلمسها المواطن في حياته اليومية.

لكن المواطن الجزائري يبدو آخر المستفيدين من الثروة الوطنية.

فهو يرى الغاز والنفط يُستخرجان من أرضه، لكنه يواجه الغلاء والبطالة ونقص بعض المواد. ويسمع عن الميزانيات الضخمة، لكنه يجد مدرسة مكتظة ومستشفى منهكًا وإدارة بيروقراطية. ويُطلب منه التصفيق للإنجازات، بينما يبحث أبناؤه عن فرصة للهجرة.

إن أبلغ إدانة لأي سياسة اجتماعية هي أن يفقد الشباب الثقة في مستقبل بلدهم.

لن تنجح الجزائر في تحقيق إقلاع اقتصادي واجتماعي حقيقي ما دامت السلطة تتعامل مع الاقتصاد باعتباره مجالًا أمنيًا يجب التحكم فيه، لا فضاءً للإبداع والمبادرة والمنافسة.

إن الاقتصاد لا ينمو بالأوامر، ولا تُخلق الثروة بالبلاغات، ولا تُبنى العدالة الاجتماعية بخطب المناسبات.

الثروة يصنعها المجتمع، والمقاولون، والعمال، والمهندسون، والمزارعون، والمبدعون. أما وظيفة الدولة فهي توفير القانون والشفافية والبنية التحتية وتكافؤ الفرص.

غير أن النظام الجزائري ظل متمسكًا بعقيدة الدولة المهيمنة، لأنه يدرك أن تحرير الاقتصاد سيقود حتمًا إلى المطالبة بتحرير السياسة.

ولهذا، فإن فشل السياسة الاجتماعية في الجزائر ليس مجرد خطأ في توزيع الميزانية، بل هو نتيجة مباشرة لطبيعة النظام المغلق، الذي يخشى المجتمع الحر، والمقاولة المستقلة، والإعلام النقدي، والمحاسبة الديمقراطية.

تثبت التجربة الجزائرية أن امتلاك النفط والغاز لا يصنع دولة ناجحة، وأن ضخ الأموال لا يؤدي تلقائيًا إلى التنمية.

فالمال، من دون حكامة، يتحول إلى هدر. والاستثمار، من دون مراقبة، يتحول إلى فساد. والدعم، من دون إنتاج، يتحول إلى تبعية. والدولة، من دون محاسبة، تتحول إلى عبء على المجتمع.

لقد أهدرت الجزائر فرصًا تاريخية كان يمكن أن تجعلها قوة اقتصادية واجتماعية حقيقية في شمال إفريقيا. غير أن النظام اختار حماية بنيته ومصالحه بدل حماية مستقبل المواطنين.

لهذا، لا يحتاج الجزائريون إلى خطب جديدة عن العظمة، ولا إلى أرقام ضخمة تُعرض في نشرات الأخبار. إنهم يحتاجون إلى دولة تحترم ذكاءهم، وتحاسب المسؤولين عن تبديد أموالهم، وتضع المستشفى والمدرسة وفرصة العمل فوق الدعاية والمغامرات السياسية.

فالبلد الذي ينفق كالصين ولا يحقق لمواطنيه الحد الأدنى من الرفاه، لا يعاني نقصًا في الأموال، بل يعاني فائضًا من سوء الحكم.


0 التعليقات: