عادت أوضاع السكان في مخيمات تندوف، جنوب غرب الجزائر، إلى واجهة النقاش الحقوقي في جنيف خلال الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، المنعقدة من 7 شتنبر إلى 7 أكتوبر 2026. وهذه المرة لم تقتصر المداخلات على الوضع الإنساني أو المساعدات الغذائية، بل توسعت لتشمل أسئلة أكثر حساسية تتعلق بالوصول المستقل إلى السكان، وآليات الشكاوى والانتصاف، وحماية الأطفال والنساء، والاحتجاز والتعذيب المزعومين، ومخاطر الاتجار بالبشر وأشكال الاستغلال المرتبطة بحالات النزوح الطويلة. وتؤكد الصفحة الرسمية للمجلس أن الدورة ما تزال جارية، وهو ما يعني أن المواقف والمداخلات بشأن الملف قد تتواصل خلال الأسابيع المقبلة.
أبرز هذه المداخلات جاءت عن منظمة النهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية (PDES)، التي أثارت أمام المجلس مسألة تحول أوضاع النزوح الطويلة إلى بيئات تتراجع فيها ضمانات الحماية. وفي الثامن من شتنبر، خلال النقاش العام المرتبط بالبند الثاني من جدول أعمال المجلس، دعت المنظمة إلى عدم اختزال التعامل مع مخيمات تندوف في البعد الإنساني وحده، معتبرة أن تقديم المساعدات، على أهميته، لا يمكن أن يكون بديلًا عن آليات مستقلة لمراقبة أوضاع حقوق الإنسان، ولا عن إمكان تقديم الشكاوى والحصول على سبل انتصاف فعالة. كما شددت على مسؤولية الدولة المضيفة في ضمان الحقوق للأشخاص الموجودين فوق أراضيها والتعاون مع آليات الأمم المتحدة.
وتكررت الرسالة بعد أيام في سياق أكثر تحديدًا. ففي مداخلة خلال حوار تفاعلي بشأن الأشكال المعاصرة للرق والاتجار بالأشخاص، لفتت الناشطة الحقوقية عائشة الدويهي، باسم المنظمة نفسها، إلى ما وصفته بعوامل هشاشة مرتبطة بالنزوح المطول في مخيمات تندوف. وربطت مخاطر الاتجار والاستغلال بعوامل مثل الفقر والتهميش والتمييز والاعتماد الاقتصادي وضعف الوصول إلى العدالة، معتبرة أن النساء والأطفال قد يكونون أكثر عرضة لهذه المخاطر. وطرحت المنظمة سؤالًا عمليًا على المقررة الخاصة يتعلق بكيفية ضمان الوصول المستقل إلى السكان، والتعرف المبكر إلى الضحايا المحتملين، وإقامة آليات متاحة للشكاوى والحماية والانتصاف.
وتكتسب هذه المداخلة دلالة خاصة لأنها تنقل النقاش من توصيف ظروف المخيمات إلى سؤال مؤسساتي: من يراقب؟ ومن يستقبل الشكاوى؟ وإلى أي جهة يمكن أن يتوجه الشخص إذا اعتبر أن حقًا من حقوقه قد انتُهك؟ وهي أسئلة ليست جديدة كليًا في منظومة الأمم المتحدة. فقد سبق للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن عبّرت، في ملاحظاتها الختامية بشأن الجزائر سنة 2018، عن قلقها من نقل صلاحيات فعلية، ولا سيما الصلاحيات القضائية، إلى جبهة البوليساريو داخل مخيمات تندوف، واعتبرت أن على الجزائر ضمان الحرية والأمن وإمكانية الوصول إلى سبل انتصاف فعالة لكل الأشخاص الموجودين على أراضيها، بمن فيهم سكان المخيمات.
ولم يبق هذا المبدأ في مستوى الملاحظة العامة فقط. ففي قضايا فردية عرضت لاحقًا على اللجنة، أعادت الهيئة الأممية التأكيد على أن غياب إمكانية اللجوء الفعلي إلى القضاء بالنسبة إلى أشخاص في مخيمات تندوف يطرح إشكالًا يتعلق بالحق في الانتصاف، وأشارت إلى أن نقل السلطات بصورة فعلية إلى البوليساريو لا يعفي الدولة الطرف من التزاماتها بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وخلال الأيام الأولى من الدورة الحالية، حضرت أيضًا قضية الأطفال. فقد تحدثت منظمات، من بينها شبكة الوحدة من أجل تنمية موريتانيا، عن مزاعم تتعلق بتجنيد قاصرين أو إخضاع أطفال لتدريبات عسكرية داخل المخيمات. وأشارت تغطيات للمداولات إلى ادعاءات بأن أطفالًا في سن مبكرة يفصلون عن أسرهم أو يخضعون لتكوينات ذات طابع عسكري. غير أن هذه الادعاءات، رغم خطورتها، ينبغي التعامل معها صحفيًا باعتبارها اتهامات صادرة عن منظمات مشاركة في أعمال المجلس، لا باعتبارها نتائج تحقيق أممي مستقل منشور خلال الدورة الحالية.
