تتوزع ذاكرتي اليوم بين كلمات أكتبها، وصور ألتقطها، ومقاطع فيديو أحتفظ بها، وأصوات تعيد إليّ لحظات ظننت أنها عبرت إلى النسيان. لم تعد اليوميات بالنسبة إليّ دفترًا مغلقًا أخبئه في درج مكتبي، بل صارت فضاءً متحركًا تتجاور فيه الكتابة مع الصورة والصوت، ويتحول فيه الماضي الشخصي إلى أرشيف حي يمكن استعادته بطرائق متعددة.
هذا هو جوهر ما يمكن أن نسميه «اليوميات الرقمية»، أو The Digital Diary: سيرة ذاتية متعددة الوسائط، لا تكتفي بسرد الحياة بالكلمات، وإنما تستعين بالفيديو والتسجيلات الصوتية والصور والوثائق والروابط لتعيد بناء التجربة الشخصية في شكل جديد.
كنت دائمًا أعتقد أن الكتابة هي أكثر الوسائل قدرة على مقاومة النسيان. غير أن التجربة الرقمية أضافت إلى الكتابة ذاكرة أخرى. فالصوت يحمل ارتعاشة لا تستطيع الجملة أحيانًا الإمساك بها، والصورة تحفظ ملامح مكان ربما اختفى، أما الفيديو فيستعيد الحركة والضحكة ونبرة الكلام وطريقة النظر إلى الأشياء.
لهذا لم تعد السيرة الرقمية مجرد تطوير تقني للسيرة التقليدية، بل أصبحت شكلًا جديدًا من أشكال الحكي.
في المذكرات الورقية، يقول الكاتب للقارئ: «هذا ما أتذكره». أما في اليوميات الرقمية فإنه يستطيع أن يقول له: «هذا ما أتذكره، وهذه صورة تلك اللحظة، وهذا صوتي وأنا أتحدث عنها، وهذا المقطع الذي بقي شاهدًا عليها».
هنا يتحول القارئ من متلقٍّ للحكاية إلى شاهد قريب منها.
الذاكرة التي لم تعد كلمات فقط
أتخيل مثلًا أنني أكتب عن بيت طفولتي.
في السيرة التقليدية سأصف الباب والنوافذ والساحة والغرف والأصوات والوجوه. سأحاول أن أصنع المكان بالكلمات.
أما في السيرة الرقمية فيمكن أن أضع إلى جانب النص صورة قديمة للبيت، ثم أسجل صوتي وأنا أتحدث عن والدتي، وربما أضيف مقطعًا قصيرًا التقطته في زيارة متأخرة للمكان.
بهذا يصبح النص مركزًا تدور حوله وسائط متعددة.
الكلمة تشرح.
الصورة تشهد.
الصوت يستعيد العاطفة.
والفيديو يعيد للحظة شيئًا من حركتها التي فقدتها.
إننا أمام ذاكرة مركبة لا تعتمد على وسيلة واحدة.
السيرة تتحول إلى فضاء
الكتاب الورقي يسير غالبًا من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة. أما اليوميات الرقمية فيمكن أن تتحرك بطريقة مختلفة.
قد أبدأ بحادثة وقعت في سنة متأخرة، ثم يقودني تسجيل صوتي إلى طفولتي، وتقودني صورة إلى مدينة أخرى، ثم يظهر رابط إلى رسالة كتبتها منذ ثلاثين عامًا.
السيرة هنا لا تصبح خطًا مستقيمًا، بل شبكة.
وهذا في اعتقادي أكثر قربًا من الطريقة التي تعمل بها الذاكرة البشرية نفسها.
فنحن لا نتذكر حياتنا وفق جدول زمني منظم.
قد تفتح رائحة قديمة بابًا في الذاكرة، وقد تعيد أغنية شخصًا غائبًا، وقد تجعلنا صورة واحدة نعود فجأة عشرات السنين إلى الوراء.
اليوميات الرقمية تحاول أن تمنح هذا التشظي شكلًا قابلًا للقراءة.
الصوت بوصفه وثيقة عاطفية
أكثر ما يدهشني في السيرة الرقمية هو التسجيل الصوتي.
يمكن للإنسان أن يصف صوت شخص فقده، لكنه لن يستطيع أن يعيد نبرته بدقة. أما تسجيل قديم مدته عشرون ثانية فقد ينجح في ذلك فورًا.