وفي 15 شتنبر، اتخذ النقاش بعدًا أمنيًا أوسع عندما تحدث ممثل الشبكة الإفريقية للتنمية والحكامة وحقوق الإنسان عن مزاعم تتعلق باستقطاب شبان من مخيمات تندوف من طرف جماعات مسلحة تنشط في منطقة الساحل والصحراء. ووصلت المنظمة إلى حد الربط بين بعض حالات الاستقطاب وشبكات مسلحة عابرة للحدود. وهي اتهامات شديدة الحساسية سياسيًا وأمنيًا ولم أعثر، ضمن المصادر الأممية المتاحة للدورة حتى 18 شتنبر، على تقرير مستقل صادر عن المجلس يثبتها بصورة عامة، ولذلك تبقى منسوبة إلى المنظمة التي قدمتها.
أما في 18 شتنبر، فقد دخلت مداخلات جديدة إلى النقاش تحت البند الثالث الخاص بتعزيز وحماية الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وأثار أيمن عقيل، باسم مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان، مزاعم تتعلق بالاحتجاز التعسفي والتعذيب والقيود على التظاهر والاحتجاج السلمي داخل المخيمات، وطلب تمكين مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وخبرائها من الوصول وإجراء تقييم مستقل للأوضاع. وتلتقي هذه الدعوة، رغم اختلاف المنظمات والخلفيات، مع المطلب المتكرر منذ بداية الدورة: الوصول المستقل والمراقبة المباشرة بدل الاكتفاء بالمعلومات المتعارضة التي تقدمها أطراف النزاع.
وخارج نطاق مداخلات المنظمات غير الحكومية، تتيح وثيقة أممية رسمية حديثة قدرًا أكبر من التوازن. ففي تقرير للأمم المتحدة صدر سنة 2026 حول الصحراء الغربية، أشارت المفوضية السامية لحقوق الإنسان إلى ورود معلومات بشأن استمرار هشاشة الظروف المعيشية في مخيمات تندوف، بما في ذلك انعدام الأمن الغذائي، وشددت على ضرورة ضمان حماية حقوق الإنسان للاجئين الصحراويين. وفي الوثيقة نفسها، ورد أيضًا أن المغرب قدم إلى المفوضية معلومات بشأن ادعاءات بانتهاكات حقوق الإنسان في المخيمات. وهذه الصياغة الأممية دقيقة لأنها تميز بين ما تلقته المفوضية من معلومات وبين ما أثبتته هي عبر تحقيق مستقل. (
وتكشف دورة جنيف الحالية، في المحصلة، عن تحول في زاوية معالجة ملف تندوف. فبعد عقود كان الخطاب الدولي خلالها يركز أساسًا على الإغاثة والغذاء والصحة، أصبحت قضية الحماية الحقوقية تحتل مساحة أكبر: هل توجد آليات مستقلة يمكن للسكان الوصول إليها؟ هل يستطيع الضحايا المحتملون تقديم شكاوى خارج الهياكل الموجودة داخل المخيمات؟ وهل يمكن لمراقبين أمميين مستقلين الوصول بصورة منتظمة بما يسمح بالتحقق من الاتهامات المتبادلة؟
هذه الأسئلة هي في جوهرها أهم من السجال السياسي نفسه، لأن قيمتها لا تتوقف على صحة موقف هذا الطرف أو ذاك من نزاع الصحراء. فمن منظور حقوق الإنسان، ينبغي أن يمتلك كل فرد، أينما كان، إمكانية الوصول إلى الحماية والعدالة والمراقبة المستقلة.
لهذا تبدو النقطة الأكثر قابلية للتحقق والقياس في مداخلات الدورة الثالثة والستين هي الدعوة إلى وصول أممي مستقل ومنتظم إلى مخيمات تندوف وإلى توفير آليات شكاوى وانتصاف فعالة للسكان. فالتحقيق الميداني المستقل يمكن أن يثبت بعض الادعاءات أو ينفيها، ويحول النقاش من حرب روايات سياسية إلى وقائع قابلة للتوثيق. وحتى 18 شتنبر 2026، لا يوجد ما يثبت أن مجلس حقوق الإنسان أصدر قرارًا يتبنى الاتهامات التي عرضتها المنظمات غير الحكومية خلال هذه الدورة؛ الموجود هو سلسلة مداخلات وادعاءات حقوقية، إلى جانب مواقف سابقة وموثقة لهيئات أممية بشأن مسؤولية الدولة المضيفة عن ضمان الحقوق وسبل الانتصاف داخل المخيمات. وهذه هي الحدود الدقيقة بين الخبر الحقوقي الموثق والخطاب السياسي الذي ينبغي للصحافة ألا تخلط بينهما.







0 التعليقات:
إرسال تعليق