الصوت يحمل أشياء كثيرة لا تظهر في الكتابة.
التردد.
الفرح.
التعب.
الصمت بين الجمل.
الضحكة المفاجئة.
الارتباك.
لهذا يمكن أن يتحول التسجيل الصوتي داخل اليوميات الرقمية إلى وثيقة إنسانية شديدة القوة.
تصبح السيرة، عندئذ، قادرة على الاحتفاظ بالأصوات التي كان النسيان يبتلعها.
الفيديو يعيد الحركة إلى الماضي
أما الفيديو فيضيف مستوى آخر إلى الذاكرة.
الصورة تجمد اللحظة، بينما يعيد الفيديو إليها الزمن.
نرى الشخص يتحرك، ونسمعه يتحدث، ونلاحظ تفاصيل ربما لم نكن ننتبه إليها لحظة التصوير.
لهذا أتصور أن إدخال الفيديو إلى السيرة الذاتية سيغير مستقبل هذا الجنس الأدبي.
قد يكتب المؤلف فصلًا عن رحلة، ثم يضع داخله مقطعًا قصيرًا من الطريق.
وقد يتحدث عن مدينة أحبها، ثم يمنح القارئ إمكانية مشاهدة الشارع الذي يسكن ذاكرته.
وقد يكتب عن صديق رحل، ثم يتيح تسجيلًا قصيرًا يظهر فيه ذلك الصديق ضاحكًا.
هنا يصبح الزمن نفسه جزءًا من النص.
الكاتب لم يعد وحده
اليوميات الرقمية تغير أيضًا مفهوم المؤلف.
فالكاتب التقليدي يسيطر تقريبًا على جميع عناصر السرد بالكلمات.
أما الكاتب الرقمي فيصبح قريبًا من المخرج.
عليه أن يختار النص والصورة والصوت والفيديو، وأن يقرر موضع كل عنصر، وأن يفكر في العلاقة بين هذه المواد المختلفة.
إنه لا يكتب السيرة فقط، بل يصمم طريقة دخول القارئ إليها.
وهذا التحول يجعل الكتابة أقرب إلى فن المونتاج.
قد تكون لديّ عشر صور لحدث واحد، لكن عليّ أن أختار واحدة.
وقد أمتلك ساعة كاملة من التسجيل، لكنني أحتاج إلى دقيقة واحدة فقط.
المشكلة هنا لم تعد في نقص المادة، بل في كثرتها.
أرشيف حياتنا موجود أصلًا
المفارقة أن معظمنا يكتب اليوميات الرقمية بالفعل من دون أن يسميها كذلك.
هواتفنا مليئة بالصور.
لدينا رسائل صوتية.
لدينا مقاطع فيديو.
لدينا محادثات إلكترونية.
لدينا منشورات على شبكات التواصل.
لدينا رسائل بريد إلكتروني قديمة.
لدينا مواقع زرناها، وأغانٍ استمعنا إليها، وصور حفظناها، وتعليقات كتبناها.
إن حياتنا تنتج أرشيفًا رقميًا ضخمًا كل يوم.
لكن هذا الأرشيف يظل مبعثرًا.
المشروع الأدبي الحقيقي يبدأ عندما يتحول هذا الركام إلى سرد.
فالفرق كبير بين تخزين الحياة وروايتها.
الهاتف يستطيع أن يحفظ آلاف الصور، لكنه لا يعرف أي صورة غيرت حياتي.
الخادم الإلكتروني يستطيع الاحتفاظ بآلاف الرسائل، لكنه لا يعرف أي رسالة جعلتني أفرح أو أنهارت أمامها إحدى يقينياتي.
هنا يعود دور الكاتب.
الخوارزمية تحفظ والإنسان يختار
قد يصل الذكاء الاصطناعي قريبًا إلى درجة يستطيع معها ترتيب الصور والتسجيلات والرسائل وفق السنوات والأماكن والأشخاص.
قد يقول لي النظام: هذه صورك في مدينة معينة، وهذه الأصوات المرتبطة بها، وهذه الرسائل التي كتبتها خلال الفترة نفسها.
لكن اختيار المعنى يظل مسألة أخرى.
فالخوارزمية تعرف أن صورتين التقطتا في اليوم نفسه، لكنها لا تعرف بالضرورة لماذا تعني إحداهما لي أكثر من الأخرى.
تستطيع الآلة ترتيب الذاكرة، لكن الإنسان هو الذي يمنحها الدلالة.
وهنا يظهر مستقبل مثير للسيرة الذاتية: تعاون بين الذاكرة البشرية والذاكرة الاصطناعية.
الخطر الذي يسكن الذاكرة الرقمية
ومع ذلك، لا أستطيع النظر إلى اليوميات الرقمية بوصفها حلمًا جميلًا فقط.
هناك سؤال الخصوصية.
من يملك هذه الذاكرة؟
إذا وضعت حياتي في منصة رقمية، فهل تظل حياتي ملكًا لي؟
ماذا يحدث إذا اختفت المنصة؟
ماذا يحدث إذا فقدت كلمة المرور؟
وماذا يحدث إذا تحولت أكثر لحظات حياتي خصوصية إلى بيانات مخزنة لدى شركة لا أعرف ما الذي يمكن أن تفعله بها بعد سنوات؟
الدفتر القديم قد يحترق، لكن الملف الرقمي قد يختفي أيضًا بضغطة واحدة.
ولهذا فإن بناء السيرة الرقمية يحتاج إلى وعي تقني بقدر حاجته إلى حس أدبي.
هل نستطيع الوثوق بالذاكرة المصورة؟
هناك سؤال أكثر تعقيدًا.
هل الصورة تقول الحقيقة دائمًا؟
بالطبع لا.
الصورة تختار إطارًا وتخفي ما خارجه.
الفيديو يمكن أن يقتطع دقيقة من حدث استمر ساعات.
والتسجيل الصوتي قد يحتفظ بكلمات ويترك سياقها خارج التسجيل.
إذن، تعدد الوسائط لا يلغي مشكلة الذاكرة، بل يجعلها أكثر تعقيدًا.
السيرة الرقمية ليست الحقيقة الكاملة عن حياتنا.
إنها، مثل أي سيرة، اختيار من الحياة.
نقرر ما نعرضه وما نخفيه، وما نحتفظ به وما نحذفه.
أدب جديد يولد أمامنا
أرى في «اليوميات الرقمية» أكثر من مجرد دفتر إلكتروني.
إنها جنس سردي آخذ في التشكل.
قد نقرأ مستقبلًا سيرة كاتب فنجد النص إلى جانب صوته، وصوره، وفيديوهاته، ومخطوطاته الأولى، ورسائله، وربما الأماكن التي كتب فيها أجزاء من كتبه.
وقد تتحول قراءة السيرة من الانتقال بين الفصول إلى التجول داخل حياة كاملة.
سيستطيع القارئ أن يقرأ، ويسمع، ويرى.
وسيصبح الكتاب شيئًا أقرب إلى فضاء ذاكرة مفتوح.
حياتنا تبحث عن شكل جديد للحكاية
أفكر أحيانًا في الكم الهائل من التفاصيل التي تفقدها كل حياة.
وجوه ننسى ملامحها.
أصوات تختفي.
بيوت تهدم.
شوارع تتغير.
رسائل تضيع.
صور تتلف.
وأشخاص يغادرون تاركين وراءهم فراغًا لا تستطيع الذاكرة وحدها ملأه.
ربما تمنحنا اليوميات الرقمية فرصة جديدة لمقاومة هذا الاختفاء.
ليس لأنها ستجعلنا خالدين، فالخلود وهم قديم، وإنما لأنها تسمح لنا بأن نترك وراءنا ذاكرة أكثر غنى من مجرد مجموعة صفحات.
سيرة يستطيع أبناؤنا وأحفادنا أن يقرأوها، وأن يسمعوا أصواتنا داخلها، وأن يشاهدوا الأماكن التي عشنا فيها، وأن يروا وجوه الذين أحببناهم.
ربما سيأتي يوم لا نقول فيه إن فلانًا ترك وراءه مذكراته.
سنقول إنه ترك وراءه عالَمَه الرقمي.
عالَمًا من النصوص والصور والأصوات والفيديوهات والرسائل والذكريات.
وعندها لن تكون السيرة الذاتية مجرد قصة حياة.
ستصبح حياةً ثانية، أعيد تركيبها داخل الذاكرة الرقمية.
بقلم: عبده حقي








0 التعليقات:
إرسال تعليق